لاجئو حروب صعدة.. كلفة باهظة لحروب غير عاقلة – ماجد المذحجي

لاجئو حروب صعدة.. كلفة باهظة لحروب غير عاقلة – ماجد المذحجي

تبدو صعدة في مرمي الحرب السادسة تماما، ويتم توفير كل الظروف المناسبة لاستعادة نشطة لجولاتها الدموية، بينما الكُلف الإنسانية الباهظة للحروب السابقة مازالت قائمة، وتؤكد فشلنا الأخلاقي في تحمل المسؤوليات بخصوصها.
إن السجال الساخن بين المصادر الأمنية والحوثيين، وتنشيط المحاكمات للمتهمين بالقيام بأعمال “تخريبية” والانتماء للحوثيين، واختبارات القوة في مديرية غمر، وحوادث القتل والاغتيالات الحاصلة مؤخراً في صعدة، تسير بالجميع نحو انتظار مرهق للموعد الجديد للحرب، التي يتوقع أن تكون الأكثر عنفاً في اليمن.
ذلك كله موحش حين يتم تذكر واحدة من أكبر المآسي الصامتة التي حدثت بسبب هذه الحروب المتكررة: لاجئي صعدة.
تشير تقديرات المنظمات الدولية، ومنها تحديداً “هيومن رايتس ووتش”، إلى وجود 130 ألف لاجئ بسبب الحرب، 60 ألف منهم تم استيعابهم في ستة مخيمات في صعدة، ويتلقون مساعدات محدودة، علاوة على وجود 70 ألفا آخرين في مناطق مختلفة “حيث تسببت القيود الحكومية في منع أغلب المساعدات من الوصول إليهم” بحسب “هيومن رايتس ووتش” أيضاً في تقريرها الأخير “المدنيون غير المرئيين”.
إنه رقم ضخم. والمرعب تماماً هو كونه رقما مجردا فقط، ولا يشير إلى كون كل هؤلاء المنضوين ضمنه بشرا، بحياة كاملة، وليسوا حاصل إحصائيات فقط.
لا توجد منظمات إغاثة إنسانية كثيرة تعمل على موضوع هؤلاء اللاجئين، رغم أعدادهم الكبيرة، بسبب الحساسية العالية والقيود الأمنية على كل ما يخص صعدة، المغلقة ضمناً أمام المنظمات الحقوقية والصحفيين. وباستثناء منظمة “أطباء بلا حدود” والصليب الأحمر الدولي، يوجد الهلال الأحمر اليمني، وهو منظمة غير حكومية “شبه رسمية” يشوب عملها الكثير من الاتهامات بالفساد وسوء إدارة معسكرات اللاجئين، باعتبارها الوحيدة المصرح رسميا لها بالعمل على موضوع اللاجئين، ولا تعمل المنظمات الدولية عليهم إلا بواسطتها. وتزدحم في هذه المعسكرات مجموعة كبيرة من الأسر مكونة في المتوسط من ثمانية إلى عشرة أفراد في خيم لا تتجاوز مساحتها المترين في متر ونصف، وتفتقر إلى المياه النظيفة ودورات المياه وتعاني من الاكتظاظ الشديد. ولقد توفي عدد من اللاجئين في الشتاء الماضي بسبب موجة الصقيع التي حدثت حينها، ولافتقار هؤلاء اللاجئين للبطانيات ووسائل التدفئة.
يشير الصليب الأحمر الدولي، في موقعه الرسمي على الانترنت، إلى أنه في الفترة بين يناير وأكتوبر 2008 وفر “الخيم والبطانيات ومستلزمات المطبخ والنظافة لحوالي 7570 عائلة نازحة (حوالي 56500 شخص) ووجبات طعام لمدة شهر واحد ل2725 أسرة (حوالي 19080 شخصاً) في مدينة صعدة”، ووزع مع الهلال الأحمر اليمني مواد إغاثة إضافية (بطانيات ومستلزمات النظافة) “في تشرين الأول/ أكتوبر على 1086 عائلة (8224 شخصاً) في مخيمات النازحين، وقدمت المواد الغذائية إلى 569 عائلة (4080 شخصاً) في منطقة محضة (جنوب صعدة) بالتعاون مع الهلال الأحمر اليمني، كما قدمت المواد الغذائية إلى 2800 عائلة (حوالي 17000 شخص) في منطقة ضحيان (شمال غرب صعدة) بالتعاون مع الهلال الأحمر اليمني”.
