أمة لن تقوم لها قائمة!

أمة لن تقوم لها قائمة!

> سلمى أحمد ضيف الله
يستغرب المتتبع لأحوال المجتمعات العربية واليمنية خصوصا من بروز أنماط مختلفة من السلوكيات، هذه السلوكيات التي أصبحت غريبة على تلك المجتمعات التي عرف عنها التحفظ ولن أقول الرقي، ففي بعض من سلوكياتها دليل على الهمجية والتخلف.
ولنأخذ المجتمع اليمني كمثال لما يعانيه من متغيرات سلوكية بشكل كبير، هذا المجتمع الذي عرف بتعدد مذاهبه الدينية نظرا لاختلاف أعراقه منذ مئات السنين، والذي كان يسود فيه الحكم الإمامي ومن قبله العثماني وما بينهما من إمارات وحاليا العسكري، وهذا التنوع في السلطة ساعد في أن يصبح المجتمع أكثر تمسكا وتوجها نحو الترابط الأسري والفردي على حد سواء، ورفضه لكثير من التدخلات في تغيير أنماط عاداته وتقاليده التي كانت مقدسة وخاصة أثناء الحكم أو الغزو العثماني، بالرغم من أن الغزو العثماني كان يغلب عليه الصبغة الإسلامية، إلا أن واقع الحال كان يقول غير ذلك.
لكن المجتمع اليمني لم يفقد قيمه وأخلاقه حتى أثناء الحكم الإمامي، الذي يعتبر الأسوأ في تاريخ اليمن، فالفقر المدقع الذي عاناه المجتمع وانعدام كل سبل الحياة لم يؤثر فيه بل تكاتف بعض أفراد المجتمع للخلاص من هذا الحكم بكل السبل، رغم أن السواد الأعظم كان يرى في الإمام أحمد إنسانا مقدسا ولا يحبذ الاقتراب من هالته، فقد كان يثير فيهم الرعب عبر السخرية بعقولهم وإقناعهم بأنه يملك الجان وله القدرة على إخفائهم من الوجود!
ولكن إلى ذلك الحين ورغم الظروف الصعبة التي كان يمر بها المجتمع اليمني، نرى أن الإنسان اليمني كان يطبق المثل القائل “لا تأكل الحرة بثدييها” حرصا على العلاقات الأسرية والمجتمعية ولم يكن ليفرط بهما بأي شكل كان.
وحتى وصول اليمن إلى الحكم العسكري إبان ثورة 26 سبتمبر، ظل المجتمع متماسكا ومخلقا، تؤثر فيه القيم والعادات الحميدة رغم التيارات السياسية التي كانت تضرب به وانعدام الاستقرار الأمني والسياسي، وظل هاجس اليمني هو بناء أسرة مترابطة ومجتمع يتمتع بالاحترام.
ولا يعرف الكثير من الناس متى بالضبط بدأ المجتمع اليمني في التدهور ليس اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا فقط بل أيضا أخلاقيا، والمتتبع للوضع العام لليمن يرى الكثير من المتغيرات في سلوك المجتمع وعلى كافة المستويات، فالأمور التي كانت محرمة قديما أصبحت تدار على مسمع ومرأى الجميع دون خوف أو حياء.
والأمثلة كثيرة على تدهور أخلاق وقيم أعداد غير قليلة من فئات المجتمع اليمني مثل معظم فئات المجتمعات العربية والإسلامية، والذي أدى بدوره إلى ما يسمى “أزمة أخلاق” يعاني منها الكبير قبل الصغير.
أحد أشكال “أزمة الأخلاق” تلك هو النفاق الاجتماعي الذي أصبح منتشرا بين الناس، فجلسات “الحشوش” والنميمة التي تنظم لها خصيصا الجلسات والمقايل، انعدام الثقة بالآخر وانعدام احترام خصوصيات الآخرين، جعلت الأمر مثار جدل بين أوساط نخبة ممن يسمونهم “مثقفين” بين مؤيد لهذا السلوك وبين معارض، وبين من يجد نفسه دون أن يشعر إحدى حلقات أو ضحايا تلك الجلسات.
