المستقبل الذي قُتل الآن – عارف أبوحاتم

المستقبل الذي قُتل الآن – عارف أبوحاتم

ببراعة لافتة يستطيع الشيخ الزنداني أن يحدد للناس ما الذي يجب أن يفكروا فيه، في حين ينصرف هو إلى أعماله الخاصة. فمثلاً يستطيع أن يملأ عقول الشباب من حوارييه بفكرة الجهاد، وتصديرهم إلى أفغانستان والعراق، فيما يرسل أولاده إلى أرقى الجامعات لدراسة الهندسة والاقتصاد (نجله عبدالله يحمل دكتوراه في الاقتصاد من الأردن).
تقول نظرية ترتيب الأولويات (agenda setting) إن وسائل الإعلام قادرة على تبني قضايا معينة والتركيز عليها وإعطائها مساحة أوسع، وتصبح هذه القضايا مع التكرار هي أولويات الناس وشغلهم الشاغل. ولا أحد في هذا البلد قادر على تنفيذ نظرية ترتيب الأولويات مثل الشيخ عبدالمجيد الزنداني، وربما فاقت مهارته مكتشف النظرية نفسه، الألماني والتر ليبمان.
وخلال العقود الماضية استطاع الشيخ الوقور بذكائه الخارق أن يضع أجندة أولويات شغلت اليمن بكل حكامها وساستها وإعلامييها ومثقفيها. في مقابل ذلك لم يستطع أحد من اليمنيين أن يضع أولوية واحدة تكون في صدارة اهتمامات “الشيخ”. هل تتذكرون براعته خلال عقد السبعينيات في تسويق فكرة “الإعجاز العلمي” من موقعه في رئاسة هيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة!؟ وفي الثمانينيات حقق نجاحاً “شبه معجزة” في تصدير فكرة الجهاد “في سبيل الله” و”شراء الجنة” من خلال القتال في أرض أفغانستان، وتلك تجربة أضم صوتي فيها إلى صوت المفكر السياسي محمد حسنين هيكل الذي آثر الصمت على الحديث فيها مكتفياً بأمله في أن يأتي جيل يحاسب قادته من حكام العرب: ما الذي فعلوه بنا؟ وكيف تم تصدير خيرة رجالنا وجل أموالنا وكل أوقاتنا إلى القتال في كهوف وأدغال أفغانستان، في وقتٍ كان ينتظر فيه المواطن العربي مشروع تنمية حقيقيا؟…
ومع انتهاء الحرب هناك بانسحاب السوفييت، شعر “الشيخ الزنداني” بخفة وزنه السياسي، وتراجع بريقه، فكان دستور دولة الوحدة اليمنية بوابة مناسبة لإعادة “الشيخ” إلى مركز الدائرة، واستطاع حينها أن يتصدر أولويات الناس والإعلام في جهاده ضد الدستور “العلماني، الذي جاء ليمسخ على أهل الإيمان والحكمة عقيدتهم، ويعود بهم إلى الوثنية”. وأعقب ذلك الجهاد ضد “أعداء الله” من الاشتراكي “الملاحدة”، وإقامة المحاضرات والندوات، والتوسع في إقامة المخيمات الصيفية في صنعاء، وذمار، وإب (ذي سفال)، وتعز (الجند)، وأبين (في بستان الشيخ حسين عشال)، وعمران (خمر)، ومأرب. وبقيت لصعدة خصوصيتها، ولم يدخلها “الشيخ”، لأنها “مشطورة” بين جماعتين عدوتين لبعضهما، متحدتين في معاداة تيار “الزنداني”؛ الأولى: الجماعة السلفية بقيادة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي (رحمه الله) الذي طالما جاهر بمعاداة “الزنداني” ومشاريعه، ومن ذلك محاضرة مشهورة بعنوان “البركان في نسف جامعة الإيمان”، والجماعة الأخرى زيدية شيعية بقيادة الشيخ مجد الدين المؤيدي (رحمه الله) فقد كان لا يطيق فكرة الوهابية الإخوانية.
وأنتجت تلك المخيمات والمهرجانات مكانة واسعة وشعبية تعالت أصواتها مؤيدة للشيخ الزنداني الذي وجد نفسه ذات صباح يؤدي اليمين الدستورية في البرلمان بصفته عضواً في مجلس الرئاسة، ليجلس بعد ساعات من اليمين إلى جوار أمين عام الحزب الاشتراكي، علي سالم البيض – نائب رئيس مجلس الرئاسة، متناسياً “إلحاد” الأخير، مقابل شهوة التربع على كرسي أعلى مجلس في الدولة. وطبقاً لرواية الدكتور ياسين سعيد نعمان -في حديث طويل في مقيل بيته- قال لي: “اتصل بنا -نحن الاشتراكيين- الرئيس علي عبدالله صالح يخوفنا من أن الإصلاحيين يريدون طرح اسم الزنداني في عضوية مجلس الرئاسة، فقلنا له على الفور: نحن موافقون، وفي يوم أداء اليمين الدستورية ذهبت إلى البرلمان بصفتي رئيساً له فوجدت الشيخ الزنداني في “الحوش” قد حضر باكراً، وصبغ لحيته بالحناء، وضمخ نفسه بالمسك والعود، وما إن اقتربت منه حتى احتضنني بلهفة، ويقول: “لا تصدق ان بيننا خلاف، نحن إخوة”.
