نافذة.. في ترجمة الحشد – منصور هائل

نافذة.. في ترجمة الحشد – منصور هائل

ما الذي يمكن قراءته على سطح صفحات الرغوة المتكسرة لأمواج الحشود المتدافعة بالركب والمناكب، والمكتضة في الشوارع والساحات والملاعب لتهتف لمرشح الحزب الحاكم او لمرشح احزاب اللقاء المشترك؟
هل هم الموتى وقد خرجوا في اجازة ويقال: «الشعب»، ام انه الشعب وقد تأهل لصياغة مطلع التغيير، ومستهل العبور إلى زمن الفعل والحضور الانساني المبدع؟
وهل يمكن اجالة النظر إلى ماهو ابعد من الصورة المنظورة واستبطان هذا الذي يحدث بإحالته إلى اضطرام الحاجة للتنفيس عن احتقانات، واطلاق مكبوتات، وتنخيس ضغوط واكراهات، وخرق لجدران الرتابة والمألوف، ولأكفان وسجون العادات، وتفصيح لعثمة، وتفجير مسكوت..؟
وهل تسمح لنا تلك الحشود الهادرة بالنظر إليها من زاوية الانسياب المترقرق في مجرى كتابه اشواق «برتقالية» بقوة الاعتراض السلمي المجسد في الأفق بألوان قوس قزح، والمبلور في الميادين والارصفة والحدائق بأطفال وشباب وصبايا ورجال وشيوخ ونساء يرقصون ويغنون للتغيير، ويرفلون برايات وشموع وفوانيس وطائرات ورقية وورد وفل وسنابل ومناجل تضع بصمتها على صوت الهتاف وتروضه بغنائية مرحه، فرحه بالحياة؟
وماذا لو غامرنا في ترجمة هذه الحشود إلى أرقام؟.. وماذا لو جاءت الترجمة بعناوين ومفردات صادمة، خاصة وان ترجمة الحشود إلى أرقام ستفرض علينا التعامل مع منطوق معطياتها بنزاهة لا تستبعد النظر إلى تلك الجموع المحتشدة حول (الحاكم) -مثلاً- وهي تهتف بمال عام واموال ملغمة ومغسولة، وبعسكر ومعسكرات ومشائخ وقبائل وأبواق وطبالين وأفاكين، ومنافقين ولاعقي احذية!
ومن الوارد أن تطالعنا الترجمة الرقمية لحشود «المشترك» بعناوين يتقابل ويتماثل بعضها مع عناوين «المؤتمر» مع فارق لافت في بعض العناوين التي تستمطر التغيير من السماء وفي ا لقليل من العناوين التي لا تخشى الافصاح عن رغبة عميقة، غائرة، وملتهبة بابتكار وطن ومواطن في اليمن.
وبين هذا وذاك كان لافتا ان القبيلة تعيد انتاج دورتها، وتستأنف حضورها بنشاط ينزع الى تمديد خطوط انتاج الدورة الراهنة لتشمل الرقعة الكاملة للبلاد، وتشمل على بعث العروق الميتة لعصبيات قبلية سادت ثم بادت عمارتها في بعض الاصقاع.
وبين هذا وذاك لا يمكن القول بانسداد نافذة الأمل، ولسنا في وارد القطع بالقول ان ما يجري لا يكتسي من الحداثة -الديمقراطية، وتقنية الانتخابات- غير مساحيقها وعنوانها الخارجي.
وبهذا المنحى لا بأس من الاشارة إلى أن نافذة الأمل لن تكون في رسم الانسداد اذا ما تبلورت الوقائع والمعطيات التي ترجح من احتمال تغيير قواعد اللعبة، واحتمال سيادة منطق الدولة الوطنية والاعتراف بالافراد كمواطنين، وان كان التقاء الفرقاء في الدهليز الإقصائي المعتم لا يبشر بخير في المستوى المنظور، على الأقل، وذلك ان توحد هؤلاء الفرقاء على إقصاء المرأة من مجال المشاركة، والاحتفاظ بدور النساء كقنابل في صناديق الاقتراع سيظل مانعاً لإقلاع طائرة الديمقراطية، وللحلم بالخروج من مستنقع الدم المعمم بالجهل والقسوة، والمزدان بعمائم سوداء وبيضاء وحوذات حمراء وزرقاء وخضراء، وعباءات الاتحاد بالغيب، والاحتشاد بالقبائل والمذاهب والضجيج الذي لا يسمع غير نفسه، وكافة هؤلاء الجاهزون للرقص على انقاض دولة، والوعد بحروب اهلية طويلة ومريرة.. في حال انسداد كوة الامل الاخيرة.

[email protected]