بسبب عدم إرسال المبيدات من العاصمة

بسبب عدم إرسال المبيدات من العاصمة

حشرة الدوباس تفتك بربع مليون نخلة في حضرموت سيئون
سيؤن – حسام عاشور
استأنفت حشرة الدوباس حربها على أشجار النخيل في حضرموت، وتمكنت خلال شهر ونصف من القضاء على قرابة ربع مليون نخلة في مديريات: دوعن، الديس الشرقية، قصيعر، ووادي حضرموت.
 إنها حشرة بغيضة، تهدد مصادر دخل عشرات الآلاف من الأسر الزارعة المعتمدة على النخيل.
 ورغم أن الدوباس من الحشرات التي يسهل ردعها، لكن إزاء فرق رش ما تزال تنتظر وصول المبيدات الحشرية من العاصمة، صارت حشرة الدوباس آلة شرهة للفتك بالنخيل ومحاصيله.
 برغم تنفيذ 7 حملات لمكافحة هذه الآفة التي انتشرت بشكل واسع في ديسمبر 2003، ومعها بدأت أول حملة رش للنخيل، والتي أظهرت نتائج طيبة في بعض مناطق الإصابة في مديريتي حورة ووادي العين، حسب بعض المختصين في مكتب وزارة الزراعة بحضرموت؛ إلا أن تأخر الحملة الثامنة، التي لم تنفذ حتى الآن، يفاقم من خطورة الموقف، وبالتالي إصابة عدد كبير من النخيل، خصوصاً في مديريتي سيئون وتريم، اللتين تتركز الإصابات فيهما الآن أكثر.
أحمد البوري، 60 عاماً، زارته “النداء” في مزرعته بمدينة سيئون للتعرف على حجم الإصابة فيها. رد علينا بلهجته الحضرمية: “حرام عليهم أصحاب الزراعة، بيخلون النخل يموت علينا، كلمناهم قالوا: ماشي حملة كاكيه هوذا يا ولدي هذا ما هو سوى منهم، قالوا العدّي (الفلوس) ما جاءت، شوفه كيه النخل يقطّر، اشتقول عسل فيه من كثر ما به”.
فيما علق المزارع محمد باصالح: “والله تواصلنا معهم من قبل أكثر من 5 أشهر، وكلما سألناهم قالوا عادهم ماشي حملة معهم، عاد المبيدات ومخصصات الحملة ما وصلت، وانتهى وقت المكافحة وعاد مبيداتهم ومخصصاتهم ما وصلت، والظاهر ما بتجي إلا لما يموت النخلـ”.
وكانت هذه الآفة الزراعية قد قضت خلال 2005-2007 على أشجار النخيل في قريته، حيث خلفت العديد من الأشجار الميتة وأتلفت محصول ثلاث سنوات من التمر.
تأخير الحملة الثامنة، التي كان من المقرر إجراؤها في فبراير الماضي، أثار استياء وغضب المزارعين الذين يتهمون مكتب وزارة الزراعة في وادي حضرموت وفرق مكافحة الرش بالتقصير. بينما نفى مدير عام مكتب وزارة الزراعة بوادي حضرموت، المهندس عمر محيور، أن يكون مكتبه هو المتسبب في تأخير الحملة، معللاً بأن تأخيرها يأتي لعدم صرف المخصصات المالية للحملة من وزارة المالية، مع تكرار المخاطبات من قبلهم للوزارة بضرورة التعجيل بصرفها وإلى الآن لم يتم.
حشرة دوباس النخيل تقوم بامتصاص الحوريات والحشرات الكاملة للعصارة النباتية، وهو ما يؤدي إلى خفض الإنتاجية بنسبة تصل إلى 25%، وبالتالي انخفاض القيمة التسويقية للتمور، وفي حالة كون الإصابة شديدة فذلك يؤدي إلى هلاك النخيل.
5/ 12/ 2007 هو اليوم الأخير من الحملة السابعة، التي استهدفت 311582 نخلة مصابة بالجيل الخريفي من الدوباس في 5 مديريات بوادي حضرموت نفذتها 32 فرقة رش مستخدمة مبيد “ديسيس”، والذي يقول مدير إدارة وقاية النبات بمكتب وزارة الزراعة إنه ثبتت فاعليته وهو الأنسب حالياً.
إلا أن المزارعين وصفوا جهود المكافحة بالمبعثرة وغير المنظمة وتتخللها العشوائية في العمل، إذ يتم تأخير الحملات وتجاوز بعض المزارع بحجة أن الوباء غير موجود فيها، والانتقال لأخرى، والتوقف أحياننا أثناء الرش بحجة أن كمية المبيدات انتهت، فضلاً عن أن آليات المكافحة لا تطال النخيل المرتفع. ويرون في كل هذا أنه أحد الأسباب التي تسهم في بقاء الحشرة وعدم القضاء عليها.