شخصياً لا أزال أبحث عن تفسير مقنع لموافقة الاشتراكيين الفورية على اسم “الزنداني” عضواً في مجلس الرئاسة؛ هل كان نكاية بالرئيس صالح؟ أم إدراكاً منهم لحدود الزنداني ومدى قدراته، وأن وصول الرجل إلى أعلى الهرم سيسكت ذلك الهيجان الكامن في نفسه ضدهم؟ أم بحثاً عن مبررات حقيقية لمشروع لاحق يتبنى الانفصال؛ بمبررات عديدة من بينها صعوبة التجاور مع رجل يفتي بكفرهم وجواز قتالهم؟
واستمر بريق الشيخ الزنداني، وطال بقاؤه في كرسي مجلس الرئاسة أكثر مما كان متوقعاً. ولم يدع الرجل لهيب شارع ينطفئ أو يتوقف لمجرد اعتلائه “الكرسي”، بل استمرت محاضراته ومناظراته دون انقطاع. وأتذكر أني رأيت خلال العام 1993 سيارات أتباعه تحمل مكبرات الصوت وتجوب شوارع إب وتعز، تعلن عن محاضرته، “بين مغرب وعشاء” في جامع كذا، ومحاضرات صباحية ومسائية في ميدان أو مخيم كذا، ولا تنسى أن تُذكّر بأن المحاضر “عضو مجلس الرئاسة”.
وحين انفجر الوضع وأعلنت الحرب بين شريكي الوحدة والحكم في اليمن، كان صوت الشيخ الزنداني لا يتوقف عن الهدير العارم طوال منتصف العام 1994 مندداً بـ”الملاحدة” ومضيفاً إليهم صفة “الانفصاليين”. ودخل وجماعته شريكاً في ما عُرف بـ”الشرعية”، وهي الطرف المدافع عن بقاء الوحدة بين شطري اليمن.
ورجل بذكاء “الشيخ” لا يمكن أن يقدم خدماته مجاناً، فهو الآن صاحب مشروع استراتيجي يضمن بقاءه في مركز الدائرة ما بقي حياً. ومع إطلالة العام 1995 استطاع الشيخ أن يُحضر الرئيس صالح ليضع حجر الأساس لجامعة الإيمان الدينية الأهلية، فتم وضع الحجر، ولاحقاً كان الافتتاح، بعد أن تم البناء فوق مساحة واسعة وهبها “للشيخ” العميد علي محسن صالح – أركان حرب المنطقة الشمالية الغربية حينها (حالياً برتبة لواء وقائداً للمنطقة ذاتها)، وأرضية الجامعة هي الجزء الغربي من معسكر “الفرقة الأولى مدرع” شمال غرب العاصمة صنعاء.
وكانت القيادات المتنورة داخل حزب الإصلاح قد عارضت إنشاء الجامعة، لسببين: الأول أنها ستكون مكسباً “للزنداني” أكثر منها مكسباً للإصلاح. والسبب الآخر أنها ستضع اسم الإصلاح لصيقاً بصفة الحزب الديني أكثر منه بصفة الحزب السياسي.
وكانت توقعات تلك القيادات صحيحة، فالرجل بكارزميته وإطلالته على المنابر كاد أن يصل بالجامعة إلى أن تكون مركزاً عالمياً للتعليم الديني (الشرعي – كما يسميه)، فقد استطاع استقطاب الطلبة الدارسين من السنغال وساحل العاج والمغرب والجزائر ومصر والسودان وسورية والأردن والصومال وإريتريا وأوكرانيا وإندونيسيا والشيشان وداغستان وباكستان وبنجلادش وطاجكستان (وما أكثر الطاجيك!). بل وصل طلاب للدراسة من أوروبا، أمثال الإيطالي المعروف -بعد إسلامه- بالشيخ عبدالرشيد، وقد اصطحبه “الشيخ” قبل أربع سنوات إلى دار الرئاسة لمصافحة الرئيس صالح وتهنئته بالعيد الأضحى.
ومع إطلالة القرن الحادي والعشرين كان “الشيخ” في أزهى عصوره، وصوته يملأ الأسماع، فأخذ يستعرض عضلات البقاء، ويضع أولوية جديدة للناس، فكانت قضية صحيفة “الثقافية” هبة السماء له، فالصحيفة أعادت نشر رواية “صنعاء مدينة مفتوحة” للروائي الراحل محمد عبدالولي، وفيها جملة من نصف سطر رأى فيها الشيخ الزنداني تعدياً على الذات الإلهية، فجمع أنصاره ومؤيديه من كل اليمن للمطالبة بمحاكمة “الصحفي الكافر” سمير رشاد اليوسفي رئيس التحرير، حينها، وهو ما أفزع الرجل حين رأى المئات من طلبة جامعة الإيمان عند بوابة المحكمة ينتظرون إراقة دم “الملحد”.
