جنازة المرأة من الباب الخلفي للرئاسة – أروى عثمان

جنازة المرأة من الباب الخلفي للرئاسة – أروى عثمان

بعد رسائل تليفونية مشتعلة، داعمة لدعوة إحدى الزميلات، للقيام بمسيرة سلمية إلى قصر الرئاسة والسؤال: لماذا الأحزاب السياسية أحجمت عن ترشيح النساء إلى المجالس المحلية بالنسبة المحددة والموعودة؟
وعلى هدي ماجاء في الرسالة: “.. فمن أجل العدالة والمساواة، وحقوقنا المهدورة، نرجو منكم ذكوراً وإناثاً، ألا تتأخروا”..
ولأننا من العرب العاربة، الذين يهبون لنجدة الملهوف، خصوصاً عندما يطّعم الخطاب (باسم، ومن أجل)، فقد هرولنا تحت راية هاتين الجملتين اللتين طالما حولتانا إلى قطعان.
وتلبية لنداء الرسالة انتشرنا (من يا لله رضاك) وكانت في ذهني صورة ثورة البرتقال التي قادتها المرأة الكويتية بكل اقتدار. وارتكزت معادلتي على أن الشرشف يمكن أن يثمر برتقالاً، وإن لم.. فعلى الأقل يمكن أن يلوح في الأفق لون برتقالي.

طلوع.. نزول
وركبنا الباصات، ونزلنا من الباصات، وطلعنا سيارات، ونزلنا من السيارات، وترجلنا، و”حبينا ” حتى وصلنا إلى القصر الرئاسي، ولم يبرق أمامنا خيط قشرة برتقال. لا شيء يلوح في ذلك السديم.
في هذه الأثناء كانت الصور تنتثر من حولنا، والمايكرفونات، بأشكال وأحجام وألوان تناسب سوادنا، فالأسود يمشي مع كل الألوان.
“يا الله ببرتقالة”، ولا حتى ليمونة حامضة، ولا حتى بلسة، حتى لو كانت من البلس الشوكي، لا ثمرة تلوح غير الغوغائية المثمرة الطافحة التي دلقت للميكروفونات بأحاديث الموتى.
لكن للأمانة كانت هناك نخبة من نساء المجتمع المدني، سلّين على قلوبنا وسط هذه المهزلة بقليل من “الحشوش”.
وتصدقوا، “مدري” كيف نزلنا من الباصات وما درينا إلا ونحن نحتشد من الممر الخلفي لقصر الرئاسة، ومعنا عدتنا من لافتات مضادة للموروث الشعبي الذي يصادر حق المرأة، ولافتات تدافع عن حقوقنا الطبيعية والمشروعة، وزامل شعبي مع شوروية الانتخابات، وعن.. وعن.. وعن.. الخ، فكنا مثل تلك الكائنات البشرية التي كان يحنطها البروفيسور “جونس” في رواية “ايفالونا” لإيزبيل الليندي. (وبالمناسبة لو تكرمت حكومتنا باستقدامه ليحنط لنا عشرين مليوناً.. قبل أن ننقرض، ستفعل خيراً)
وللأمانة أيضاً، كان أول مطلب شعبي آت من رحم الموروث الشعبي: فالنساء لا يدخلن إلا من الدهاليز، على غرار المصلى، حيث تحشر المصليات في ملحق، معتم، بينما يدخل المصلون الرجال من الباب الرئيس للمسجد. فالكشف على النساء عيب.
فلا يجوز أن نطالب بحقوقنا في مكان مكشوف، لمن هب ودب.
انقسمت الجنازة، أو بالأحرى تحنطنا إلى ثلاثة رزم، “معاصبـ”:
الرزمة الأولى: الزعامة / القيادات ذوات العقول الوقادة التي تسوق الرعية (القطيع الأسود). أو ما يطلق عليهن تجاوزاً: نساء (وأشك أن الشوارب ملصقة في مكان مخفي من أجسادهن وأنهن متنكرات في زي بالوطوهات نسائية)؛ فما يقطر من ألسنتهن، يشير إلى أنهن أكثر فحولة من الفحول.
الرزمة الثانية: اللواتي صدقن أنه سيذهب إلى مسيرة، محفوفة بظلال البرتقال.
أما المعصب الثالث: الغالبية، وهن نساء لا يعرفن لماذا أتين، مجلوبات من بني حشيش، وربما السدة، وشبوة، والمهرة. فقائدات “المعصبـ” الأول يمتلكن عصاً سحرية، ويفقن السحرة في “الحزاوي” بأن كيدهن أعظم وأوجع، وإن بمقدورهن جلب جمهرة عريضة من أي صنف وبثانية واحدة، بحيث تجلس المرأة “تتعصور” بأسئلة: مابه؟ أيش؟ ما قالوا؟ ما قالين؟ ماجينا نعمل؟ وين لحنا سايرين؟ ولا من مجيب غير إجابة وحيدة يعرفنها، وهي أنهن “مصّبحات”، فالبعض منهن قد أتين دون أن يفتق ريقهن.
إحداهن قالت: والله مافي غيرها الخمسين الريال!
مسكينات، بعضهن عجائز، ” تكرضحين” في درجات القصر، وهن يحملن شعارات لا تنفع للتعكز.
لقد مارست النسوة عنفاً أكثر من مؤسساتهن التي يزعقن من عنفها، وكان عنفاً أسود مخفياً ومخيفاً.
بعد التفتيش الدقيق جداً دلفنا إلى القاعة الكبيرة. كانت الخطابات كلها تشرب من كوؤس الموتى: اروى، وبلقيس، هن فعلين، هن تركين، هن طحنين، هن عصدين.
احداهن رفعت نقطة نظام: لقد أغفلت زعيمتنا منظمات المجتمع المدني من قائمة المتحدثات.
“تدكم” زعيمتنا صدرها: “سعليكن يابناتي”، أنا أتكلم باسم المجتمع المدني، وباسم الحكومة، باسم الحزب، وباسم أم الصبيان، وباسم الملائكة، جملة، ومفرق، أنا الواحد الذي لا تالي له.

