انتزاع الـ”هيبة” المفقودة من وزير أعزل.. عجوز عقيم!! – سامي نعمان

انتزاع الـ”هيبة” المفقودة من وزير أعزل.. عجوز عقيم!! – سامي نعمان

المتابع لمسيرة مجلس النواب اليمني لا يعقد عليه أملاً في حلٍّ ولا عقد، أغلبية بأيادٍ “خشبية” ترتفع بهواتف علوية ضداً على قناعاتها، ومعارضة تتولى مهمة “إسقاط الواجبـ” في المجلس، وعناصر من كتلة الأغلبية تكتفي باستعراض مهارة أن تكون “ظاهرة صوتية”، أو أن “تعارض الحكومة وأنت في الحزب الحاكم”، وتقتضي الظاهرة أن تعارض، ثم تصوت لصالح ما تعارضه. وعدا ذلك أقلية تحاول القيام بمهامها في بيئة مشوشة لا تملك حق الخيار، ولا أن يكون لها رأي مخالف، ومن فعل فهو “تعبان ابن تعبان”.
يجهد مجلس النواب هذه الأيام في معركة يحسبها مصيرية، أو مسألة كرامة، يخوضها في آخر أيامه الدستورية، ولم يتمرس على خوض شبيهات لها بجدية حتى في قضايا هزيلة عرضت عليه. يتخبط النواب في تكتيكات المواجهة. كانوا علقوا إحدى الجلسات لعشر دقائق مهددين بتعليق عمل المجلس إذا لم تُلبَّ مطالبهم، ثم عادوا بعد أسبوع من تهديدهم ذاك ليعلنوا تمديد جلساتهم أسبوعاً كاملاً لمبارزة وزير العدل، ومقترح “عظيم” يتضمن كلمة “تمديد” يصوت عليه الجماعة بعيون مغمضة، ولا يحتاج معارضة بالمطلق!
كشر النواب عن أنيابهم في محاولة لاستعادة بقايا هيبة فرطوا بها طيلة سنوات ولايتهم، وعلى أعتاب الفترة “اللحقة” التي انتزعوها على حساب الدستور، يسعى النواب أن يخوضوها وقد أكملوا سنواتهم الشرعية باستجواب “يتيم” لوزير يؤدي حالياً مهمة “ساعي البريد” بين النواب والقضاء، ويبدو أنه يدفع ثمن إشهار مجلس القضاء الأعلى لمادة دستورية تذكر باستقلال القضاء وأن على المتضرر اللجوء إلى القضاء الذي لم يحدث يوماً أن أثيرت مسألة استقلاليته من عدمها، بشكل جاد في المجلس.
لكن النواب أفاقوا أخيراً، ليكتشفوا أن القضاء “فاسد” بإجماع الغالبية التي تحضر جلسات هذه الأيام لاستعراض عضلات البرلمان الهزيل ضد وزير أعزل إلا من ربطة عنق وحزمة نصوص قانونية، يصرون على إقالته، ليس لاختلالات تعانيها وزارته اكتشفها المجلس وهو يمارس دوره الرقابي، لكن لأن الوزير يحضر بالنيابة عن جهات تتبع وزارته اسماً، وقام بتحويل رسائل النائب العام إلى المجلس، بالإجراءات التي اتخذها باعتقال النائب أحمد عباس البرطي المحبوس على ذمة قضية مقتل مدير مديرية خدير أحمد منصور الشوافي.
يتباكى النواب اليوم على هيبة مجلسهم الضائعة، ويهددون باستقالة جماعية لانتهاك حصانة، معظمهم لا يحتاجونها أصلا، لأنهم لا يمارسون الدور الرقابي الذي يستلزم حصانة النائب، وهم يدركون أنهم وهيئة رئاستهم كانوا سبباً كافياً لفقدان هيبة المجلس، ولم يستذكروها إلا بعد أن مسهم مباشرة سوء الإدارة و”فساد” القضاء، وتحول أجهزة الدولة إلى أدوات بيد النافذين. تذكر النواب اليوم هيبتهم، وهم، بالأمس من صوتوا، سلطة ومعارضة، بتعليمات الهاتف، على رفع الحصانة عن النائب يحيى الحوثي، وأعيدت الثقة بعد اتفاق الدوحة، ربما دون الحاجة حتى لكبس أزرار الهاتف.
تذكر النواب اليوم الهيبة المصادرة وتاريخ المجلس مليء بالعثرات، وقل أن تجد فيه وقفة مشرفة. بِيْعَ الغاز “بيعة لصوص”، ولم يعد هناك ما يفي أبناء البلد لطهي الطعام، وليس لتوليد الكهرباء، وعليهم أن يتأكدوا من النائب علي عشال.
تُمرّر سنوياً الاعتمادات الإضافية ولا يكون للمجلس في ذلك موقف سوى شرْعَنَة انتهاك الدستور والقانون ونهب المال العام.
مُرّرت قوانين تتعارض مع نصوص الدستور بصمت وهدوء يتناسب مع تركيبة المجلس. وتتعامل الحكومة مع النواب باستهتار تام وبرضا هيئة الرئاسة. ذات يوم اقترح عشال قانوناً جريئاً قدمه للمجلس لينتصر به لجوهر عمله كمشرّع، فإذا بالحكومة تقدم لهم نقيضه ويسلك طريقه إلى جدول أعمال المجلس رغم أن المشروع السابق ما زال رهن المزاج المسيطر على المجلس. بعد ذلك يتم السخرية من مشروع القانون باعتباره “مسروق” من السلطة الفلسطينية، وكأن اليمن الدولة المستقلة ذات السيادة لزهاء خمسة عقود لا يستحق مواطنوها قانوناً يحترمهم كقانون السلطة الفلسطينية التي ما زالت بلا دولة حتى الآن، هذا إن صحت “أكذوبة” السرقة!
