الاحتجاجات المطلبية انتهت وبدأت حرب الاسترداد.. مكونات الحراك الجنوبي تتحاور على وحدة اندماجية تتعامل مع الوحدة اليمنية.. العطاس لـ«النداء»: الحديث عن لقاءات ورسائل متبادلة مع السلطة تسريبات هدفها البلبلة

الاحتجاجات المطلبية انتهت وبدأت حرب الاسترداد.. مكونات الحراك الجنوبي تتحاور على وحدة اندماجية تتعامل مع الوحدة اليمنية.. العطاس لـ«النداء»: الحديث عن لقاءات ورسائل متبادلة مع السلطة تسريبات هدفها البلبلة

 المحرر السياسي

 يتلفع قياديو مكونات الحراك الجنوبي بالتفاؤل هذه الأيام، وينصرف جهدهم في اللحظة الراهنة باتجاه تحقيق وحدة رؤى وآليات ووسائل تقرِّب الهدف الذي يقولون إنه بات محل إجماع المكونات الرئيسية للحراك. والهدف هو استقلال الجنوب واسترداد دولته. ولغرض تحقيق وحدة الحركة انيط بلجنة حوار، انبثقت الشهر الماضي عن اجتماع ردفان الموسع، إعداد التصورات الكفيلة يمنع تشرذم الحراك. وفي الأثناء تجري اتصالات حثيثة لترتيب فعالية حاشدة وموحدة في عدن في 27 ابريل الجاري للتوكيد على أن الحراك الجنوبي استعاد زخمه بعد الحملة الأمنية التي تم تنفيذها في 31 مارس 2008 وأدت إلى اعتقال العشرات من قيادات الحراك، وشل حركة مئات آخرين من الناشطين. وحسبما قال ناصر الخبجي لـ«النداء» فإن لجنة الحوار تتشاور حالياً مع مختلف المكونات لإنجاح هذه الفعالية.
ناصر الخبجي، وهو عضو الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي، يرأس هيئة الحراك السلمي في محافظة لحج. وأسهم مع ممثلين من المحافظات الجنوبية والشرقية السبع في تأسيس هيئة الحراك السلمي في الجنوب (نجاح) الشهر الماضي. وقياساً إلى المكونات الأخرى التي تبلورت منذ الخريف الماضي تبدو «نجاح» أقل راديكالية واكثر انفتاحاً على القوى السياسية، وخلال الأيام السابقة أنزلت وثائقها الأساسية إلى أنصارها في المدن والقرى في المحافظات لمناقشتها وإثرائها. وأكثر من ذلك فإن مشروع الرؤية الذي اقرته في مؤتمرها التأسيسي مطروح على المكونات الأخرى للنقد والإنضاج.
«لا أحد يملك الوصاية على الجنوب»، قال الخبجي قبل أن يضيف بأن التنوع ظاهرة إيجابية، وكلٌّ لديه أسلوبه في التعبير عن القضية الجنوبية، وليس في طاقة أحد التفتيش في نوايا الناس.
كان الخبجي يرد على سؤال لـ«النداء» عن موقف «نجاح» من القوى الحزبية، وبخاصة الحزب الاشتراكي الذي تعرض مؤخراً لانتقادات من شخصيات في الحراك الجنوبي مؤداها أن الحزب يحاول الالتفاف على الحراك، وأنه يكبح اندفاعة «الشعب في الجنوب نحو الاستقلال». وذهب أحد الشخصيات القيادية في الحراك بعيداً في نقد الاشتراكي حد تصويره بـ«العدو المحتمل للحراك في المستقبل».
وتتمسك مكونات الحراك الأساسية بالطابع السلمي للاحتجاجات. «إنه الخيار الأسلم والأنسب لنا»، قال الخبجي الذي لم يستبعد أن تلجأ قوى أو مكونات أخرى إلى خيارات أخرى خصوصاً مع ازدياد الاستحداثات الأمنية والعسكرية، خلال الأيام الماضية، وسط التجمعات السكنية وفوق ممتلكات المواطنين.

من الاحتجاجات المطلبية إلى الحركات الاستقلالية
قبل 3 أعوام انطلقت الدعوة إلى التسامح والتصالح، ولعب الرئيس اليمني السابق علي ناصر محمد دوراً محفزاً في هذا الاتجاه، بدءاً من تواصله مع جمعية أبناء ردفان التي نظمت حينها فعالية لإطلاق فكرة التصالح بين أبناء الجنوب وتجاوز الآثار العميقة التي خلفتها أحداث 13 يناير 1986 على العلاقات بين المناطق والمحافظات في الجنوب.
