فسحة.. حماسة غنائية زائفة

فسحة.. حماسة غنائية زائفة

لم تكد الحرب التي تشنها اسرائيل على لبنان تريحنا من مطربات المطاعم ومطربيها الذين كانوا يملأون الشاشات الصغيرة أرضياً وفضائياً ب «أغنياتهم» المصورة، حتى عاد الكثير منهم ولكن عبر أغان تدعي وطنيتها والنضال… كأن هؤلاء «المطربات» و«المطربين» الذين يعانون البطالة مع اقفال المطاعم والنوادي الليلية في لبنان وبعد ايقاف بث الكليبات التي أنجزوها شاؤوا ألا يغيبوا عن الشاشات الصغيرة خوفاً من أن ينساهم جمهورهم وان يفقدوا «نجوميتهم» فتحوّلوا سريعاً الى «مطربين» وطنيين ومناضلين من خلال «كليبات» سريعة وشبه جاهزة. وأصرّ أحد هؤلاء، تبعاً للسرعة، أن يكتب أغنية ويلحنها ويؤديها مختصراً في شخصه مهمة الملحن والشاعر والمغني. أما التصوير فكان دون المستوى العادي وبدا «الكليب» قائماً على «المونتاج» وعلى تجميع لقطات انسانية من ميدان الحرب.
أغانٍِ رديئة و«كليبات» أشد رداءة ومطربات ومطربون يؤدون كلاماً ملؤه الشعارات التي تمجّد البطولات وتتغنى بالأرض والشعب وتمدح المعارك… أغانٍ حماسية ولكن خالية من أي بعد جمالي، صوتاً وموسيقى وكلاماً… أصوات تدعي الغناء والحماسة والوجدانية، سرعان ما تفضح نفسها لأنها غير مؤهلة أصلاً لتؤدي هذا النوع من الغناء. فالألحان الصاخبة و«الهزازة» التي غالباً ما تغطي نشاز هذه الأصوات لا يمكن أن تعتمد هنا، ما دام الموقف وطنياً والحرب قائمة والعدو يقصف المدن والقرى…
وعوض أن ترفض الشاشات الفضائية والأرضية مثل هذه «الكليبات» المتعجلة «وطنياً» وفنياً فهي وجدتها ملائمة لملء فراغ البث التلفزيوني وإدخال بعض التنوع الى برامجها، غير مبالية بركاكتها وسذاجتها. واللافت أن الشاشات الصغيرة تبث تلك «الكليبات» مع أغنيات جميلة للمطربة فيروز وسواها وكأن لا فرق بين هذه وتلك، بين الصوت البديع والموسيقى والشعر الرحبانيين الرائعين وتلك «الكليبات».
ولعل أطرف ما يمكن أن يشاهده المتفرّج «كليب» جماعي أنجزته على ما يبدو، نقابة أو جمعية الفنانين اللبنانيين وفيه يطل وديع الصافي اطلالة ليست من مستواه هو المطرب الكبير وكذلك بعض الممثلين الذين تحولوا فجأة مطربين «خدمة» للوطن والارض والقضية. والاغنية الجماعية المصورة هذه تثير الشفقة وتذكر بأغنية «الحلم العربي» على رغم الاختلاف بينهما.
ليت مطربات المطاعم ومطربيها يريحون آذاننا وعيوننا من اطلالتهم الغنائية المتلفزة في هذه الأيام العصيبة والمأسوية التي يشهدها لبنان، وليتهم يخلدون هم بدورهم الى الراحة أو يسافرون، كما فعل الكثير من رفاقهم ورفيقاتهم ويحيون حفلات في المطاعم والفنادق التي تغص بالسائحين في الخارج، فالمأساة اللبنانية لا تتحمل مثل هذه الاغنيات الهابطة الحماسة الزائفة.

– عبده وازن – عن «الحياة» اللندنية