المجلس الذي يتشبث اليوم بغبار موقف يثبت به وجوده وقد مَسّ ما يحسبه انتهاكاً للدستور أحد أعضائه، أخفق مرات عديدة في الانتصار لعدد من مشاريع القوانين والمصادقات، لم يكن أولاً تراجعه السريع عن المصادقة على نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، بعد أن صادق عليه على حين غفلة من الرقيب وصاحب اليد العليا، وليس آخرها المداولات الأخيرة التي أعادت نقاش قانون يمنع “وطء” الصغيرات دون سن 17 عاماً، والذي يتبناه “علماء” ونواب يرفضون العلم والحياة خارج حدود القرن الأول للهجرة، ويستميتون في معركة لا تقبلها الفطرة ولا العلم ولا الدين، انتصاراً لبضع كلمات حفظوها ويرفضون التزحزح قيد أنملة عن فهمهم لها، ليشرعوا تزويج الأطفال في وقت هم أحوج ما يكونون فيه لروضة ترفيهية، أو مدرسة محترمة أو حتى طفولة آمنة تضمن حقهم في الحياة لا أكثر.
للأسف لم يكن للمجلس موقف واضح ولا هيبة عندما تعرض النائب أحمد سيف حاشد للاعتداء والضرب في مصلحة الهجرة والجوازات، وبدلاً، من الانتصار لسلطتهم وحقوقهم جميعا، زُجّ بالنائب في روتين نيابي ثقيل يصبح التنازل معه عن الحق صونا للكرامة أكثر من الخضوع له، بل تحولت معركة النائب إلى المجلس عندما أدخل عدد من النواب زميلهم في معركة حياة أو موت “اسلم تسلم”، وإلا فرفع الحصانة تمهيداً لتطبيق حد الردة!
أكثر من ذلك نشرت الصحافة وتحدثت الحكومة ووثقت منظمات حقوق الإنسان عدداً من الانتهاكات التي كان أبطالها نواب، وإن حدث أن تم مخاطبة المجلس بشأنه يتم تغطية القضية كإحدى جرائم الشرف، خصوصاً إذا تعلق الأمر بأحد ناخبيهم ذوي وزن الريشة.
ثم بعد ذلك ينبري المجلس الهمام للدفاع عن حياض العدالة والقانون واستقلالية القضاء بإقالة وزير العدل، الذي قال لهم صراحة إنه لا سلطان له ولا لهم على القضاء، ومع ذلك يصرون على إقالته بخطيئة غيره، أو بالأصح كان الأولى أن يمثل بالنيابة عنه نائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن ووزير الداخلية باعتبار مسؤوليتهما المباشرة عن كلا الاختلالات الأمنية التي شهدتها البلاد طيلة الفترة الأخيرة فقط. ألا تستحق قضية القدسي وقفة كهذه!؟ وماذا عن مقتل ثمانية طلاب غرقا في بحر الحديدة، واغتيال الطفولة أمام إحدى مدارس العاصمة وفي وضح النهار؟ وما موقفهم من الحروب التي تستعر مجدداً اليوم في صعدة؟ وكيف بحوادث القتل التي تحدث جنوبا هذه الأيام ولا يعلم إن كان ضحاياها فعلا مجرمين أم أبرياء؟ ماذا عن جرائم ترتكب يوميا في شتى المحافظات قتلا وتنكيلا وسجنا ونهباً؟ ألا تستحق مساءلة المسؤولين عنها؟ أم أن الأجدى البحث عن الحلقة الأضعف في الحكومة.
هناك تعديل وزاري وشيك، سيطال قرابة نصف أعضاء الحكومة، ناهيك عن إلغاء بعض حقائب الحكومة اليمنية “الصينية” التي تنبهوا أخيراً لعدم جدوى الكثرة فيها سوى إرهاق الخزينة العامة، وبحسب وزير التخطيط فإنهم سيقلصون الوزارات لكن سيعززون “الكفاءة”، وفي هذا التوقيت إن أصر النواب على استجواب الوزير وإقالته فإنهم يؤدون دوراً في الوقت الضائع لا يتجاوز حدود التذكير بأنهم ما زالوا هنا. وحتى إن أفلح المجلس في إقالة الوزير فإن ذلك لن يسترجع الهيبة التي فرط بها طيلة سنوات خدمته على حساب المصالح الذاتية التي تبرز بشكل واضح خصوصاً عند حضور الجانب الحكومي إلى المجلس. عززوا استقلاليتكم عن الحكومة أولاً.
لا شك أن من حق النواب الدفاع عن زميل لهم تشير كافة الأولويات المتوفرة لديهم إلى أن القضية خضعت لتأثير مراكز القوى؛ لكن ينبغي أن يمارسوا دورهم ذاك بتجرد، ودون أن يكون هناك كباش فداء، وألاَّ يزج بالسلطات التشريعية والقضائية، بقصد أو بدون قصد، في صراع مراكز القوى على حساب الوطن الذي يذبح يومياً من الوريد إلى الوريد.
توازياً مع قضية البرطي التي نأمل ألا يكون لها ضحايا غير المتورطين بها، نأمل أن ينظر المجلس في التصريحات الأخيرة لنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية التي هدد العالم بها بـ”صوملة” شعب قوامه 24 مليون محارب شديد ليس لديهم ما يخسرونه. القضية تستحق وقفة لمحاسبة الحكومة، كتلك التي يقفونها لمحاسبة وزير أعزل.
[email protected]