عبدالباري طاهر يتساءل: ما بعد حرب لبنان

عبدالباري طاهر يتساءل: ما بعد حرب لبنان

معروف حد البداهة أنَّ للدولة الإسرائيلية وظائف استعمارية أهمها: فصل الوطن العربي بعضه عن بعض، وحماية المصالح الاستعمارية: الفرنسية والبريطانية أولاً، والأمريكية أخيراً.
حرب 56 اشتركت فيها إسرائيل مع فرنسا وبريطانيا ضد الزعيم عبد الناصر الذي يدعم المناضلين الجزائريين في مواجهة فرنسا، كما أَنَّه تجرأ على المصالح الاستعمارية البريطانية في قناة السويس.
وإذا كانت إسرائيل قد استفادت من هذه الحرب بناء مفاعل “ديمونة” النووي بدعم فرنسي، فإن عبد الناصر بفضل المقاومة والانتصار قد تحول إلى بطل قومي. وأحدث الانتصار دوياً وأَثَّرَ عميقاً في المنطقة كلها.
من يقرأ التغيرات التي شهدها الفكر السياسي والثقافة عقب 56 يدرك التأثير العميق لهذا الانتصار القومي، ليس على فكر ناصر نفسه وإنما أيضاً على فكر خصومه السياسيين: الشيوعيين والإخوان المسلمين والبعث.
تبنى ناصر الاشتراكية العربية. ومع تأميم قناة السويس والقرارت الاشتراكية، سادت المنطقة موجة من دعوات وأفكار الاشتراكية امتد أثرها إلى مختلف التيارات السياسية ومنها الإخوان المسلمون. ومن يقرأ كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”معركة الرأسمالية” لسيد قطب، و”اشتراكية الإسلام” لمصطفى السباعي (المرشد العام للإخوان المسلمين السوريين)- يدرك الأثر العميق للانتصار والتأميم. أما الفكر اليساري فإن الأحزاب الشيوعية رغم تحفظاتها على جوانب معينة في الفكر القومي لدى تيار البعث والقوميين العرب وفكر ناصر، وانتقاداتها، إلا أنَّ التأميم والانتصار قد نقلها نقلة مهمة باتجاه العلنية والوزن والتأثير؛ فقد شكل التأميم والانتصار أرضيةً للتحالف مع الاتحاد السوفيتي، وبرزت الأفكار العلمية بمختلف مدارسها وتياراتها. وكان لمكانة الزعيم ناصر، ومصر نفسها، الأثر الكبير في هذه التحولات التي امتدت إلى القارات الخمس، والإسهام الفاعل في العديد من المنظمات الدولية، وبالأخص كتلة عدم الانحياز بزعامة: ناصر، نهرو، تيتو، شوئن لاي، وسوكارنو.
وفي اليمن فإن مفكراً عبقرياً، ويسارياً مؤسساً، وقائداً ومنظراً مهماً كالأستاذ عبد الله باذيب كان من أوائل من أدرك رياح التغيير الآتية من مصر، ومن بلاد الهلال الخصيب عقب نجاح الأستاذ خالد بكداش في الانتخابات النيابية في دمشق عام 57.
كان الأستاذ عبد الله باذيب ذا بصيرةٍ نافذة، وعقلٍّ نير وذكي. وأدرك بعمق أهمية الفكر الماركسي وامتزاجه بالتوجه القومي للتجربة الناصرية. وكانت كتاباته ذات عمق معرفي مازالت تشع حتى اليوم.
والحقيقة أنَّ تجربة مصر عبد الناصر قد تركت آثاراً جلية في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي رغم مظاهر الخلاف.
وكان التأثير كبيراً على اليمن في تجربة الثورة اليمنية سبتمبر 62، وأكتوبر 64، وعلى استقلال الجزائر، والتطورات في السودان وليبيا والخليج العربي.
ولم يتراجع المد والتأثير إلا عقب هزيمة 67 حين برز اتجاهان متضادان: الاتجاه المقاوم واليساري في الثورة الفلسطينية: فتح، الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، ومسميات أخرى. وفي الجانب الآخر ظهر تيار الإسلام السياسي وتحديداً الإخوان المسلمون الذين نُكِّل بهم في عهد ناصر أكثر مما نكل بهم في العهود الملكية.