الأمر نفسه ينطبق على كل فئات المجتمع وليس فقط على الفئات الأقل مستوى اجتماعيا واقتصاديا، بل قد يتضاعف بين فئة النخبة وفي أوساط المثقفين والمتعلمين بشكل خاص، وللذكر مثل حظ الأنثى على حد سواء.
أما إذا تحدثنا عن الجانب الديني فنجد أن الوضع أسوأ بكثير من “أزمة الأخلاق” تلك، فالأمور أصبحت تقاس من منظور أكثر تعقيدا لأن معظمها بات يؤوله إلى الدين والشريعة، بالرغم من أنه مجتمع لا يطبق كثيرا من أمور دينه في مجمل حياته، ليس على المستوى العام، بل على المستوى الخاص والشخصي تحديدا، فنحن نعاني من “أزمة أخلاق” لا “أزمة عبادات”، وبالتالي نجد أن المجتمع بدأ ينقسم إلى أربع فئات: فئة مؤمنة وتؤدي مناسكها وتطبق الشريعة بكل حذافيرها دون أن تناقش ماهية الشريعة، وفئة متمسكة بالشريعة وتطبقها وتجبر الآخرين بالحديد والنار على تطبيقها من باب “ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، وفئة لا تؤمن بأي ملة أو دين لأسباب تجدها هي منطقية، وهي فئة موجودة وبدأت في التزايد، وفئة أخيرة هي فئة متمسكة بالشريعة ولا تطبقها.
وما الحجاب “المثير” كما يسمى في بعض الدول العربية وفي اليمن طبعا، إلا أكبر دليل على ذلك، حيث يُلبس الحجاب حسب مقتضيات المجتمع، ولا يهم كيف يكون هذا الحجاب، بدليل أن المرأة المحجبة بهذا النوع من الحجاب تتبرج بكل ما تملكه من أدوات للزينة، وتضع محلا كاملا من العطور على جسدها، ولا يهمها أن تقيم علاقات غير مقبولة لا يتناسب مع كونها محجبة، وحين يصادف وقت السلام باليد تعتذر بخجل: “أنا محجبة”!
لذا ما يهمنا هنا هو الحديث عن التربية وبغض النظر عن المذهب العقائدي أو الجنس أو الانتماء القبلي، رغم أن هذه الأمور هي تتدخل بشكل غير مباشر في تكوين سلوك الفرد في المجتمع، حيث إن السلوك قد يكون فطريا يولد مع الشخص أو مكتسبا من العوامل السابقة وعوامل إضافية أخرى.
إنما التربية التي بدأت تتلاشي بطريقة مخيفة من بعض الأسر اليمنية والاعتماد على ثقافة المجتمع في تربية الفرد بدلا من التربية في البيت، دونما الالتفات إلى التغذية اليومية للفرد من القيم والأخلاق ومختلف السلوكيات التي يجب أن تمنح للفرد وتذكي فيه روح التعامل بشكل سليم مع نفسه ومع المحيطين به.
سلوكيات بسيطة وصغيرة قد تغير من نظر الآخرين إلى تربيتنا ومنشئها، وللأسف لم يعد أحد يبالي بتلك السلوكيات والتي أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية.
التربية المنزلية التي أصبحت تدرس منهجيتها وطرقها في الدول الغربية من أجل الوصول إلى أرقى معاملة بين بني البشر وصولا إلى مجتمع راقٍ ونبيل، يحسن الأفراد فيها من التعامل مع بعضهم البعض لتحقيق هدف أسمى وهو التواصل الإنساني، وبعد ذلك البحث في بقية القيم والجوانب التي تبني هذا المجتمع من ثقافة وسياسة وغيرها.
