من يمتلك الشجاعة؟

من يمتلك الشجاعة؟

> محمد الغباري
هل نستطيع أن نعترف بشجاعة كيمنيين أننا فشلنا في إقامة الدولة التي يرضى عنها الجميع، وأن من الواجب علينا اليوم أن نجلس معا لنناقش كل الأفكار والرؤى المتعلقة ببناء دولة حديثة مدنية نستطيع من خلالها أن نواجه ظواهر التخلف ونتخطى عقبات التمدن؟
لا أظن أن علينا الانتظار إلى أن نصبح التجربة الصومالية الثانية أو الحالة العراقية الجديدة، فقد أصبح خطابنا اليوم قائما على النزعات الجهوية أو الاحتماء المذهبي، والكثير من مواقفنا أضحت انعكاسا للولاءات السابقة للمجتمع وظهور فكرة الدولة، ولم يبق سوى أن نتقاتل وفقا للانتماء الجغرافي أو الاعتقاد المذهبي. ومع كل هذا لا أمتلك القدرة على تصور أن هناك من يعي خطورة هذا الوضع؛ لأن المحيطين بموقع رئيس الجمهورية لا يرون في مواقف معارضي السياسات الحكومية إلا مجموعة من الحاقدين أو الطامحين للحصول على مكسب أو منفعة، فيما ترى المعارضة أن واجبها هو تحميل السلطة المسؤولية وكفى.
أستغرب كيف اختفى التأثير الاجتماعي للأحزاب السياسية وللمثقفين عموما، وكيف أن الخطاب التقدمي والقومي وحتى الوطني قد انتهى إلى قيام كنتونات اجتماعية تحمل مفاهيم مريضة ومتخلفة للمشكلات وكيفية معالجتها، فأصبح حل مشكلة الاضطهاد التاريخي لأبناء اليمن الأسفل مرهونا بغياب اليمن الأعلى أو بقيام كيان شافعي مستقل عن الهضبة الزيدية، كما انتهى الأمر بالناس في المحافظات الجنوبية إلى اعتبار أن الشيطان من الشمال وأن الجنة ستحقق إذا ما ذهب هذا الاتجاه الجغرافي إلى الجحيم.
شخصيا لا أعرف مشروعا للحوثيين سوى الارتكاز على الانتماء المذهبي للتعبير عن التطلعات السياسية باسم الطائفة الهاشمية الزيدية تحديدا، وإلا لماذا هذا الإصرار على جعل السلاح خيارا مقدسا للتعبير عن موقف سياسي معارض للسياسة الأميركية أو مناهض للوجود “الإسرائيلي”، ألم يكن بإمكان هذه الجماعة لو اقتصر الأمر على الشعار أن ينشطوا في إطار لجنة مقاومة التطبيع، كما أنهم ليسوا الجهة الوحيدة التي تعارض السياسة الأميركية، بل هناك أحزاب وجماعات تنشط سياسيا وثقافيا ولا يعترضها أحد.
الدماء التي تسفك اليوم في صعدة وعشرات الآلاف من المشردين هل يستحق “شعار” الموت لأمريكا الموت لإسرائيلـ” كل هذه التضحيات؟ وماذا سيفعل مرددوه بالدولتين إن هتفوا به صباح مساء؟ وهل نحتاج إلى قتلى ومعتقلين حتى تعي السلطة أن المياه مقطوعة عن مدينة عدن لعدة أيام، وأن السياسة المتبعة في المحافظات الجنوبية كانت سببا في حالة الغضب المتواصلة؟…
لا نحتاج إلى تبسيط القضايا؛ لأن من يمتلك القدرة على أسر أربعمائة جندي لا يمكن له القول إن المشكلة تكمن في وجود الجيش في صعدة، ومن يرفض الاستجابة للمطالبة المشروعة للناس في المحافظات الجنوبية ليس له الحق في الحديث عن وجود مؤامرات خارجية أو مطامع أجنبية مادام يفضل التضحية بمصير وطن في مقابل التمسك بخمسة أو عشرة من المسؤولين، ويصر على أن آلية إدارة الدولة قبل ثلاثة عقود مازالت صالحة لإدارة شؤون الناس حتى اليوم.
إذا لم يقدم رأس الحكم على إجراء تغيير حقيقي يمس الأشخاص والأدوات، فإن الآخرين من حقهم أن يفقدوا الثقة بقدرته على معالجة الأوضاع الملتهبة في البلاد، وأن يرهنوا مستقبله بالغيب آو بالخوارق، مع أن المآل معروف ومجسد في أكثر من مكان.