حوكمة الشركات بين شفافية مفقودة وشركات غير مؤهلة للتطبيق

حوكمة الشركات بين شفافية مفقودة وشركات غير مؤهلة للتطبيق

يبدو الرهان على القطاع الاقتصادي كأحد عوامل التنمية والتطور في المجتمع اليمني رهاناً خاسراً. فهذه الشريحة المهمة التي يفترض بها أن تكون الأقرب تأثراً بسياسة العولمة والأكثر حرصاً على متابعة كل جديد في الساحة العالمية من متغيرات، أظهرت قدرة على التعايش مع الفوضى اليمنية.
وفي محاولة للولوج إلى اكتشاف العوائق التي تحول دون إحداث نقلة نوعية في الواقع اليمني،
يرى عدد من المهتمين أن أحد هذه العوائق غياب الإدارة الرشيدة في إدارات الشركات التجارية، وهو ما يعرف بحوكمة الشركات.
> الدكتورة نجاة جمعان: تطبيق الحوكمة في اليمن يحتاج إلى عدة شروط أهمها تناسق الأطر القانونية
> البكاري: يحتاج الاقتصادي اليمني إلى مصفوفة من الإصلاحات التي تعتبر الحوكمة أبرزها
> مصطفي نصر: تركيب القطاع التجاري الحالي غير مؤهل للتعامل مع الحوكمة وتطبيق مبادئها لأنه يفتقر لشروط الشفافية
> فتحي عبدالواسع: دليل للحوكمة يهدف إلى إيجاد توعية بأهمية الحوكمة وكيفية تطبيقها وهو يراعي ظروف اليمن
>استطلاع: ياسر المياسي
حيث ترى الدكتورة نجاة جمعان أستاذة الاقتصاد بجامعة صنعاء، أن تطبيق الحوكمة في اليمن يحتاج إلى عدد من العوامل والشروط، منها ضرورة تناسق الأطر القانونية التي تضمن التطبيق السليم للحوكمة، ومنها القوانين المنظمة للأسواق المالية، وقانون الشركات الموحد، وقانون مزاولة مهنة المحاسبة والمراجعة، مع الاحتياج إلى تطوير قوانين أخرى مثل قانون إشهار الإفلاس، وقانون وضع اليد على الشركات المتعثرة.. وغير ذلك من القوانين المنظمة لعمل الشركات.
وتؤكد د. جمعان عدم جدوى إصدار القوانين إذا لم يتم تطبيقها من قبل كوادر مؤهلة وأمينة، وترى أن أهم القطاعات الاقتصادية التي تتطلب ممارسة مبادئ الحوكمة فيها تتمثل في الجهاز المصرفي من بنوك عامة وبنوك خاصة ومشتركة، كما يمكن تطبيقها على الشركات بكل أنواعها، ومنها الشركات العائلية. وتقول إن الحوكمة في اليمن تتطلب مبادرة لكي نتمكن من إرساء قواعد لها، وهذا يتطلب مبادرة من وزارة الصناعة والتجارة، وكذا مناقشة القواعد المنظمة لإدارة الشركات في اليمن، ومدى توافقها مع المبادئ الدولية والمتمثلة في إجمالي 48 مبدأ، وما مدى تواجدها في النصوص القانونية في القوانين التجارية، ومدى وعي المساهمين أو إدارات الشركات بتلك المبادئ.
ومع أن الحوكمة قد احتلت أهمية كبيرة على كل المستويات المحلية والعالمية، خاصة في ظل ما يشهده العالم اليوم من التحول إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي، والذي أصبح فيه نمو الشركات الكبيرة والخاصة، والشركات التي تفصل بين الإدارة والملكية يلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في الاقتصاديات المحلية والدولية، غير أن اليمن التي تعاني من مشاكل وصعوبات في اقتصادها، يكون مناقشة مثل هذه المواضيع من باب الاطلاع والمعرفة، فمثل هذه المواضيع ما تزال تحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت.
حيث يؤكد حافظ البكاري رئيس المركز اليمني لقياس الرأي العام، أن الحوكمة مازالت بعيدة عن القطاع التجاري اليمني، وأن الدراسة التي أجرها المركز مؤخراً حول مدى تطبيق الحوكمة في الشركات التجارية اليمنية، والتي نفذت على عدد من الأشخاص في البيئة التجارية، أظهرت إلى أي حد يحتاج الاقتصادي اليمني إلى مصفوفة من الإصلاحات التي تعتبر الحوكمة أبرزها.
وقال إن الدراسة التي نفذت في أهم 5 محافظات تمارس العمل التجاري أظهرت أن 60.5٪ من الشركات تمتنع عن النشر والإفصاح عن أرباحها، وهذه نسبة كبيرة لا تبشر بعمل تجاري ناجح. وأضاف أن الدراسة التي استهدفت 200 شركة خلصت إلى أن 76.5٪ من الشركات المشمولة بالبحث يتم التدقيق الداخلي والخارجي لبياناتها المالية تحت إشراف ورقابة مجلس الإدارة.
وأكد البكاري أنه لابد من بذل جهد وعمل كبير لإرساء الحوكمة التي يرتبط تطبيقها ببيئة استثمارية ناجحة.