وقبل عامين خرج العشرات من المتقاعدين الأمنيين والعسكريين إلى الشارع احتجاجاً على الإقصاء والغبن اللذين تسببت بهما حرب 1994، ثم قانون التقاعد الذي أدى منذ نهاية العقد السابق إلى تسريح الآلاف منهم. وأدى تلكؤ السلطات في الاستجابة لمطالب هؤلاء إلى انضمام المئات فالألاف إلى حركة المتقاعدين الذين نظموا أنفسهم ذاتياً في هيئات وجمعيات داخل عدن والمحافظات الأخرى.
وتشكل في منتصف 2007 مجلس أعلى لجمعيات المتقاعدين الأمنيين والعسكريين برئاسة العميد ناصر النوبة. وما لبث هذا المجلس أن تحالف مع هيئات التصالح والتسامح ومنظمات أخرى وقوى سياسية لتنسيق الأنشطة الاحتجاجية في الشارع.
وأبدت السلطات المركزية استجابة خجولة للمطالب المتعاظمة في المحافظات الجنوبية، وكلَّف الرئيس علي عبدالله صالح لجنة حكومية برئاسة صالح باصرة وزير التعليم العالي بالنزول إلى 5 محافظات جنوبية وشرقية، علاوة على محافظتي تعز والحديدة، لدراسة الأوضاع فيها. وانجزت اللجنة مهمتها في ظرف أسابيع ورفعت إلى الرئيس تقريراً بنتائج عملها مطلع سبتمبر 2007. وحسبما قال صالح باصرة لـ«النداء» في حوار نشر فور انتهاء مهمة اللجنة، فإن الرئيس أحال التقرير إلى نائبه اللواء عبدربه منصور هادي لاتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة القضايا المطلبية في الجنوب. لكن مصادر خاصة أفادت بأن التقرير الذي أسهم في صوغه إلى جانب باصرة وزير الإدارة المحلية السابق عبدالقادر هلال أغضب مسؤولين رفيعين في الدولة ما أدى إلى وضعه في الرف.
حتى تلك اللحظة كانت حركة الاحتجاجات ماتزال ترفع شعارات مطلبية لم تشوِّش عليها أصوات راديكالية بدأت تطالب باستعادة دولة الجنوب، وترفع علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في المسيرات والاعتصامات.
 ومع مطلع العام 2008 اخذت حركة الاحتجاجات تنحو إلى الراديكالية، وبدأت الدعوات السياسية الانفصالية تتقدم على حساب المطالب الحقوقية، وشرعت مكونات الحراك (الأولية) تعد لتنظيم نفسها داخل المديريات والمحافظات بهدف التوصل إلى قيادة عليا للحراك في الجنوب تتولى تمثيل الشارع الجنوبي في أية مفاوضات مع السلطة المركزية، وقد اضطرت السلطة إلى فرض حالة طوارئ لوقف هذا المسار الذي اعتبر تهديداً صارخاً للشرعية الدستورية، ونزل الجيش إلى المحافظات لكبح جماح الحراك، وتم الزج بقيادات سياسية وميدانية في المعتقلات لعدة أشهر.
أدت العملية العسكرية والأمنية إلى شل حركة الاحتجاجات وضرب مصداقية بعض الناشطين، والتشكيك في كفاءة البعض الآخر. وفي الموازاة واصل الرئيس رعايته لحوار بين حزبه (المؤتمر الشعبي) وأحزاب اللقاء المشترك بخصوص الانتخابات النيابية. وأدى انغماس اللقاء المشترك في الحوارات الانتخابية إلى تعزيز مقولات أطراف راديكالية في الحراك  تذهب إلى اتهام المشترك باستخدام ورقة الحراك الجنوبي من اجل انتزاع مكاسب انتخابية وحزبية.
والثابت أن مقاربة السلطة للحراك التي قامت على إطلاق الأداة الأمنية دون غطاء سياسي، أسهمت في نقل الحراك إلى طور أكثر راديكالية، خصوصاً مع تبني شخصيات بارزة في الخارج لأبرز ركائز هذا الخطاب، وبخاصة وضع الحقوق المطلبية في إطار سياسي ترتسم حدوده انطلاقاً مما جرى في حرب 1994 من إقصاء للجنوب لصالح الشمال.
وفي فبراير الماضي أثمر الحوار السياسي بين الأحزاب السياسية اتفاقاً على تأجيل الانتخابات مدة عامين يتم خلالها التوافق على اصلاحات سياسية وقانونية وانتخابية. ولأن الاتفاق لم يشر صراحة إلى «القضية الجنوبية» فقد اعتبر، جنوبياً، اتفاقاً على الجنوب، وصدرت اتهامات إلى اللقاء المشترك بالتواطؤ مع السلطة لضرب الحراك ودحرجة «القضية الجنوبية» إلى أسفل الأجندة الوطنية.