داخل السلة
كنا اندلقنا إلى قعر السلة الحاكمة، وتساوينا جميعاً على خط الفحولة. (نسوان) من الحزب الحاكم، على نسوان حزب اشتراكي، على إصلاح، على مجتمع مدني، على ناصريين ديمقراطيين، على حزب خضر، وصفر، وزرق، على جن مخفيين، وظاهرين، وتحققت المساواة ب99,9 الله أكبر.. لكن لا برتقالة، ولا قشرتها تلوح خارج السلة.

زندنة
ونحن نتدافع في بوابات القصر، هلَّ علينا أبو الفتاوى الشيخ الزنداني. سألته زميلة: فين ال15 من مرشحات الإصلاح؟ رد ببرود: في البيت!!

ذهنية العبيد
فلتفشل المرأة في المجالس المحلية، والمراقد الخارجية، والمداكي الإقليمية، والمساند الدولية، ليس هنا المشكلة، المشكلة أكبر وأعقد بكثير فلن نردد ما يقال: ماذا تعمل النسوة في الحكومة العطل.
المشكلة نحن بحاجة إلى مزيل لبقع الدهون المستعصية في الذهنيات النسوية قبل الرجالية.
فبالرغم من الشعارات النسائية المطالبة بحقوقنا،إلا أننا نعمل ضدها، فمازلنا قُصَّر، ونحتاج إلى ظل راجل، وظل حاكم، مازلنا نساء من عبيد، نحتاج إلى محرر، ومنقذ حتى لو كان من ظل، المهم يكون (جَعيل / فحل / ملء السمع والبصر) عقولنا محكومة بسلاسل العبيد، والإماء.
ومازلنا ضعيفات، يتيمات، نحتاج إلى أب، وأب حاكم، حتى لو كان من “زارقة”!! – مع الاعتذار للأستاذ القدير عبد العزيز الزارقة.
مازلنا حتى اللحظة، برغم مناصبنا، وأدبياتنا القصصية والشعرية، ومعلقاتنا الخطابية الحماسية، لا نفرق بين لغة الخطاب في البيت، أو الخطاب في حضرة الرئيس بقصره الجمهوري. مازلنا محصورات بثقافة الاستظلال، والمظلات: أن نتنور، من نوره، وبجنح الرجال لا بجنح الحجار، ومازلنا نلهث وراء سراج البيت وضوئه على صراط علي ابن زايد.

خلصت الخُبارة
الى الزميلات العزيزات: سرنا وجينا للمطالبة بحصص النساء في المجالس المحلية، ورجعنا بحصص ومقررات دراسية ابتدائية، بل وتمهيدي، يجب أن نصغي إليها، ونحفظها عن ظهر قلب، وأيضاً لا ننس أن نتربع، مع حضرة الدرس: أبي صالح، أمي بلقيس، أختي أروى، أخي أحمد.. فرددن أيتها النسوة: إ/ كسرة، أُ / ضمة، أَ/ فتحة. أ، إي، أو.
وإلا كيف تشوفوووووووو؟؟
[email protected]