نبيل الصوفي يكتب عن صخر ومستقبل المؤتمر وحمى الرئاسيات اللا أخلاقية

نبيل الصوفي يكتب عن صخر ومستقبل المؤتمر وحمى الرئاسيات اللا أخلاقية

مقالان هذا الأسبوع، لولا الإرهاق العام، لكان كل واحد منهما مفتاحا لنقاش بناء وحقيقي تنتفع بهما ديمقراطيتنا المرهقة بفعل أصحاب المصلحة منها أولا وثانيا وثالثا.

1
الأول وهو جزءان في نفس العدد، نشرته صحيفة الأسبوع للأستاذ القدير حسن العديني عن الحملة الانتخابية التي تنتظر اليمن، وأقول “تنتظر اليمن” تأكيد اتفاق مبدئي مع الأستاذ حسن في مخاوفه من الحملة التي نأمل أن تنتظرها اليمن لتكون هي هدف الحملة وليس العكس.
غير أني أستسمح الأستاذ الكاتب في أن أوجه له ذات النقد تجاه ما ضمنه جزءا من مقاله ضد الذين رآهم أو توقع أنهم سيخطئون. إن الموضوعية ما لم تصبح حقا يرى بالعين المجردة للخصوم، تتحول إلى مطالبة غير ديمقراطية تستهدف إسكات هؤلاء الخصوم ليس إلا.
إننا في حملة انتخابية، ولست مع التمييز بين أن تكون محلية أو برلمانية أو رئاسية، حتى وأنا أقر فعليا أن تأثير الرئاسة أكثر أهمية، إن من حيث الحفاظ على الاحترام أو القدرة على التأثير السلبي أو الإيجابي، أو من حيث أننا قد نجد أنفسنا أمام إفرازات أزمات شخصية وجماعية لأناس يريدون التعبير عن الاختلاف مع الرئيس –الحالي- كما كانوا يعبرون عن الاتفاق معه “مبالغة في الحالتين”، دفاعاً في الأولى وشتماً في الثانية.
غير أن هذا الإقرار يؤكد أننا بحاجة لثقافة ديمقراطية طالما ونحن نتجه نحو انتخابات.
والحقيقة أنني مختلف تماما مع ما نقل عن الأستاذ فيصل بن شملان المرشح المستقل باسم المشترك، الذي نؤمل عليه في خوض معركة انتخابية حقيقية، وما يقوله بعض أركان حملته الانتخابية بحكم مواقعهم الحزبية من أنه ما لم يفز مرشح المعارضة للرئاسة فإن “اليمن مهددة بمصير الصومالـ”.
لن أناقش حقيقة استعداد أصحاب مثل هذا الشعار لاستلام الرئاسة، ولكني أتحدث عن المنحى الخطابي الذي يجعلنا مع تذكر خطاب الحملة الانتخابية للرئيس علي عبدالله صالح الذي يهدد اليمن بالطوفان، وفقدان الثورة، والجمهورية، والوحدة، والاستقرار، بانتظار معركة لاعلاقة لها بالديمقراطية ولا بالانتخابات. كناخب –لست أدري إن كان كثيرون مثلي، ولكني سأتحدث متفقا مع الأستاذ حسن العديني فنكون جمعا- لن نصوت في انتخابات لن تنجينا من ال “صوملة”، إلا لتهددنا بالطوفان، والعكس صحيح.
ليست هذه طوباوية ومثالية كما قد نتهم، بل هي التزام بالقاعدة الحقيقية للتنافس الانتخابي، في مجتمع تبدأ ديمقراطيته (مباشرة) من التنافس على الكرسي الأول في القصر الجمهوري. وهي ديمقراطية لا تمت بصلة للثقافة الاجتماعية، ولا للبنى الصانعة لها. لسنا نخوف من نتائج ذلك، فهناك مجتمعات أكثر بدائية سياسية وإدارية منا تنعم بالتداول السلمي لكل كراسي الإدارة فيها، لكننا فقط ننبه إلى أنه إن كان الهدف خطوة للأمام فعلى الله توكلنا، وإن كان الأمر “مضاربة عميان” فالاستقرار يصبح أهم حين يوضع نقيضا للديمقراطية.
وبالاعتراف بأنه يصعب علينا توجيه أي نصح للحملة الإعلامية للرئيس الحالي، فإننا نتجه نحو الرئيس المنتظر الذي بدأ حملته بالدعوة لقول الخير أو الصمت، ولدعوته الجميع إلى حملة انتخابية وليس معركة للثار القبلي.
إننا ننتظر أن تقول لنا المعارضة ما هو تصورها لليمن، ولقضاياه، ولمستقبله، وللتحديات وكيفية معالجتها، لنطمئن فنصوت لها في ال20 من سبتمبر، ولنبقى قاعدة سياسية لها فيما بعد ذلك.
