رغم حضور 19 قانوناً يمنياً حول حقوق الطفل؟!

رغم حضور 19 قانوناً يمنياً حول حقوق الطفل؟!

                                         العشرات يعيشون بلا هوية في المدن؟!
> كفى هاشلي
كل يوم يحتفل الملايين بذكرى ميلادهم حسب تواريخ حفظوها عن ظهر قلب، بعد أن سطرت على شهادة ميلادهم “هويتهم”، وقد يدعون الأصحاب لقضاء وقت ممتع للاحتفال بهذه الذكرى.. وآخرون لا يهتمون بهذا اليوم لاعتبارات خاصة بهم!
لكنهم جميعاً يدركون يوم ميلادهم ويعرفون آباءهم وألقابهم ويمتلكون ما يثبت هويتهم! وفي الجانب الآخر عيون صغيرة لا تدرك معنى “هويتها” لا تمتلك شهادة ميلاد تثبت من هي؟! ومن أبواها ولمن ينتمون؟! وقد يكون الوقت مبكرا في الحكم على مستقبلهم ولكنه بلا شك مليء بالأشواك والعقبات!
إنهم يعيشون بصمت مطبق لم تسمع أصواتهم ولم يتجرأ المجتمع على الحديث عنهم، فهم جزء من أخطاء الكبار أولاً ومن غفلة القانون ثانياً وتجرد المجتمع من الرحمة أخيراً. إنهم أطفال بلا هوية، أوجدتهم ساعات الطيش وأهملهم المجتمع رغم أن المقنن اليمني أكد أنه لم يغفل عن مواطنيه عندما شرع 19 قانوناً لحماية حقوق الأطفال وعبر تبويبه عشرات المواد القانونية إلا أنه وللأسف ناقض نفسه بنفسه!
المادة رقم 26 من الدستور اليمني النافذ لم تستطع أن تكمل الفصل الأول من قصة الطفل “خالد” وعشرات أمثاله في اليمن، فهي تعرف الأسرة بأنها “أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن ويحافظ القانون على كيانها ويقوي أواصرها”.
بيد أن الدين أعطى الأطفال غير الشرعيين الحق في الحياة الآمنة والرعاية المجتمعية حيث كفل لهم الحصول على الاسم المركب أو المعبد كضمان لهوية تعرفهم وتكفل لهم العيش بسلام.
أما القانون اليمني رقم 45 لعام 2002 في مادته الرابعة وإن كان قد اعتبر: “حق الطفل في الحياة هو حق أصيل لا يجوز المساس به إطلاقا”، إلا أنه أهمل حقوقا كثيرة حين أغفل عن أول حق للطفل -الهوية- فالمشرع لم يميز بين طفل شرعي وطفل غير شرعي، وبأن وثيقة الهوية هي حق ثابت بناء على تلك الحقوق والتي جاءت منسجمة مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل C.R.C.
خالد وكثيرون من الأطفال تركهم ذووهم ليصبح مصيرهم مجهولا. مرت أعوام من عمر خالد ومازال خالد هو خالد قصة بلا بداية، تماما كما يعيش عشرات الأطفال غير الشرعيين (عن السفاح، زنا المحارم، اللقطاء، المهمشين، الأحداث، النازحين…) لم تهز المجتمع قصصهم ولم يحرك البرلمان ساكناً وكأن المسؤولية في المجتمع اقتصرت على الجري خلف السياسة والمناصب وتركت ناتج الخطأ “الأطفال المجهوليين” يكتوون بنار لم يشعلوها قط بأيديهم؟! فما زالت براءتهم تجهل معنى المستقبل ومعنى أن تكون منبوذة من المجتمع ومقصراً بحقها القانون.
فعند استعراضنا للقانون بجميع نصوصه تبرز لنا نصوص تخصيصية تتعلق بالطفل غير الشرعي في نفس القانون “حقوق الطفلـ” كما في المادة 16: “تثبت بنوة مجهول النسب أو الحمل المحقق لمن يقر ببنوته ولو في مرض الموت”.
 