تعالت أصوات في الجنوب تطالب  بإقصاء المشترك من حركة الشارع الجنوبي، ومقاطعة الحوار الوطني الذي دعا إليه المشترك لبحث أبرز القضايا الوطنية وفي الصدار القضية الجنوبية. وفي مارس الماضي طلعت دعوات داخل الحزب الاشتراكي لإنشاء حزب اشتراكي جنوبي صرف ينسجم مع أسطورة النقاء الجنوبي في مواجهة الشمال.
والحال أن حركة الاحتجاجات المطلبية تحولت في عامها الثاني إلى «حراك»، ثم ما لبثت أن انتقلت في عامها الثالث إلى «حركة استقلال». وفي هذا الطور الثالث ذاب المجلس الاعلى للمتقاعدين في تيار الاستقلال واستعادة الدولة، في تعبير صريح على إغلاق ملف المطالب الحقوقية وتدشين حرب استرداد عنوانها وحدة الجنوبيين في مواجهة وحدة حرب 1994.
«كان لنا الفضل في البداية، وقد نجحنا في كسر حاجز الخوف»، قال علي السعدي أحد أبرز قيادات المجلس الأعلى لجمعيات المتقاعدين لـ«النداء»، مؤكداً أن المجلس صار في حكم المنتهي «وقد دخلنا في إطار أوسع من أجل توحيد أبناء الجنوب».
أما رئيس المجلس الأعلي لجمعيات المتقاعدين العميد ناصر النوبة فقد بات الآن رئيساً للهيئة الوطنية لاستقلال الجنوب وقد أصدر مساء الاثنين بلاغاً يحث فيه الجنوبيين بمختلف شرائحهم ومكوناتهم على التوحد والاتفاق على آلية جادة «لتوحيد الصف الجنوبي على أساس الهدف الجنوبي الوحيد الذي نناضل من أجله والمتمثل في الاستقلال الناجز». مبدياً جاهزية الهيئة الوطنية للسير في «أية خطوات جادة لتوحيد الصف الجنوبي قائمة على التوازن الفعلي بين أبناء الجنوب، وتضمن المشاركة الفعلية لكافة القوى الجنوبية بالمساهمة الايجابية في رسم مستقبل هذا الوطن».
وكان باعوم عبَّر عن موقف مماثل في الحوار الذي نشرته «النداء» في عددها السابق، لكنه لم يتطرق إلى شرط «التوازن الفعلي» الذي اقترحه النوبه. وليس معلوماً بعد ما إذا كان المقصود توازناً قائماً معايير سكانية مناطقية أم على معايير سياسية واجتماعية.

الخارج الملتبس
خلاف باعوم الذي انتقد صراحة الشخصيات القيادية في الخارج، تُظهر «نجاح» حرصاً على هؤلاء. وفي مؤتمر تأسيسها اقترح صلاح الشنفرى (رئيس الدورة الحالية لنجاح) اعتبار مداخلة المهندس حيدر ابو بكر العطاس في ندوة اللقاء التشاوري في صنعاء فبراير الماضي (وهي المداخلة التي لم تُتل في قاعة الندوة بسبب اعتراض المنظمين على بعض مضامينها) وثيقة من وثائق المؤتمر. وقد وافق المشاركون في مؤتمر «نجاح» على المقترح.
أكثر من ذلك، فإن ناصر الخبجي أكد لـ«النداء» أن تأثير الشخصيات المتواجدة في الخارج ايجابي بالضرورة، على الرغم مما قد يظهر للبعض من أثر سلبي لنشاطهم وتصريحاتهم.
وإذ أشار إلى أن هذا التأثير الإيجابي على الحراك يظل محدوداً في الوقت الراهن، شدَّد على أن دور هذه القيادات، باعتبار مكانتهم ودورهم قبل الوحدة وبعدها، ينبغي أن يتجه نحو تفعيل القرارات الدولية (التي صدرت عن مجلس الأمن أثناء اندلاع الحرب في 1994).
بالمثل يقول علي السعدي، فالنقد الذي وجهه حسن باعوم لقيادت الخارج يظل «وجهة نظر»، فأبناء الجنوب أياً كان موقعهم، في الداخل أو في الخارج، في السلطة أو في الحراك، ليسوا راضين عن الأوضاع.