أما خطاب “التعازي” فنحن لم نكن مغتربين، بل نعيش ظروفنا يوميا بل وكل ساعة، وخطاب “الإساءات غير المنضبطة” تسهل علينا اتخاذ موقف أكثر جذرية من فكرة المعارضة من حيث المبدأ.
على السلطة الحالية والسلطة المتحفزة إدراك أن الجملة، المقال، الأغنية، الأنشودة، القصيدة، البيان… التي ستقال لتسيء، يمكن بسهولة قول مثلها، والذي سيجد من الصعوبة أن يتقبل وصفا عاما وعائما ومسيئا تجاه شخصه وحزبه عليه أن يدرك أن ذات الموقف سيكون موقف خصمه السياسي.
الانتخابات الرئاسية ليست المعركة الأخيرة في تاريخ الديمقراطيات، فإن اعتقد أحد أنها كذلك فإنه سيجرنا جميعا لنكون صورة من شخصه، وليس هذا احتكام للمجموع بل احتكام لأزمة الشخص.
والله غالب على أمره، ولنا أمل أن لا تنضح إلا الأواني الديمقراطية طالما ونحن نعيش معركة بناء لوطن هو عمرنا الذي يتوجب استغلاله لبناء المستقبل. نريد انتخابات بدون حمى أو إسهال.
 
2
أما الثاني فقد كتبه الأستاذ ناصر يحيى في صحيفة “الناس” عن مستقبل المؤتمر الشعبي العام، وهو مقال يستحق النقاش الهادئ بين المؤتمريين أولا، انطلاقا من المقدمات التي سردها الكاتب، حتى وإن رأوا أن النتائج أو حتى الافتراضات التي خلص لها غير صائبة. فالحزب، أي حزب، حينما يعمل خارج السياق العام، وحينما يعتبر أنه مجرد كتلة تفتخر بالثبات، إنما هو كتلة أفكار يمكن تسميتها مدرسة فكرية أو حتى سياسية معرفية، لكنه أبدا ليس حزبا. لأن الحزب حتى وهو يتحدث عن الثبات، ولأن الحركة الاجتماعية لاتسكن أبدا، إنما في الحقيقة يعبر عن السكون، والسكون –في الحالات الجمعية- هو المحطة الأخيرة من دورة الحضارة حسب قاعدة ابن خلدون التي لاتزال محترمة في قراءة الحياة.
إن القيم ليست واحدة، في حالات الأفراد والجماعات، من جهة، وفي التفاعلات الاجتماعية والسياسية من جهة ثانية.
الحزب مادام يتحدث عن الاحتكام للجماهير باعتبارها القاعدة الانتخابية؛ الثبات الوحيد المحمود منه، هو تغيره الدائم تبعا لما يحقق مصلحة الجمهور الذي يعبر عنه، وإلا انصرف هذا الجمهور، وحتى إن بقي الحزب، أي حزب، حاكما أو ناطقا في حالة الأحزاب غير الحاكمة باسم هذه الجماهير فإنه لايفعل ذلك إلا في ظروف من القسر، سواء كان القسر ماديا بقوة الحكم والسلطة، أو معنويا بحكم الفكرة والتربية المغلقة.
لكن هذا كله يطير في لحظة واحدة، ومع أول هبة ريح من التحديات الجديدة، أو مع أول قدرة وثقة للمواطن بأدوات جديدة تعبر عن مصلحته الحقيقية.
إن المؤتمر الشعبي العام حتى وإن أنشئ لأهداف مختلفة، يمكنه أن يقدم نموذجا مختلفا عن الأحزاب سواء الحاكمة أم المحكومة في العالم العربي وفي اليمن خاصة، والتي تتحول إلى قطط تأكل أبناءها –والأهداف والإمكانيات والفرص من أغلى الأبناء أيضا- بمجرد تحقيقها أي نجاح أو فشل لها.
النجاح بالاختناق به، بالسعي لجعله هو المعطيات التي يراد لها أن تحكم التطور في البلاد، أي بلاد حقق فيها هذا الحزب أو ذاك نجاحا، ولأن ذلك مستحيل، إذ السير للأمام يقتضي التحول الدائم باعتبار أن النجاح تم لمرحلة ووضع وزمن انتهى، ولكل جديد من التحديات الجديد المقابل من الإمكانات والتفاعلات.
ولكم الساحة العربية واليمنية، لتنظروا كم هو مؤسف تحول نجاحات مشاريع التحزب العربي إلى كوارث تالية، ومع مؤشرات مناقضة فمازلت كمتابع أدعو الله أن تتجاوز حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني ذات المأزق. فنحن بحاجة لمشروع عربي واحد لايختنق بنجاحه.