لست هنا بصدد الدفاع عن المجتمعات الغربية فهي مجتمعات لها سلبياتها الأخلاقية هي أيضا، ولكن لا مجال للمقارنة بين أخلاقياتنا وسلوكياتنا وأخلاقيتهم وسلوكياتهم، أقل ما يقال هنا أن الفرد قد يتعرض لموقف ما في مجتمعنا بسبب انعدام الأخلاق والتربية، بينما هذا السلوك قد يكون غير مقبول نهائيا في المجتمعات الغربية، مثل ضرب الأطفال كنوع من التربية، وهذا سلوك كفله قانون الطفل اليمني فللوالدين الحق في تربية أبنائهما بالطريقة التي يريانها مناسبة، وحالة الطفلة حنان التي دخلت في غيبوبة بسبب ضرب والديها لها لهي أحد أنماط السلوك الذي لا يقبل به المجتمع الغربي.
منظومة القيم والأخلاق بدأت تتغير شئنا أم أبينا، وبدأت تأخذ أبعادا وأشكالا أخرى بمرور الوقت، فما كان عيبا –وليس محرما– منذ 10 أعوام تقريبا أصبح اليوم سلوكا عاديا بل ومقبولا، على سبيل المثال الزواج السياحي، فمتى كان الإنسان اليمني يبيع ابنته لمجرد المال؟ على الرغم من أنه من المتعارف عليه في المجتمع اليمني تزويج الفتاة إلى من يدفع مهرا ضخما، لكن على الأقل كان يعرف الأهل إلى من يزوجونها، لا أن يزوجوها إلى رجل هم على علم تماما أنه سيرميها بعد عدة شهور إن لم يكن قبل ذلك، متى كان اليمني يدفع أولاده إلى الشوارع بغرض الشحاذة بينما هو مستلقٍ في البيت؟ حتى وإن كان الفقر قد تمكن منه، فلم تكن هذه عادة اليمني القديم حتى وقت قريب، متى كانت الخيانات الزوجية تمارس بمنتهى الضمير و”في أحسن العائلات”، في حين يجب أن تكون مؤسسة الزواج مبنية على مبادئ الحب والاحترام والمسؤولية تجاه الشريك، وعلى رأس ذلك الإخلاص المتبادل، فمتى انهار أحد هذه المبادئ انهارت المؤسسة، متى كانت النساء هن من يدفعن بناتهن إلى ممارسة الدعارة بل ويفتخرن به؟ متى كانت المرأة تتعرض للتحرش في الشارع أمام مرأى ونظر الناس دون تدخل ولا حتى بدافع الشعور بالنخوة والغيرة على المرأة بشكل عام وبنت البلد بشكل خاص؟ متى قد سمعنا أن الأب يغتصب ابنه أو ابنته حتى الموت؟ والكثير الكثير من الأمثلة التي يندى لها الجبين.
إن لم يردعنا الدين ولا حمى القبلية، فعلى الأقل تربيتنا في حال كانت هناك تربية حقيقية، إذا كان يسعى الوالدان أو الأهل إلى غرس مبادئ الأخلاق في نفوس أبنائهم، وعلى رأسها مبدأ الاحترام.. احترام الآخر، احترام الخصوصية، احترام الحرية الشخصية طالما وأنها لن تؤذي أحدا، احترام المشاعر، احترام طريقة الحياة، احترام عقلية الآخرين حتى وإن كان على خلاف معهم في الرأي، على أن يخفف قدر المستطاع من “ثقافة الصراخ” التي تعودنا عليها في البيت، في أماكن العمل، في الشارع وفي كل مكان، حتى إن الشخص بات يفكر في وضع سدادات الآذان طوال اليوم ليتجنب تمزق طبلة أذنيه!
والخلاصة أن العبث القائم حول هذه المنظومة لهو منعطف خطير في تاريخ المجتمع اليمني، أن ننظر بفخر إلى سلوكيات خاطئة ومقززة على أنه تصرف سليم وسلوك يغبطنا ويغبط من حولنا من جياع الأنفس، لهو قمة العبث، وقمة التخلف يعيدنا إلى العهود الأولى والأزمنة الغابرة، ولن يضعنا في مصاف الدول الثالثة والنامية فحسب بل الأشد (…) أو سموها ما شئتم.