المنشد الذي أفزع الأمن فكافحه بالحبس

المنشد الذي أفزع الأمن فكافحه بالحبس

كانت والدته تشم ملابسه وتصرخ باسمه
قبل عام عاد “عبدالملك الطبيبـ” من عرس “ياسر محمد الطبيبـ” (ابن أخيه) إلى صنعاء، لكن والدته لم تره. أراد أن يمتع العريس الذي جاء رفقته، فأخذه في جولة مقيل إلى منتزه عصر طرف العاصمة. بيد أن الشاب لم يعد من مقيله حتى اليوم.
في 25 مايو 2008 استقبل “عبدالملك الطبيبـ”، 24 عاماً، مكالمة هاتفية من والدته تطلب منه العودة من جلسة القات ونقل العروسين والعائلة لجولة جماعية. “قلت له يجي يخرج ابن اخوه وزوجته دورة هم حراوى جاءوا من البلاد”، قالت “تقية حمدين”.
أنهت الأم مكالمتها وبقيت بانتظار الابن المطيع واثقة من عودته. كان رجلان غريبان يطرقان باب بيتها يسألان عن عبدالملك، المُنشد. تأكدت الأم أنها كانت مكيدة يصطادون بها ابنها. بجانب بيتهم توقفت سيارة “هايلوكس” حديثة، ترجل منها شخصان يريدان عبدالملك، وأخذا من أمه رقم جواله. مضيفة أنهما تأكدا من جواله بسؤال أخيه الأصغر عبد الإله، ونادياه باسمه، وطلبا منه الرقم ومضيا لتنفيذ مخططهم.
من “عَصِر” حتى بيتهم في “الصافية” لا يستغرق وصوله أكثر من نصف ساعة، إلا أن عبدالملك وياسر أثارا سخط والدتهم وحنقها.
كان ياسر جزءا من حادثة الخطف التي نجا منها سريعاً، ونقل لأسرته ما حدث بالتفصيل. منذ تحركوا من منتزه “عصر” ومكالمة المجهولين، اللذين أخذا رقمه من والدته، حددا لعبدالملك محطة لمقابلته خلف مطعم المنصوري بشارع هايل.
بعد عشر دقائق وصل باص من نوع “هيس” إلى المكان، يسبقه صوت أغنية العرس الصاخب. في ال8 مساءً كان الشخصان في انتظاره هناك. وحين سمعا الغناء كررا عليه السؤال أكثر من اربع مرات: أنت عبدالملك الطبيب النشاد…! متأكد؟. أجاب: نعم أنا ما تشتوا مني؟
آنئذ، باشرا المهمة: اعتقال عبدالملك. توزعا الجهات، أحدهما سيطر على الباب الأيسر للباص، والثاني على الآخر، وربطا أعين العريس وعمه واقتاداهما إلى سيارتهما.
في الطريق توسّل عبدالملك الضابطين اللذين يرتديان زياً مدنياً أن يخليا سبيل ابن أخيه العريس الذي لم يمض على عرسه سوى أسابيع، وترجاهما أن يطلقا ياسر ويكتفيا باعتقاله مادام هو المقصود.
في أحد الأزقة المظلمة أطلق رجال الأمن المعتقل الإضافي وفرا بصيدهما. فك ياسر الغطاء عن عينيه، لكنه لم يعرف المكان واستقل “تاكسي” إلى بيت عمه، جوار مطعم جحاف.
كانت جدته “تقية” في أوج سخطها عليه هو وعمه، فسألته عن عمه ونصحته بأن يمتنع عن القات. “كان مسود وحالته حالة، فقلت انه بسبب القات، وسألته عن عمه، وقدنا ضابحة منهم لأنهم ما جوش قبلها”، قالت، وسألته عن سبب تأخر عبدالملك. ردّ: “سار يخزّن عند صاحبه”.
بدأت الشكوك تدور في رأس الأم القلقة على ابنها، لكن شكوكها انحصرت في أن يكون “قد عمل حادث.. صدم بالباص.. تضارب هو واحد…”. وخلال تفكيرها بهذه الحوادث كانت تحلِّق في البيت من السطح حتى الباب، ومع كل مرة تصعد فيها تطلُّ على الشارع علّها تلمح (نور) ابنها”.
ما عادت ترى بوضوح، فالليل والبكاء حرماها من ذلك، فكانت تأخذ ملابس عبدالملك وتغطي بها وجهها وتستغرق في استنشاقها، وتقول: “كنت أشل الملابس حقه واشمهن واصيح بأعلى صوتي الى الصباح”.
وحين شعر ابنها الثاني وحفيدها بضرورة إخبارها وتهدئتها أخبراها بالحادثة. لم تتضح للأم ولا لأبنائها ما هي الشبهة أو التهمة التي تسببت في اعتقال عبدالملك، فمسؤولو في الأمن السياسي أبلغوا أحد أقربائهم بأن السبب هو حرب بني حشيش، وآخرون أفادوا بأنه اعتقل بسبب إنزاله شريط أناشيد يحمل عنوان “اقرؤوا على موتاكم يس”، لكن الأم تفيد بألا علاقة له بالحرب وبأنه أنتج الشريط مع آخرين وليس الوحيد.
يذكر أن عبدالملك تلقى تعليمه الديني على يد يحيى الديلمي والقاضي حمود عباس المؤيد، وهما أستاذان في المذهب الزيدي.
بعد أشهر سمح جهاز الأمن السياسي للأسرة بزيارته، وانضمت والدته إلى عشرات النساء من أمهات وزوجات وأخوات وعمات المعتقلين على ذمة حرب صعدة، للنضال لمتابعة الجهات القانونية والمسؤولة في الدولة.
ومن حينها والأسرة لا تملك إلا زيارة واحدة في الأسبوع، وتتضرع وتتوسل المسؤولين الإفراج عن ولدها المسجون منذ عام.
عبدالملك الطبيب ليس السجين الوحيد، فوالدته تقول إن جميع عائلته في البيت مساجين أيضاً.