والفشل بالاستسلام لقوانينه، باعتباره صنعا خارجيا ليس للذات فيه أي دور، ليذوي الحزب –في المحصلة- كشمعة ظن صاحبها أن نيته الحسنة إضاءة الطريق العام بها كافية لتصمد ليالي متتالية.
لست قادراً على الاتفاق الحاسم تجاه تحليل الدكتور سيف العسلي –وزير المالية- من أن المؤتمر هو من سيستخدم الديمقراطية اليمنية، المعنى أنه سيفرز مدرستين متضادتين: الأولى تمارس الحكم، والثانية تعارض ولكن ليس لتبقى معارضة، بل لتنافس عبر أدوات الديمقراطية للوصول إلى الحكم مجددا.
ولكنه تحليل جدير بضمه للمقدمات التي ضمنها ناصر يحيى مقاله، وكثيرون ممن كتبوا تحليلات، وليس ممن أصدروا أحكاما ليتها تستطيع أن تقول لصيرورة الأشياء: كوني، فتكون، لكن هذا حق لله وحده، ولذا فمن يحكم يستحق الاحترام لكنه ليس من أتحدث عنه هنا.
المؤتمر توفرت له نخبة يمنية عالية الكفاءة في مختلف شؤون المواطن في حياته اليومية، بل إن هذه الكفاءة ترحل دوما إليه، مقابل ذوبان مخيف لمثل هذه القدرات لدى الأحزاب الأخرى، ليس فقط بالانتقال للمؤتمر، ولكن الأسوأ بالبقاء بعيدا عن الفعل العام، لا عبر المؤتمر ولا عبر هذه الأحزاب.
ويكفي أن نشير إلى أن حزب الإصلاح وهو أجد الأحزاب وأكثرها فتوة وامتدادا على الساحة الميدانية، ورغم ما توافرت له من فرصة وطنية سواء إبان معارضته البناءة أم عبر مشاركته في الحكم تاليا، تظافرت مع نزاهة قيادته التنظيمية وحيوية قيادته السياسية لتظهر في صفوفه كفاءات في مختلف المجالات منذ لحظة ميلاده، لكنه ما لبث أن فقدها جميعا في ميادين تخصصها، حتى وإن بقت في السياق التنظيمي أو على منابر الخطاب الوعظي الذي يحتاجه الشعب والسلطان ولاشك، لكنه أبداً لايشكل بديلا لهذا السلطان ولا أداة لمصالح هذا الشعب. والأمر ذاته بالنسبة للحزب الاشتراكي الذي أفشلت نواته استعمارا، لكن ثمرتها فشلت بعد ذلك في الحفاظ على كادر أدار دولة، باستثناء من توفرت له الفرصة للمساهمة في إدارة الشأن العام عبر الانتقال الآمن للمؤتمر الشعبي العام. أنا هنا لا أدين الحزب ولا التجمع، ولكني فقط أسجل حالة يمكن أن ينكر سياسيا وجودها لكن تتبعا لأسماء تلك الكفاءات خاصة من ذوات الولاء الحزبي والتنظيمي المحترم، يصبح من المستحيل إنكار المأساة.
كما أن المؤتمر يمثل فعليا وحصريا –بسبب النزعة الإقصائية لمؤسسات الحكم في اليمن، ولانكماش الأحزاب الأخرى وإيثارها العودة من العلنية بالمبدأ- الذراع السياسي الوحيد الذي له علاقات ولو عادية في بعض حالاتها، مع مراكز الحكم والإدارة للمصالح داخل اليمن، وللمعنيين بها خارجها.
يكفي هنا أن أسأل أي علاقة لاتزال تجمع بين العاملين وأصحاب المصلحة في مجال الصحة أو التعليم أو الإرشاد أو الثقافة بوزراء الإصلاح أو الاشتراكي الذين كانوا يوما ما وزراء.
ومع أني اقدر مأساة الاشتراكيين لمغادرتهم حربا وليس سلما، فإني أخشى أن يكون انقطاع الإصلاحيين عن هذه المجالات تعبيراً عن تربية تقليدية غير سياسية تعتبر السلطة والحكم شراً يتوجب التطهر منه!!، وليس مجرد فشل كما هو حال المرشح الرئاسي الأستاذ نجيب الشعبي الذي توفرت له -ولو عبر موقع الظل- فرصة أن يصبح مركزاً قوياً في بلاد صناعة المراكز فيها أسهل من حفر الشوارع في العاصمة صنعاء، ولكم في تكاثر “المشائخ” أسوة وعبرة.
