التغيير بشكل منفرد – محسن العمودي

التغيير بشكل منفرد – محسن العمودي

لا أحد يزعم انه يستطيع إدارة دفة البلد بمفرده، والديمقراطية التوافقية هي الباب الذي يمكن لهذا البلد أن يخرج منه إلى نور الحداثة، حيث إذا استمرت أطراف القوى السياسية بنفس الطريقة التي ركنت إليها في مسيرتها الطويلة من التجربة والخطأ السياسي , فإنها تسير نحو الحرب الأهلية وهو خطر داهم وحقيقي.
ولنا أن ننظر إلى الصومال مثلا , فقد تفككت الدولة إلى درجة يصعب معها جمع وحدتها حيث اشتبك الأهل في حرب الأهل، وفي السودان حيث التجربة والخطأ اللذان مورسا هناك أوصلت السودان إلى القبول، ولو بشكل ضمني، بتفكيك الدولة , وأضحت على شفا فرقة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.
لمثل هذه الأسباب فان أحدا لا يستطيع أن ينجز مشروعا تغييريا، ومن هنا فان الديمقراطية التوافقية هي أحد أهم المخارج لتفادي التفريط بالوطن.
لقد قامت الوحدة اليمنية على أساس توافقي , إلا أن هذا المفهوم لم يرسخ في الثقافة الحزبية اليمنية , لعدد من الأسباب لعل أهمها ضعف الوعي بأهمية التوافق السياسي لتسيير الوطن وتنميته، وأيضا لضعف هذه الأحزاب التي مازالت في اغلبها تربط أفراد المجتمع برابطة المذهب أوالدين , بعيدا عن رابطة المصالح الوطنية الشاملة. مثل هذه الممارسة لم ترسخ بعد، لذلك تجد بعض الأحزاب أنها أحق من غيرها بإدارة الوطن وتقسيم منافعه.
الزمن اختلف اليوم كثيرا عن التفكير الأحادي المنقطع عن الآخرين. ولم يعد مفهوم الدولة هو مفهوم السلالة أو الفئة أو الانتماء الديني فمفهوم الوطن أوسع من ذلك بكثير , فهو يعني المساواة وتكافؤ الفرص وإعلاء كلمة القانون الذي يطبق على الجميع دون تمييز أو تحيز. وقد كان علي عبدالله صالح خلال مرحلة حكمه واسع الصدر قابل للنقد وخاصة عندما كان الناقدون يشيرون إلى أماكن الخلل والنقص.
على هذه الأطراف أن تدرك أن عملية الانتقال الديمقراطي محكومة بأن تكون محط توافق اجتماعي حتى تكون ممكنة. على هذه الأطراف أن تجعل من الديمقراطية إستراتيجية كاملة لكل المجتمع السياسي لا مجرد رهان سياسي تكتيكي فهلوي , ولابد أيضا من التسليم بأن الحقبة التي كان ينظر فيها إلى الديمقراطية والبرلمان بوصفها لعبه سياسية قد انتهت. وان الحاجة أصبحت ماسة إلى إعادة وعي خيار الانتقال الديمقراطي على نحو جديد, بوصفه مخرجا تاريخيا من الانسداد السياسي العام.
وعلى المعارضة أن تعترف بحقيقة التطور في ميدان التراكم السياسي , فهو المدخل إلى وعي الفارق بين الممكن والمستحيل في مجال الاستراتيجيات والاختيارات السياسية، غير أن هذا الاعتراف لا يكفي إذا لم تردفه ببناء تصورات عن عملية الانتقال تلك: عن معنى ضرورتها وعن آليتها ومحطاتها المطلوبة. في سياق هذا التفكير نكون أمام حاجتين: أمام الحاجة إلى بناء وتكريس هدنة سياسية مستديمة تساعد على انطلاق عملية الانتقال الديمقراطي، وأمام الحاجة إلى إيجاد صفقة سياسية تاريخية بين السلطة والمعارضة تساعد على خلق الإطار الحقيقي لتوليد ذلك الانتقال.
ونحن نلح على الهدنة السياسية في الوقت الراهن لتجاوز ذلك التراكم الهائل من وقائع التدمير والتقويض اللذين نتجا عن جنوح التناقضات السياسية والتي عبرت عن نفسها من خلال العنف المادي والرمزي، وبالمقابل لابد من التأكيد على أن هذه الهدنة لا قيمة لها إذا جانبت البناء الديمقراطي وجعلته خيارا سياسيا يعمل على نزع فتيل الانهيارات الداخلية ولا قيمة لها إذا لم تضع في أولوياتها التنمية السياسية الشاملة والمتوازنة داخل المجتمع.
ومن هنا فنحن نفترض أن هذه الهدنة تقوم على صفقة سياسية بين السلطة والمعارضة تؤسس لعملية انتقال ديمقراطي تحظى بالتوافق والإجماع بين الأطراف المختلفة.
[email protected]