غير أن عددا من المهندسين الزراعيين لا يعتبرون تلك الجهود مبعثرة، وإنما هي ظروف تفرض نفسها عليهم، وغالبا ما تكون بسبب المركزية، والتي تضعهم في حرج دائم أمام المزارعين، الذين لا يعرفون ما يدور خلف الكواليس.

ويرجع المهندس عمر بامحيمود، نائب مدير عام مكتب وزارة الزراعة، ذلك إلى تأخير المبيدات والمخصصات المقررة للحملة، كما أن كمية المبيد المتوافرة لا تكفي فيتم التوقف حتى يتم رفدهم بأخرى.
فيما يصف مدير إدارة وقاية النبات تزاحم النخيل في المزارع وتشابكه مع بعض وعدم تنظيفه والاهتمام به من قبل المزارع، أحد معالم الإعاقة، وربما تأخذ المزرعة الواحدة فترة طويلة وينفد المبيد ولم تستكمل.
وشدد المهندس صالح بريشان على ضرورة تفعيل الجانب التوعوي للمزارع قبل بدء الحملة، لأن ذلك سيخفف المعاناة على فرق المكافحة والمزارع نفسه، “وهذا ما بدا لنا واضحاً عند نزولنا إلى مزرعة المواطن كرامة باضاوي، الذي منع فرق المكافحة من رش مزرعته التي بدأت الحشرة بالانتشار فيها قبل سنتين لعدم وعيه، وخوفه من أي تأثير سلبي للمبيدات على نخله الذي كانت إصابته حينها خفيفة”.
باضاوي، 55 سنة، لم يكن راضيا أبداً عن إنتاجية نخله، ووصفها بالضعيفة، والتي لا تكاد حتى أن تكفي أسرته. ففي العام الماضي اشترى تمر بيته من السوق. وبرغم أن مستوى الإصابة تطور، وبدأ سعف النخيل تقطر منه المادة العسلية التي تفرزها حشرة الدوباس، إلا أن ذلك لم يثر قلقه، ولم يتواصل حتى الآن مع مكتب وزارة الزراعة لعمل الفحص المختبري للمزرعة.
طن من مبيد “جاكوار” هو إجمالي ما صرفته وزارة الزراعة مؤخراً لتسيير عملية المكافحة. إلا أن فرع الوزارة بوادي حضرموت قام بإعادته  مرة أخرى للوزارة ولم يتم استخدامه، لعدم وجود توصية بحثية، ولأنه ثبت أنه لن يكافح الدوباس وحسب وإنما الدوباس والنحل والعاملين في فرق المكافحة، والتربة أيضاً. وبحسب مصدر في زراعة حضرموت، لم تورد الوزارة أي مبيد حتى الآن.
دوباس النخيل حشرة صغيرة لا تكاد ترى بالعين، استطاعت أن تكبد الدولة العام الماضي 229 مليون ريال تم إنفاقه في ما قيل إنها عملية مكافحة، دون أن تتزحزح أو تهتز لها نخلة. تسللت الحشرة من عمان إلى اليمن منذ سبع سنوات تقريباً، لتفترس النخيل في محافظتي المهرة وحضرموت، ولم تتمكن المكافحة الكيميائية من إيقاف زحفها نحو شبوة، مقللة بذلك كمية وجودة التمور التي اشتهرت بها اليمن.
جهود شخصية
محمد باصالح، 50 سنة، يمتهن الزراعة، وكوّن علاقة وطيدة مع الأرض والنخل، ويقضي يومه الكامل في المزرعة، البالغة مساحتها 6 أفدنة، يعمل فيها. لم يعتمد فقط على مكافحة وزارة الزراعة، بل يقوم هو وأولاده وبعض العاملين المستأجرين، منذ ثلاث سنوات، بثلاث حملات في السنة يواكب فيها مراحل تطور الحشرة، مستخدماً مبيد “رام”، الذي وصفه له أحد المهندسين الزراعيين بمحطة البحوث الزراعية بسيئون، وهو ما أعطى نتائج إيجابية، حسب وصفه؛ إلا أن هذه الحملات تكلفه كثيراً، ولكنه مضطر لذلك حتى يحافظ على نخيله. هو انتقد كثيراً عدم تعاون المزارعين بعضهم مع بعض للقيام بحملات مكافحة أخرى غير التي تنظمها وزارة الزراعة، مقترحاً على وزارة الزارعة تبني هذه الفكرة ودعمها وتشجيعها، وهو يرى أنها ستحقق نتائج إيجابية؛ ولكنها لا تلغي حملات الوزارة نفسها.