بالطبع تلك مساعدة محدودة، وأرقام هذه المساعدات تغطي اللاجئين الذين تم الوصول إليهم فقط، وهي تفصح تماماً عن لاجئين الجزء الأكبر منهم يفتقدون للحد الأدنى من الظروف الكريمة والخدمات الضرورية ولا يمتلكون أي شيء سوى هذه المساعدات المحدودة من الصليب الأحمر. إنها مأساة حقيقية يتم تجاهلها ولم يختبر أي طرف مسؤوليته الإنسانية تجاه هؤلاء أبداً، بينما يتم المضي قدماً بخفة مرعبة نحو إشعال حرب جديدة لا يعلم أحد كم ستضيف من المعاناة والألم والدمار.
تقع مسؤولية هؤلاء اللاجئين بشكل أساسي على الحكومة، التي يفترض أن تدير معالجة حقيقية لهذا الملف. ولكن ما هو حاصل هو الاستسلام للاعتبار الأمني وتجفيف كافة أشكال المساعدات لهؤلاء اللاجئين، التي يمكن الحصول عليها من المنظمات الدولية عبر تقييد حركتها كلياً. وحسب “هيومن رايتس ووتش” فإن “الكثير من المنظمات الإنسانية يتعين عليها أن تطلب إذن وزارة الداخلية على كل رحلة تقوم بها إلى صعدة، وهو مطلب مستحيل من الناحية العملياتية. ومع انتهاء سبتمبر/ أيلول 2008 سمحت الحكومة للمنظمات الإنسانية بدخول عدد محدود من البلدات في محافظة صعدة، لكن مع الدخول في شهر أكتوبر/ تشرين الأول كانت هذه الإتاحة المحدودة للدخول غير كافية لبلوغ الكثيرين ممن مكثوا لفترة طويلة بمعزل عن المساعدات وممن ما زالوا عرضة للمخاطر”.
وعلاوة على هذه القيود والإتاحة المحدودة لمنظمات الإغاثة العاملة على موضوع اللاجئين في صعدة، فإنها تتعرض مؤخراً لمخاطر إضافية هناك، حيث تتعرض منذ فترة لهجوم شرس من قبل إمام وخطيب جامع ابن تيمية، المتشدد، في مدينة صعدة، حفظ الله العويلي في خطب الجمعة، والذي اتهم منظمات الإغاثة الإنسانية المتواجدة في صعدة بأنها تتبع الاستخبارات الأجنبية وحرض عليها دينياً، وهو ذكر بالاسم كلاًّ من منظمة “أطباء بلا حدود” الفرنسية والصليب الأحمر الدولي واليونيسيف، وهو ما قد يجعلها عرضة لمبادرات “جهادية” دموية يُمكن أن تستجيب لهذا التحريض الذي يهدد حياة موظفي هذه المنظمات بشكل جدي. كما يؤدي هكذا تهجم وتحريض على هذه المنظمات إلى أن تقوم عادةً برفع مستوى إجراءات السلامة وتقييد حركة موظفيها، بما يفاقم الأوضاع الإنسانية السيئة جداً لهؤلاء اللاجئين الذين تشملهم الخدمات المحدودة بالأساس لهذه المنظمات. إن الصمت الرسمي على تحريض العويلي يبدو متصلا برعاية رسمية لخطيب جامع ابن تيمية، الذي يتموضع موقعه بالقرب من مقر الأمن السياسي في صعدة! وهو فعل لا يغادر السلوكيات الأمنية المعتادة في توظيف المتطرفين الدينين لتحقيق أهداف سياسية بدون الأخذ بالاعتبار المخاطر الشديدة في هكذا أمر.
إن هذه الحروب غير العاقلة لا تحصد القتلى وتملأ المستشفيات بالجرحى فقط؛ إنها تقوم بتدمير حياة الناس حيث تقع، وتمزق استقرارهم تماماً. لقد دمرت أراضي ومنازل الكثيرين الذين خسروا بسبب ذلك كل شيء، ورغم عدم وجود أي مساعدات يتلقونها فهي لن تعوضهم أبداً عن خسارتهم، ويبقى العمل فقط على تحسين ظروف معيشتهم الحالية، لا استعادة ما سبق. ولذلك فإن عودة الحرب مرة أخرى ستفاقم هذه المأساة الإنسانية وتوسع دائرة الخراب في صعدة والمديريات التي سيشملها القتال، وتضيف أعدادا جديدة إلى خانة اللاجئين الذين لا يشكل موضوعهم منطقة اهتمام بأي مستوى لنظام حكم منشغل فقط بتدبير أسباب الحروب والفشل في حسمها.
[email protected]