***
مصائر مجهولة ومأزق محتوم
وكانت نتائج المسح الميداني السريع الذي أجراه مركز الخدمات الاجتماعية الشاملة بعدن وشاركت فيه الجمعية عام 2005 داخل منطقة السيسبان حول أهمية استخراج شهادة الميلاد للطفل، أظهرت أن نسبة كبيرة من الأطفال لاتتوفر لديهم شهادات ميلاد، وذلك يعود لعوامل الفقر والأمية وضعف الوعي وضعف الوازع الديني وضعف الشعور بالمسؤولية بين أرباب الأسر تجاه حقوق الطفل، إلى جانب الإهمال وتعقيد الإجراءات، كما أشارت بعض الأسر المبحوثة، وكذلك المشكلات بين الزوجين وتبني بعض الأسر لأطفال من خارج الأسرة.
وحقق مركز الخدمات الاجتماعية الشاملة نجاحا ملحوظا حين استطاع استخراج أكثر من 400 شهادة ميلاد كانت السلطات والجهات المعنية قد شاركت بفاعلية وأدت ما عليها، لكن هذا الأمر اقتصر على أطفال شرعيين خذل ذويهم الفقر أو الجهل بأهمية شهادة الميلاد.
أما الحديث عن الأطفال المجهولين أو غير الشرعيين فهو الوجه الثاني والحقيقي للمأزق الذي تتهرب منه الدولة وتتنصل من مسؤوليتها تجاهه، فما تزال قصص الأطفال غير الشرعيين تتكرر ولا نعرف ما هي مصائرهم؟ بمن ألحقوا؟ وما هي أسماؤهم؟ وهل استخرجت لهم شهادة تثبت هويتهم؟!
وفي ضوء ذلك بحثنا وفتشنا عن قصص تثبت قضية الهوية الغائبة فوجدنا الطفل خالد الذي كبر أمام أعيننا خير دليل، فهو حتى اليوم لم يحصل على شهادة ميلاد! ترى كيف سيتعامل مع المجتمع حين يعرف أنه خذله بعد والديه اللذين انطلق كل منهما في سبيل بحثاً عن حياة جديدة؟!
ومن المؤسف أن القانون كذلك غض الطرف عن قضية خالد فمتى ثبت النسب بالإقرار فلا رجوع عنه وتترتب عليه جميع أحكام النسب.
وهنا نرى التناقضات العجيبة، فملخص البنود الواردة في القانون تؤكد أن طفل الزنا لا نسب له حتى وإن أقر والده / أبوه بأنه طفله!

***
قانون حي بمواده ميت بغفلاته
وفي باب الحقوق المدنية للطفل “الاسم والجنسية وقيد المواليد” تنص المادة 50: للطفل حق في أن يكون له اسم وجنسية يسجل بهما حين ولادته، وله الحق في معرفة والديه. والمادة 49: تكفل الدولة لكل طفل حقه في الحفاظ على هويته بما في ذلك جنسيته واسمه وصلاته العائلية على النحو الذي يقره هذا القانون والقوانين النافذة، والمادة 45: تبدأ شخصية الإنسان وقت ولادته حيا وتنتهي بموته، ومع ذلك فإن للحمل المستكن حقوقا اعتبرها القانون.

***
كيف يعرف الطفل بنسب من تنصل عنه؟!
ومن المفارقات أن المشرع ذهب في مواده باحثاً عن حق مدني في حين علق أول الحقوق وأهمها بنصوص تعثر الحصول على تلك الهوية.
فمن أين لطفل هو ضحية لأبوين لم يربطهما رباط شرعي وقد منع عنه الانتماء لنسب أبيه، إن أقر بأنه طفل زنا، أن يكتسب حقوقا مدنية وأن يتمتع بحقوق مدنية؟ ثم يقتطع حق طفل الزنا مرة أخرى بنص آخر وهو نص المادة 48: “يعرف الإنسان باسمه واسم أبيه واسم جده ولقبه، وينظم قانون الأحوال المدنية والسجل المدني كيفية تسجيل الأشخاص لأسمائهم وألقابهم”، فكيف يعرف الإنسان باسم أب لم يقر بنسبه له أو تنصل عن أبوته؟
القوانين ذات الارتباط بشأن الطفل في اليمن بلغت 19 قانوناً تتعلق أحكامها بحقوق الطفل او تشتمل على نصوص لها صلة بأحواله أو بشؤونه او بالمحظورات عليه، بينها الدستور لعام 2001، وقانون رعاية الأحداث 26 لعام 1997، وقانون حقوق الطفل 45 لعام 2002، وقانون الجرائم والعقوبات 13 لعام 1994، وقانون الأحوال المدنية والسجل المدني 23 لعام 1991، وقانون الأحوال الشخصية رقم 34 لعام 2003، والقانون المدني رقم 14 لعام 2000، وقانون العمل و… و…
إلا أن قضية الأطفال غير الشرعيين مازالت عالقة لأن القانون عينه لم يضف ما يحقق له هويته، فدور الأحداث تستقبل عشرات الأطفال يحصلون على شهادة تسنين وعندما سيكبرون سيبحثون عن المذنب بحقهم، ولأن هوية الآباء غائبة ومجهولة فالمجتمع هو الهدف!

