عبدالعزيز المقالح..

عبدالعزيز المقالح..

                                        مدارات ضوئيّة على ضفاف الحزن
>جمال جبران
5 تواريخ
1939
الولادة في قرية المقالح (اليمن)
1971
صدرت باكورته الشعريّة «لا بد من صنعاء»
1977
نال درجة الدكتوراه في الأدب العربي من «جامعة عين شمس» في القاهرة
2003
منحته الحكومة الفرنسية وسام الفارس من الدرجة الأولى في الآداب والفنون
2009

يصدر له قريباً كتاب «مدارات ضوئية، خمسون شاعراً وشاعرة من الوطن العربي»
لن تجد صعوبة في العثور على الشاعر عبد العزيز المقالح، أبرز شخصية أدبية معاصرة في اليمن. يكفي أن تقول لمدير مكتبه: أود مقابلة الدكتور. يُفضِّل أن تدوّن إجاباته عوضاً عن تسجيلها. «هذا يُعطيني فرصة لتأملها وتدويرها»، يقول. لصاحب «كتاب الأصدقاء» قدرةٌ على إقناعك بأنك صديقه الوحيد، وأنّه ترك كل شيء وراءه متفرغاً للحديث معك، من دون أن يبدو ذلك مصطنعاً من الشاعر المليء بالألفة.
يبدأ صاحب «كتاب القرية» يومه باكراً، في الرابعة صباحاً، هو الذي ينام باكراً أيضاً في العاشرة مساءً، في توقيت لا يقبل المساومة تحت أي ظرف. يستهلّ نهاره بقراءات مفتوحة أو بكتابة مقالات لعدد من الصحف والمجلات اليمنية والعربية، ثمّ يتوجه إلى «مركز الدراسات والبحوث اليمني» الذي يرأسه منذ ترك رئاسة «جامعة صنعاء» منصب شغله بين 1982و2001. هناك يلقي محاضراته على طلبة الدراسات العليا، أو يستغرق في مكتبة المركز العامرة باحثاً عن كتاب هنا أو عن معلومة هناك… ثمّ يتفرغ لمهمته اليوميّة الأصيلة: الوقوف إلى جوار مسؤول قسم المعلوماتية في المركز، المُكلّف طباعة مقالات الأصدقاء من شعراء وكُتّاب عرب عن الشبكة العنكبوتيّة، إضافةً إلى الملاحق والصفحات الثقافية، التي لا تصل نسختها الورقيّة إلى صنعاء. «أود أن أكون على صلة دائمة بجديد أصدقائي». يبقى مكتبه مفتوحاً أمام الآتين لزيارته، وهو لا يرد أحداً ويفعل هذا برضى كبير. نسأله: ألا تتعب من كل هذا العمل؟ «أبداً. هذا جزء مني». مجلسه المسائي يبقى مفتوحاً أيضاً، في منزله الذي لا تكون زيارة اليمن مكتملة من دون المرور عليه.
بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الأدب العربي في القاهرة، عاد عبد العزيز المقالح إلى اليمن عام 1977، ومنذ ذلك الحين وقّع وثيقة طلاق بينه وبين السفر. «هل تخاف الطيران؟». سألناه. يجيب: «أستغرب من ترويج هذه المعلومة الخاطئة عنّي»، ثمّ يعترف بالمقابل بأنه لم يقُد سيارة في حياته. «عندما رغبت في امتلاك سيارة لم أكن أملك ثمنها، وعندما صار معي ثمنها، كنتُ قد أصبحتُ عاجزاً عن تعلم القيادة».
غادر اليمن للمرة الأولى عام 1958 إلى القاهرة، بعدما نجح في اختبارات «القراءة الصيفية الحرة» التي كانت تنظمها وزراة التربية المصرية أيام «اتحاد الدول العربية». كانت الجائزة رحلة إلى القاهرة لمدة شهر ومبلغاً من المال. «… كانت صدمتي الأولى: الطائرة والقاهرة، والسينما التي لطالما قرأت عنها، والأدباء… ودهشة أن يكون الواحد وجهاً لوجه أمام طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف السباعي وصلاح عبد الصبور». رحلته الثانية كانت إلى الخرطوم عبر منحة قصيرة من «الأونيسكو» في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1959، حاول خلالها استكمال دراسته الثانوية والالتحاق بالجامعة، لكنّ صعوبة اللغة الإنكليزية، لغة الدراسة يومها، وقفت حجر عثرة أمامه.