غير أن بعض رجال الأعمال اليمنيين لهم وجهة نظر أخرى، حيث يرى طارق عبدالواسع مدير عام المتحدة للتامين، أن شركته تطبق الحوكمة بطريقة غير مباشرة من خلال تطبيق معايير الحوكمة في الإدارة، حيث جاء ذلك من خلال ممارسة أفراد العائلة الذين اكتسبوها وتعلموا مبادئها من مشاركتهم في المؤتمرات والمنتديات الاقتصادية الإقليمية والعالمية. لافتاً إلى أن الشركة لا تطبق مبدأ الشفافية كاملاً كونها شركة مساهمة مغلقة، وأنها تطبق معايير الحوكمة في الإدارة من خلال منح الإدارة التنفيذية صلاحية مطلقة وكاملة في اتخاذ القرار، فضلاً عن منح كل موظف الصلاحية التامة بما يتناسب وطبيعة عمله وموقعه الإداري، وهو ما يتماشى مع المنظومة الإدارية التي تتبعها مجموعة هائل سعيد التجارية، التي يعمل في إطارها.
وكشف أن الشركة تقوم بعمل تقارير دورية ربع سنوية لتقييم الأداء الفني والمالي لمراجعتها من قبل الإدارة التنفيذية وعرضها على مجلس الإدارة، وهذا ضمن مبادئ الحوكمة.
وجهة نظر تجارية أخرى تدعم الطرح السابق يؤكدها يحيى الحباري رئيس مجلس إدارة شركة الحباري التجارية، والذي قال إنه مع تطبيق مبادئ الحوكمة، ويناصر الشفافية في الشركات، وأكد أن مبادئ الحوكمة تُبعد الشركة والعمل التجاري من مشاكل متعددة، خصوصاً في الشركات العائلية التي ينعكس فيها أي خلاف في العمل على مستوى العلاقة في الأسرة، والتي تكون في معظم الأحيان نتيجتها كارثية قد تؤدي إلى إضعاف الشركة ثم تفكيكها نهائياً.
وفي ظل هذا التفاؤل في الطرح يرى متخصصون أن الحوكمة تحتاج إلى بيئة تتوفر فيها عدد من العوامل، وهو ما يؤكده مصطفى نصر رئيس مركز الإعلام الاقتصادي، حيث يقول: إن الحوكمة تحتاج لتطبقها عدداً كبيراً من العوامل والشروط، أهمها رغبة القطاع الخاص في التعامل مع مبادئ الحوكمة، وكذا عدم الخوف والوضوح بالعمل دون حسابات تعيق العمل التجاري.
وأكد أن تركيب القطاع التجاري الحالي غير مؤهل للتعامل مع الحوكمة وتطبيق مبادئها، لأن العمل التجاري الحالي يفتقر لشروط الشفافية، وهي أهم مبادئ حوكمة الشركات.
وطالب نصر بمزيد من الوعي لإرساء ثقافة الشفافية والحوكمة في القطاع التجاري الذي يحتاج إلى شروط كثيرة للوصول إلى النجاح.
من الضروري معرفته أن جذور الحوكمة ترجع إلى أوائل القرن ال19، حيث تناولتها نظرية المشروع وبعض نظريات التنظيم والإدارة، إلا أن مفهومها لم يبدأ في التبلور إلا منذ قرابة عقدين أو 3 عقود. وقد جاءت الحوكمة كنتيجة طبيعية للعولمة، ورغم ورود عدد من التعاريف لها، إلا أنها تختصر بـ”أسلوب ممارسة الإدارة الرشيدة وبالنظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات والتحكم في أعمالها”.
أولى الخطوات في إرساء ثقافة الحوكمة في اليمن تعود إلى دعم مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) ومبادرة الشرق أوسطية (MEPI)، حيث تم أقيمت عدد من الندوات وورش العمل للتعريف بالحوكمة سواء مع رجال الأعمال أو مع الإعلاميين، وتبلورت الفكرة مؤخراً لعمل دليل تعريفي للحوكمة من نادي رجال الأعمال اليمنيين، الذي أكد أمينه العام فتحي عبدالواسع، أن إعداد دليل للحوكمة في اليمن يهدف إلى إيجاد توعية بأهمية الحوكمة وكيفية تطبيقها على المنشآت التجارية المختلفة، وهو يراعي ظروف اليمن والقوانين التجارية الموجودة، وهو مقسم إلى عدد من الأقسام.
وأشار فتحي إلى أن النادي قد قام بعقد عدد من الدورات التوعوية لعدد من رجال الأعمال، وكان التفاعل جيداً ويبشر بخير. وأكد أن أهم نشاط للنادي في مجال الحوكمة هو عقد مؤتمر حوكمة المؤسسات، مطلع عام 2008، بالتعاون مع مركز المشروعات الدولية الخاصة CIPE التابع لغرفة التجارة الأمريكية.
وحول مفهومه للحوكمة أوضح أن مبادئ الحوكمة نابعة من الدين الإسلامي الذي يطالب بالأمانة والشفافية والصدق في التعامل. وقال إن إيجاد شركات تعمل ضمن إطار الحوكمة في اليمن مازال يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، ولكن يجب أن نعمل لذلك.