كما أن المؤتمر يجمع بين الكفاءة التقليدية، التي تحتاجها إدارة بلاد كاليمن، ولا تنقصه آلاف الكوادر الشابة الطموحة من جهة، والعملية من جهة ثانية.
أنا هنا لا أقلل من ملاحظات جوهرية، سواء وردت في مقال الأستاذ ناصر، أم قيلت من قبل عن مشكلات يعاني منها هذا الحزب الحاكم، وتهدد كينونته، ولعلها هي التي تدفع رئيسه يوميا لزيارة هذا المعسكر أو الخطابة أمام هؤلاء الجنود، رغم أنه قبيل انتخابات سيحسمها الصوت الانتخابي وليس السلاح ولا الكفاءة العسكرية.
ولكني أعتقد أنه يمكن للمراقب منا أن يأمل أن لا يذهب هذا الحزب أدراج الرياح، رغم أن مؤشرات كثر لا تبشر بذلك، وقد تكون أقرب للتأكيد أن مثل هذا الأمل يطلب المستحيل، لأن المقدمات وليس الآمال أو الطموحات هي من تتحكم في النتائج.
 
ولصخر كل التقدير
طالما والحديث عن المؤتمر، فليسمح لي القارئ أن أتوجه بالتحية للأمين العام المساعد للمؤتمر لشؤون الإعلام “سلطان البركاني” على موقفه من استقالة واحد من أفضل من حملوا صفة عضو مجلس النواب في هذه البلاد، وهو الأستاذ الفاضل صخر الوجيه.
لن أمتدح استقالة الصخر وإن كان هو شخصا وبرلمانيا يستحق الإجلال والإكبار، ولكني أقف مع حقه في تقرير الموقف الذي يعبر عن ذاته وتصوره.
إنه حين يقدم واحد من أفضل صانعي إنجازات ما تسمى السلطة التشريعية في بلادنا استقالة حزبية في غاية الحرص والاحترام، يتوجب على هذا الحزب أن يودعه ولو “دون سلام جمهوري” وهي العبارة التي استخدمها الأستاذ محمد قحطان رئيس الدائرة السياسية للإصلاح ذات سؤال عن مغادرين لحزبه.
إني أتذكر الرسائل التي كانت تصلنا –وأنا في صحيفة الصحوة- عن انضمام عضو أو أعضاء للتجمع، خاصة حين يحتفي إعلام المؤتمر بانضمام جدد لحزبه من “أصحاب السوابق” الحزبية.
ولأني وجدت صعوبة في إقناع فروع الإصلاح الغاضبة من الراحلين أو المحتفية بالقادمين، تأثرا بخطاب يعتبر الانضمام “إنجازا دينيا”، والخروج “تساقطا وانحرافا” وما إلى ذلك من المصطلحات التي تؤكد أننا لم نحصن تحولنا الديمقراطي كما فعلنا ضده سابقا، فقد طلبت رأي الأمانة العامة للتجمع، وللأمانة ومع مواقف شخصيات تتفق والوعي الحزبي العام الذي يعتبر الحزب هو الدين والوطن، فقد كان هناك موقف ديمقراطي بكل ما تحمله الكلمة من معنى من آخرين كالأمين العام الأستاذ محمد اليدومي، ورئيس الدائرة السياسية الأستاذ محمد قحطان، وبعدهما بأشهر عديدة الأستاذ ياسين عبدالعزيز وأحمد القميري، الفارق الزمني بسبب تأخر توجيه السؤال للأول، وموقف عملي للثاني بسبب استقالة أحد الإصلاحيين المعروفين.
وكان موقف الأخيرين هو ذاته الذي عبر عنه البركاني تجاه الوجيه. إن الانتماء الحزبي ليس هو كل العلاقة مع الأحزاب، ومغادرتها ليس إعلان حرب بين الطرفين. إنه انتماء لحظي بعقد محدد، يمكنه أن ينتهي لتغير في ظروفه، تماما كما هو الحال تجاه انتخاب رئيس للجمهورية أو أمين عام للحزب.
إنه يتوجب علينا تكريس قيمة الحزبية، عبر الدفاع عن حق المواطن في الانتماء لهذا الحزب أو مغادرة ذاك، دون كمية الأحكام التي ذكرنا بها الجدل تجاه استقالة الوجيه سواء ممن ينسون أن المؤتمر حزب لمئات الآلاف من اليمنيين لا يجوز مطلقا الحكم عليهم قطعا وجمعا من نوعية الأحكام التي تتوجب حربا لتأكيد المصداقية، أو للدفاع عن السمعة، أم ممن اعتبروا موقف الوجيه “كفرا بالله وبالوطن”.
إننا نتحدث عن الحق في التفكير، وحرية العقيدة، فهل لهذه معنى ونحن نعتبر الحزبية دون هذا الحق؟!
[email protected]