انتصار حزب الله في لبنان يأتي في مكان مختلف وزمان أكثر اختلافاً. صحيح أنَّ لبنان البلد الصغير ذو تأثير عميق وكبير في مناطق مختلفة من العالم وبالأخص: في أمريكا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا، و له تأثير بالغ في المنطقة العربية كلها بفضل ريادته العلمية والمعرفية والأدبية والفنية.
ومع عدم التقليل من شأن الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله والتي شاركت معه فيه عدة أحزاب منها: الشيوعي، والقومي الاجتماعي، والإخوان المسلمون، وتيارات سياسية وفكرية مختلفة، فإن الدفاع عن الانتصار وحمايته، وتعميق مجراه، وعدم تجييره لأي طرف خارجي أو استخدامه أداة في الصراع الداخلي أو القومي أو الإقليمي- هو الأمر الأهم.
إن لبنان البلد الحر المدافع عن حريته وكرامته ما زال محاصراً ومهدداً بالقرارين الجائرين: 1559 و 1701. والقراران يستهدفان شق الوحدة الوطنية، والدفع بالخلافات الداخلية إلى حرب أهلية وصراعات طوائفية لمعاقبة المقاومة على هزيمة الوكيل المعتمد (إسرائيل)، وإفشال مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يراد له أن يشاد من جماجم أطفال وإنسان العراق ولبنان وفلسطين كمقدمة للمنطقة كلها. انتصرت المقاومة في الميدان العسكري، وهي الآن تواجه تحدياً لا يقل خطورةً وضراوةً في الميدان السياسي؛ في إعادة التوافق الداخلي الذي قام به وعليه الكيان اللبناني، ورفض الوصاية الخارجية البائسة، وإعادة الإعمار، والبناء.
 لبنان بلد التنوع فكراً وثقافة ومعتقدات لا ينتصر ولا يزدهر ولا ينمو ولا يتطور إلا في ظل التحاور والوفاق والتآخي.
وإذا كانت المقاومة نفسها قد تألفت من مختلف التركيبة المجتمعية، والأفق السياسي والفكري المختلف المتنوع والمتعدد، فإن الخلاف على المقاومة قبولاً ورفضاً حق مشروع ومفيد شرط ألا يتحول إلى اقتتال أوتصارع.
والحكام والعرب الذين يشيدون أو يؤيدون المقاومة عليهم أن يتعلموا من تجربتها واحترام الحريات والديمقراطية، وتوفير وكفالة حرية الرأي والتعبير. والإقرار قولاً وفعلاً بالتنوع والتعدد والمواطنة المتساوية هي ما ينقص الحكم العربي من الماء إلى الماء. وامتلاك الحرية هو بالأساس سر صمود وانتصار المقاومة اللبنانية. أما الذين خذلوها (أي المقاومة) وراهنوا على انتصار جيش الدفاع الإسرائيلي؛ فإنهم لا يدركون أنَّ انتصار الشرق الأوسط الجديد يعني فيما يعني الإطاحة بهم.
إنَّ خلق الفتن الطوائفية والحزبية في لبنان سوف تمتد إلى المنطقة كلها. وأنموذج العراق والبوسنة والهرسك والصومال هي الأنموذج للسياسة “البوشية” التي تقسم العالم على أساس الخير والشر، والخيرون لديها هم قتلة الأطفال ومدمروا الحضارة، والوالغون في حروب الإبادة في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان.
انتصار للبنان المحاصر بالحصار الإسرائيلي وبالقرارات الدولية الجائرة، والمهدد حتى اليوم بإعادة الحرب مرهون بالحفاظ على الوحدة الوطنية، واحترام حق الاختلاف.
وسيكون لهذا الانتصار أثراً عميقاً في الحياة الفكرية والسياسية، خصوصاً الإسلام السياسي” الجهادي” خاصة.
و قد بدأت تظهر بوادر انفراجة وتقارب اتجاهين سياسيين مهمين في الإسلام السياسي ” حزب الله” و”حماس”. ولهذا الأمر دلالة خاصة، وأهمية كبيرة.
و لا شك أن تصدي هاتين الحركتين للعدوانية الإسرائيلية وسياسة بوش المعبأة بالكراهية الدينية يساعد على انتشارها وتعاظمها كحركة دفاع عن المستضعفين والمقهورين في الأرض، وهناك ازدهار واضح في فكر و تيارات الإسلام السياسي منذ السبعينات.