الحاكم الأبشع لم يأت بعد!

الحاكم الأبشع لم يأت بعد!

خالد سلمان
قال الرئيس:
اليمن ليست تونس.
نعم إنها ليست كذلك: تونس 13? فقر، واليمن 70? تحت خط الفقر.
اليمن مش مصر!
نعم مصر دولة واليمن سلطة عائلة حاكمة.
اليمن لن تكون ليبيا!
نعم.. لقد تأخرت عن شقيقاتها الثلاث.. ولكنها الآن تلحق بالركب.. وبعد ليبيا أو تزامناً معها وبمحاذاتها لن تكون اليمن إلا التالية.
وبين لاءات الرئيس الثلاث.. هناك “نعم” مشتركة توحده ببن علي ومبارك ومعمر:
دموية مفرطة، ونهاية حتمية بائسة.
< بمناسبة الدموية هناك علاقة نسبة وتناسب بين مليارات الرئيس المنهوبة وعدد قتلاه:
تونس بن علي 9 مليارات وقتلى بالعشرينيات.
حسني مبارك 75 ملياراً وقتلى يتخطى حاجز ال300.
معمر ليبيا 170 ملياراً وقتلاه بالآلاف.
ترى كم هي مليارات صالح؟ وكم سيكون عدد قتلى حاكم اليمن؟!
اللهم اجعله فقيراً معوزاً، واجعل شهداء رحيله في حدود الاحتمال.
< أنا معمر.. لست رئيساً حتى أستقيل.. إنها مشكلته هو شعبي يحبني؟ ومن أجله أحتمل لوعة هذا الحب، وأشقى.
وجاء الرد من صنعاء: السلطة سأم ومغارم ورقص على رؤوس الأفاعي.. ولكن من أجل الشعب سأبقى ل30 سنة أخرى.. ولن أرحل إلا على عيدان “تابوت الانتخابـ”.
< استنتاج من ضحايا ثورات ثلاث:
أبشع الرؤساء.. لم يأتِ بعد.
نتمنى ألا يكون ذلك القادم يحمل بطاقة هوية صادرة عن ديوان محكمة اليمن.
< تلقى سكان طرابلس رسائل هاتفية من السلطة:
ادع لمعمر القذافي 10 مرات.. تكسب لرصيد هاتفك 1000 دينار.
رد الشباب الثائر برسالة جوابية:
اخرج لتظاهرة الجمعة.. ومعك 10 من الأصدقاء تكسب طرابلس حرة.
< امتزج دم عدن.. بدماء شباب صنعاء وتعز، وأهدى ذاك الدم المقدس للمستبد بطاقة بريدية كتب عليها.. لك واحدة من ثلاث:
ممر آمن وحقيبة سفر
جنايات دولية ونهاية فاجعة
قفص اتهام عادل، وربما حبل مشنقة
وأنت من الآن يمم وجهك شطر حيث شئت من خيار.

على رغيف الخبز.. والوجوه.. والجباه: إرحل
> هؤلاء الشباب يعرفون جيداً ما يريدون.. لم يخرجوا بحثاً عن حبة “سبرين” مسكنة لصداع الأزمات.. عن قنينة عطر تُرش لإخفاء عفونة فساد الحكم.. لم يتنادوا إلى الساحات العامة لتدبيج عريضة مطالب.. يحملها “مُراجع” يطرق بها بوابة القصر الرئاسي بحثاً عن فتات إصلاح أو قُلامة ظفر تنازل.
> هؤلاء قالوا كلمتهم ببساطة غير مفتوحة على سوء فهم أو التباس تأويل.. من 45 مفردات صاغوا إنجيل الثورة، من سطر واحد رسموا خارطة طريق الخلاص: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
على رغيف خبزهم الحاف كتبوا “إرحلـ”، على جباه الأطفال “إرحلـ”، على وجوههم المدعوكة بالتعب “إرحلـ”، بقبضات شيوخ هدها الجور “إرحلـ”، بصوت امرأة في شهرها الثامن بصقت مرارتها في ميدان التغيير، ندبت حظها العاثر.. صرخت “أتيت إلى الدنيا ولم أرَ سوى صورتك في القصر.. اسمك بالمذياع.. رسمك في تقاطع الطرق ومرايا السيارات.. مزاياك في مدائح هزائمك الحربية، ونصبك على أسوار المقابر.. وكي لا يراك ابني القادم بعد شهر.. أنا هنا أهتف “إرحلـ”.
من صنعاء إلى عدن.. من تهامة إلى البيضاء.. من تعز إلى أرحب، دوَّت “إرحلـ” بكل لهجات القوم.. وطبقات الصوت الفخيم والأجش.. “إرحلـ” يا هذا اللابد بكرسي الحكم الملتصق به بهوس مريض.. ارحل كفى أعوام “رمادة”.. وفاقة وحمامات دم.
30 عاماً وفوقها 3.. وهذا الخراب يعشش في كل زوايا البلاد.. الآن يكتب الشباب وحدهم روشتة لخلاص بعد طول تعسر ولادة وآلام مخاض “إرحلـ”.
< مسكين هذا الرجل، سيقاتل من أجل أبدية حكمه حتى آخر قطرة دم في الشعب.. مسكين هذا الرجل يلعب في زمن ضائع ليس زمنه.. يناور في لحظة انعدام فرص المناورة.
يستحضر فزاعة القاعدة.. يبعث جعجعتها صوب مدن الضرب.. يوجهها وهو من يملك بوصلة حركتها.. بتفجير هنا.. بصدام هناك.. يعيد خلقها فقط على مانشتات الصحف وعناوين نشرات الأخبار، علها تروع عواصم القرار، وتمنحه عمراً إضافياً للاحتضار.
مسكين هذا الرجل يقلِّب دفاتر حِيله القديمة.. يستخرج من جعبته فخاً آخر: دعونا نلعب كرت الأسافين.. ندعو للحوار.. نشرخ هذا التقارب بين تجارب النخب، وزخم شباب الاحتجاج.
وهذه ورقة ثالثة: فقهاء السلطان، وعلماء إفتاء تكفير الخارجين على طغيان الحاكم الجائر.
ورابعة بزج خطباء الجهاد إلى ساحات الحشد الشبابي.. للتشويش على ما بعد سقوط الحكم.. ودق نواقيس الخطر من دولة دينية لا مدنية قادمة.
لم يبق له سوى لعبة مميتة قاضية: إشعال فتيل قنبلة الحرب في صعدة.. لإعلان حالة الطوارئ، وذبح دعاة إسقاط النظام.. بسكين أمن الوطن أولاً، وسلامة أراضيه قبل كل المطالب، وفوق كل اعتبار.
ألم نقل رغم كل مجازر معتوه ليبيا، فإن الرئيس الأبشع لم يأتِ بعد.
ربما قريباً من هنا سيأتي