في عام 1965، عاش صدمته الثانية. سافر إلى ألمانيا ضمن وفد يمني رسمي، فرأى حياة أُخرى: دار الأوبرا والمسارح ومتحف الفن التشكيلي الذي «لم يُمحَ من ذاكرتي أبداً». لاحقاً توالى ركوب الطائرات. لم يترك أرضاً أوروبية أو عربية إلا وطئتها قدماه. «من كل أرض زرتها، تعلّمت شيئاً، ولا يخلو بريدي اليومي من دعوة أو اثنتين إلى خارج البلاد لكنّي قررت وانتهى الأمر».
في سنوات الدراسة في القاهرة لنيل الدكتوراه بين 1966 و1977، «لبس ثوب الغريب الموحش عن بلده. آلمني هذا كثيراً… 11 عاماً ليست فسحة أو إجازة عابرة». يتسرب إلينا إحساس الألم يخرج من بين مفرداته. يظهر صاحب «لا بد من صنعاء» مكشوفاً لنا تماماً، يكاد يبوح بسر الحزن الكثيف الذي يتسرب إلينا من بين ثنايا الشعر الذي يكتبه… ألم يقل هو في مقدمة ديوانه «رسالة إلى سيف بن ذي يزن»: «إذا صح أنني شاعر فقد أصبحت كذلك بفضل الحزن، هذا النهر الشاحب الأصفر الذي رأيته واغتسلت في مياهه الراكدة منذ طفولتي رأيته في عيني أمي وفي عيون إخوتي، ثم قرأته على وجوه زملائي في المدرسة والشارع والسجن…» نسأله: ماذا لو كان لك القدرة على إعادة العمر إلى الوراء، هل كنت ستختار الطريق نفسه؟ «من دون شك. أنا سعيد بحياتي رغم بعض مراحلها السوداء».
أذكّره بواحدة من تلك المراحل السوداء التي مر بها، رغم علمي أنه لا يحب استعادتها. «كانت مصر قد بدأت التحضير لاتفاقية سلام مع إسرائيل. طلبوا من عدد من الأدباء، وكنت بينهم، كتابة مقالات تساند هذه الاتفاقية وتشيد بها، وكنا وقتها نجاهر علانية برفضنا لها». أدى ذلك إلى صدور قرار شفهي بإبعاده عن العاصمة المصريّة، من غير منحه فرصة الذهاب إلى شقته لاصطحاب زوجته وأطفاله… لكنّ السفارة اليمنية تدخلت ومكّنته من الذهاب واصطحابهم إلى الطائرة مباشرة. «أغلقوا شقتي بالشمع الأحمر ولم أتمكن من أخذ كتبي وقصاصاتي وألبومات صوري وذكريات 11 عاماً قضيتها في القاهرة. أخذوا ذكريات أجمل أيام حياتي، بكل ما كان فيها». نسأله: كم مقدار الحنين الآن هنا إليها؟ يصمت، ونلمح الوحشة التي لمحناها قبل قليل. «الإسكندرية. لو كان لي سفر لكان إليها. لا أستطيع محو رائحة أيامها من قلبي». عام 2003، قررت الحكومة الفرنسية منحه وسام الفارس من الدرجة الأولى في الآداب والفنون. خلال تسلمه الوسام في حفلة أُقيمت للمناسبة في منزل السفير الفرنسي في صنعاء، قرأ هذا الأخير كلمة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الموجهة لمقالح: «…كان من المفترض تسليمك هذا الوسام في باريس، لكن علمنا أنك توقفت عن السفر منذ وقت طويل، ولهذا قررت فرنسا أن تأتي بنفسها إليك كي تمنحك وسامها».
 
> تخصص جريدة”الأخبار”اللبنانية صفحتها الأخيرة من كل عدد، باستثناء الجمعة والسبت، لشخصية ثقافية عربية،وفي عددها الصادر اليوم الأربعاء خصصته للشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح، ننشره هنا بالتزامن.