وفي غمرة الاحتجاجات مطلع العام 2008، عبر قياديون في الداخل عن هواجس من احتمال تدخل قيادات الخارج للحوار مع الرئيس علي عبدالله صالح باسم الجنوب. ولاح أحياناً أن المسافة التي تفصل قيادات الخارج عن القيادات الميدانية في الداخل تساوي تلك التي تفصل اللقاء المشترك عن الحراك. استطراداً فإن الاتصالات التي جرت منذ الصيف الماضي بين قيادات في المشترك وشخصيات جنوبية في الخارج كرست هواجس البعض في الحراك من امكان حدوث ترتيبات بين المشترك وتلك الشخصيات التي تتمتع بحضور سياسي وعلاقات اقليمية، تفضي إلى إقصاء القيادات الميدانية. ولم تجدِ تصريحات متكررة لشخصيات مثل علي ناصر محمد وحيدر العطاس تؤكد على عدم ورغبتها الوصاية على الحراك، في طمأنة المهجوسين.
وتتفاوت مقاربات شخصيات الخارج حيال الوضع في الجنوب، ففي حين يلتزم علي ناصر محمد الحيطة في جملته السياسية، نائياً عن استخدام تعبيرات خشنة مثل شعبين (شمالي وجنوبي) واحتلال شمالي للجنوب، يقترب العطاس رويداً رويدا من روحية الحراك، مميزاً بين شمال وجنوب على أساس اجتماعي، دون أن يتجاوز ذلك إلى الحديث عن احتلال. وهو قال لـ«النداء» في نوفمبر الماضي إنه يفضل استخدام وصف «بغي شمالي على الجنوب» الأمر الذي يسبِّب له إشكالات مع بعض قيادات الحراك.
مهما يكن، فإن الهواجس غالباً ما تتعاظم فور نشر أخبار في وسائل إعلام مستقلة، وأحياناً موالية للسلطة، تتحدث عن رسائل واتصالات بين صنعاء وهذه القيادات. وصباح السبت نشرت «الأيام» خبراً منسوباً إلى مصادر رفيعة يفيد بأن السلطة أبلغت شخصيات جنوبية في الخارج رغبتها في الحوار حول اصلاح الأوضاع تحت سقف الوحدة. اكتفت «الأيام» بوصف «الرفيعة» دون أن تحدد ماهية هذه المصادر، وقد فهم على أنها مصادر حكومية.
وتداولت وسائل إعلام أخرى شائعات عن اتصالات ولقاءات. وحلقت بعض الأوساط السياسية والاعلامية بعيداً، وهي تتحدث عن لقاء بين الرئيس علي عبدالله صالح وحيدر العطاس جرى في دولة خليجية، وأن الخلاف احتدم خلال اللقاء ما دفع الرئيس إلى التطويح بحزمة أوراق كانت في يده، ومغادرة المكان.
وفي اتصال أجرته «النداء» مع المهندس حيدر أبو بكر العطاس أثناء تواجده في قبرص مطلع الأسبوع الحالي، نفى صحة ما تناولته بعض المواقع من لقاءات بين السلطة وقيادات في الخارج. وقال: «هذا التسريب يأتي متسقاً مع تسريبات سابقة صدرت عن مطابخ السلطة بهدف إيجاد بلبلة في صفوف الحراك الجنوبي السلمي».
أضاف: «نؤكد مجدداً موقفنا بأنه لا حوار قبل الاعتراف العلني  بالقضية الجنوبية وبالحراك». وشدد على أن أي حوار بعد هذا الاعتراف «لا يكون إلا مع القيادة الموحدة للحراك وبإشراف دولي».

وحدة اندماجية لإعادة صوغ الوحدة
اليمنية أو لاسترداد الجنوب
خلال الأسابيع الماضية تبلورت 3 مكونات رئيسية، على تفاوت في أهميتها ونفوذها في الشارع، بدلاً من وعد بـ«هيئة موحدة». وتجري الآن حوارات واتصالات لجمع هؤلاء في مجلس موحد. وسؤال اللحظة الراهنة هو: هل يتمكن فرقاء الحراك من ابتكار صيغة وحدوية واقعية تراعي الخصوصيات وتنأى عن أسباب الإقصاء ووهم احتكار التمثيل، تمهد لحوار مع السلطة والقوى السياسية الأخرى داخل النظام السياسي من أجل إعادة صوغ الوحدة اليمنية بما يجبر ضرر الطرف المقصي منها بفعل حرب 1994 أم أن مكونات الحراك ستغرق في حسابات التوازن في التمثيل وسباقات محمومة للظفر بصفة «الممثل الشرعي والوحيد»، فتعجز عن بلوغ مقاصد «السياسة» بما هي فن الممكن، متساوقة بالمركز الذي يؤكد سنةً تلو سنةً بأنه يفتقر إلى «سياسة» تخرجه من الشلل المستدام الذي يقعده عن مداواه الأطراف المشدودة؟