***
لماذا شهادة ميلاد لغير الشرعيين
فقدان الهوية استباحة وهدر وتقييد لحرية الإنسان وخطر على الوطن
تقول المحامية عفراء حريري: “إن أهمية وإشكالية وثيقة إثبات الهوية مسألة في غاية الأهمية من وجهة نظر قانونية بحتة، فهي تعنى بجميع من ليس لديهم/ لديهن وثائق إثبات هوية صغار وكبار، نساء ورجال، ولابد أن تدرك الدولة مسؤوليتها كاملة حيال ذلك الأمر، فعدم تمتع الإنسان وبغض النظر عن نوعه وجنسه وعمره بوثيقة إثبات الهوية كحق ثابت له يتعلق بجميع الوقائع التي يتعرض لها يجر معه مخاطر كثيرة للدولة وللوطن ككل، لأنها تبيح تقييد حرية الإنسان والإساءة إليه وإهدار كرامته والعبث بإنسانيته إذ يصبح فاقدا هويته “اسمه، لقبه، جنسيته، مكان وتاريخ ميلاده، وطنه… الخ”. بمعنى آخر: حرمان الإنسان من كل الحقوق بما فيها مواطنته والانتماء لوطنه”.

***
حرمان الطفل من هويته يعني المساعدة على الفاحشة والانحراف
ويقول الشيخ عمار بن ناشر “الإسلام كفل للجميع حقوقهم، ومن حق الأطفال الحصول على شهادة ميلاد ولو باسم مركب ومعبد، ولو اضطررنا للكذب على هذا الطفل بأن والديه توفيا حتى يعيش بسلام وأمن ويأمن المجتمع انحرافه، فهؤلاء الأطفال لا ذنب لهم بخطأ الكبار وحين ننبذهم ونحرمهم حقهم لأننا نساهم في إشاعة الفواحش وزعزعة أن المسلمين”.

***
هم أكثر رغبة بالموت فلا شيء لديهم يخسرونه
أما الدكتور خلون عبدالباري فيقول: “غياب الهوية يعني أن يصبح هؤلاء الأطفال عرضة للخطر لأنهم يفرون من المجتمع الذي أنكرهم وتنصل منهم وهم أكثر قابلية وإيمانا ورغبة بالموت فلا شيء لديهم لخسارته ويصبحون لقمة سائغة لتيارات تلتقطهم وتوظفهم لمصالحها”.

***
على الدولة ألا تتوقع الأمن اذا أنكرت المشكلة
ويقول عادل فرج: “المجتمع قد لايرى ولا يسمع عن هؤلاء الأطفال لأنهم غير معروفين أصلا، ولكن حين ترتكب الجرائم يبحثون عن فاعلها فيفتشون عنه ولكنهم سيعجزون لأنه غير موجود أصلا في ملفات الدولة، فعلينا أن نحتضنهم لأنهم جزء من هذا المجتمع لا يمكن نكران وجودهم، بل قد نجدهم يمتلكون من القدرات العقلية والإبداعات والمهارات التي تمكنهم من العيش بأمان وتكوين أسرة سعيدة، ما لم فعلى الدولة ألا تتوقع الأمن اذا أنكرت المشكلة مطلقاً فمن وكر المعاناة لا يولد إلا الوحوش إن لم نحتضنهم في قلوبنا”.

***
حين يصبح المثقفو أول المجحفين؟!
انطلقت حملة لمناصرة الأطفال مجهولي الهوية بعدن في الأول من أغسطس، وعلى الرغم من التعاطف الذي حصدته لصالح الأطفال إلا أن رأيا برز مخالفا تماما لخط سير الحملة، كان من بعض زملاء المهنة -الصحفيين- حين ذهب هذا الرأي لإبراز مخاوفه من يمننة المجهولين عامة من الأطفال، وقال: “إن المشكلات المترتبة على يمننة هؤلاء الأطفال قد تكون أكبر من تركهم بلا هوية!

***
لا مشكلة أكبر من حرمان الطفل من هويته
إلا أن المهندسة سميرة عبدالله نصر رئيس الفردوس المنظمة للحملة، ردت قائلة: “الطفل مخلوق طاهر وإن جاء من فاحشة فلا ذنب له في اختيار أبويه أو تعديل سلوكهما، ومن غير المنطقي أن نسكت حين يتخلى عنه أهله لأنه جزء من المجتمع لا نستطيع إلغاء وجوده مطلقا، ومن الطبيعي أن حملتنا تسير وفق خطوات مدروسة وليس الأمر بهذه الفوضى التي يتوقعها الكثير”.
وأضافت: “ثم عن أي مشكلات أكبر من فقدان الطفل هويته؟! هل من العدل نبذه وحرمانه من مدرسة، من عمل، من حياة كريمة؟! ومنذ متى أصبح الإنسان معصوما من الخطأ؟! علينا أن نفكر دائما بحكمة العقلاء وبإنسانية الإنسان، والحمد لله أن حملتنا حققت ما نريده حتى اللحظة، ولكنها ليست إلا خطوة واحدة، فالطريق يحتاج إلى أياد كثيرة وبصيرة حتى نصل بهؤلاء الأطفال إلى بر الأمان”.