20 “بهاراً” هي إنتاجية نخيل باصالح من التمر سنوياً، والذي تساءل عن مشروع رئيس الجمهورية لإحلال النخيل، الذي لم يتم تنفيذه من قبل وزارة الزراعة.
159 مليون ريال هو إجمالي تكلفة الحملات السبع التي تم تنفيذها من 2003 حتى 2007، بحسب التقرير الصادر عن مكتب وزارة الزراعة والري بوادي حضرموت، شاركت فيها 217 فرقة مكافحة استهدفت 5323647 نخلة في مديريات حورة ووادي العين وساه والسوم والقطن وتريم وسيئون، استخدمت فيها ثلاثة أنواع من المبيدات: “دايمثويت”، “سكيدكدودلتا”، و”ديسيس”، كافحت الحشرة في طوريها الخريفي والربيعي، وحصلت على موارد بقيمة 168 مليون ريال من وزارة الزراعة والري وصندوق تشجيع الإنتاج الزراعي والمكتب التنفيذي لمحافظة حضرموت.
برغم كل هذه الجهود المبذولة والمبالغ المالية الهائلة التي صرفت على الحملات السابقة، إلا أنها لن تجدي نفعاً، بحسب المهندس بامحيمود، ما لم يتم وبشكل عاجل توفير آليات لرش النخيل المرتفع الذي لا تستطيع الآليات الحالية الوصول إليه. مؤكداً: “تم الرفع بهذا الطلب للوزارة وتم الإعلان لطلبها من قبلها، ولم يتم تزويدنا بها إلى الآن”. مشيراً إلى أن شركة “توتالـ” النفطية قامت –مشكورة- بتوفير آليتين لمديرية ساه، وهما خاصتان بها، ولا يمكن تحويلهما لأي مديرية أخرى.
وطالب بضرورة البت والتنفيذ لمشروع فخامة رئيس الجمهورية لإحلال النخيل بإدخال فسائل جديدة ذات نوعية جيدة وإنتاجية عالية الجودة بدلاً من بعض النخيل ضعيف الإنتاج الموجود في بعض المزارع. مؤكداً أنه تم إعداد خطة لذلك وكشف بأسماء المزارعين الراغبين في إحلال مزارعهم، وتم رفعها للوزارة، وإلى لم يتلقوا ردا بخصوصها حتى الآن.
إلى ذلك أبرز تقرير الحملات السبع لمكافحة الدوباس، الصادر عن مكتب وزارة الزراعة بوادي حضرموت، جملة من الصعوبات التي تعرقل سير حملة المكافحة، متمثلة في تأخر الحملات بسبب تأخير المخصصات المالية والمبيدات وآلات الرش، مما أدى إلى استفحال الإصابة في مديريتي سيئون وتريم، بالإضافة إلى عدم إكمال الرش في جميع المناطق المصابة، بسبب نفاد كمية المبيدات في الحملتين السادسة والسابعة، وضعف كفاءة آلات الرش خاصة للنخيل الطويل، والنقص الحاد في عدد آلات الرش بحكم توسع رقعة الإصابة. كما أن ضعف دور الإرشاد والإعلام، بسبب عدم توفر الإمكانيات، أدى إلى تدني الوعي لدى المزارعين والملاك، وتكرار تأخر دفع المستحقات المشاركين في الحملات أوجد تذمرا في أوساطهم وتدني خبرة الكادر في بعض القضايا الفنية المتعلقة بسلوك الحشرة، بالإضافة إلى ضعف الحجر النباتي بشقيه الداخلي والخارجي، أسهم في انتشار الإصابة في مناطق جديدة، ويهدد بدخول آفات خطيرة.
وطالب التقرير بحل تلك المعوقات والصعوبات بشكل سريع وعاجل لتسيير عملية المكافحة في المناطق المصابة، محدداً استراتيجية مستقبلية لعمل برنامج للإدارة المتكاملة لآفة دوباس النخيل في وادي حضرموت تركز على المكافحة الكيميائية والزراعية والحيوية.
يظل الشد والجذب بين فرع مكتب وزارة الزراعة والري بوادي حضرموت مع وزارته بتوفير المتطلبات العاجلة للمكافحة، فيما تنشغل هي الأخرى بالمتابعة لدى وزارة المالية، ويبقى النخيل في مديريتي سيئون وتريم يندب حظه، يقطر دموعاً لزجة، يلوح بضعفه وهلاكه وانخفاض إنتاجيته لهذا العام إلى 25%، وربما أكثر، إذا لم تنفذ وزارة الزراعة خطة إسعافية عاجلة لإنقاذ ما تبقى منه، قبل أن ننعي ما بقي من النخيل في مزارعنا التي تصارع الموت، ومزارعينا المهددين بفقدان مصادر أرزاقهم وعيشهم، وتصبح الكارثة كارثتين. فهل من مغيث!!؟