في إحدى ليالي نوفمبر 2004 كنت في مكتب الصحفي اليوسفي، وكان الرجل المتدين بطبعه (فهو خريج صحافة في جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية في الرياض وأحد الكوادر الإعلامية لحزب الإصلاح حتى العام 1992 الذي انقطعت صلته بهم)، كان يتذكر المحاكمة والخوف على نفسه وأولاده، وظل يحدثني في ساعة متأخرة من الليل: “أتذكر أنني خرجت من قاعة المحكمة ورأيت جحافل جامعة الإيمان ينتظرونني عند الباب، فشعرت بالموت يقترب مني، فتقدم العميد محمد رزق الهمداني (مسؤول رفيع وشجاع في الأمن السياسي) وجرني إلى الباب الخلفي للمحكمة ليهربني بسيارته الشخصية.
وبعد أيام كان سمير اليوسفي والشيخ الزنداني ونصر طه مصطفى – أبرز إعلاميي وكتّاب الإصلاح، وعبد الرحمن الأكوع – وزير الإعلام حينها، مجتمعين في بيت نائب رئيس الجمهورية، عبدربه منصور هادي، للبحث عن حل توافقي للقضية.
وحين دخل “الزنداني” متأخراً صافح الجميع باستثناء “سمير”، لأنه لا يزال بنظره “كافر”، ونصر طه الذي بدأ يقترب من العلمانيين وينشر عبر مجلة “نوافذ” التي يرأس تحريرها مقالات للعلماني “الملحد” الدكتور حمود العودي أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء.
بعد ذلك تم التوافق على حل يقسم بموجبه سمير اليوسفي أمام القضاء أنه لم يقصد الإساءة للذات الإلهية، وهكذا انتهت القضية!!
ولا أدري كيف يمكن لقضية دينية أن تحل سياسياً؟!
وفي تقديري لولا صمود رجل بحجم عبدالرحمن الأكوع – وزير الإعلام، وتهديده بالاستقالة من منصبه (فضلاً عن كونه صهر رئيس الجمهورية) لكان الشيخ الزنداني أعادنا إلى عصور محاكم التفتيش من بوابة الألفية الثالثة.
وجاء العام 2001 حاملاً في شهوره الأخيرة حادثة شقت التاريخ إلى نصفين، عالم ما قبل أحداث 11 سبتمبر وعالم ما بعدها من تداعيات، وبدأت مطاردة الإرهاب في كل مكان، ومحاربة مصادر تمويله أينما وجدت.
وفي 24 يناير 2003 كان اسم الشيخ الزنداني يحتل المرتبة 83 في قائمة ممولي الإرهاب التي قدمتها وزارة الخزانة الأمريكية إلى مجلس الأمن ليصادق عليها.
وكان لتلك التداعيات أثرها الكبير في ضمور أداء جامعة الإيمان، فمعظم الطلبة الدارسين من غير إقامة رسمية، ومصلحة الهجرة والجوازات لا يمكنها منحهم الإقامة، والدولة عموماً لا يمكنها السماح ببقائهم في ظل ضغوط أمريكية وغربية لتشديد الخناق على منابع الإرهاب ومصادر تمويله، فاضطر الطلاب للرحيل إلى بلدانهم.
والأموال المتدفقة إلى الجامعة من دول الخليج رسمياً وشعبياً قلّت إلى حد الاضمحلال، إذ كان للطلاب “مطعم” داخل الجامعة يقوم بتغذيتهم مجاناً طوال العام الدراسي، وبوجبات ليست بالضعيفة، والطالب الذي يدرس ويسكن مع زوجته (سواءًَ كانت تدرس في الجامعة أم لا) توفر له الجامعة سكناً مجانياً مع عائلته، وبطاقة استلام ثلاث وجبات مجانيةً يومياً، وراتب شهري قدره 100 دولار. كل ذلك تراجع بعد أحداث سبتمبر، ووجد “الشيخ” معدن بريقه يتآكل، وحضوره السياسي والديني يتراجع، وصوته يكاد يختفي داخل دوامة أصوات تملأ المجتمع، وهو الذي تعود الحضور داوياً وشاغلاً المحيط من وسط الدائرة، ففكر بأولوية جديدة تعيده للظهور، لأن بقاء أدائه ضامراً قد يؤدي إلى غيابه في الذاكرة الجمعية، وهو ما يعني وفاته سياسياً واجتماعياً.
ما كان الشيخ يعتبره مشروعاً استراتيجياً يضمن بقاء لمعانه وحضوره لسنواتٍ طوال أصبح الآن كما أراد، فمن خلال الجامعة أصبح اسم الشيخ “الزنداني” في كل مدينة وقرية وبيت، بواسطة أفراد ديناميكيين يعملون لحسابه دون ملل، ولا تفكير، وصوت “الشيخ” الذي كاد أن يبتلعه الصدى عاد من جديد ليضع أولويات وأجندة جديدة للناس، فقد أعلن “الشيخ” اكتشافه عقارا فعّالا لمرضين حيرا العالم؛ هما: الإيدز، وفيروس الكبد بكل أشكاله، ويؤكد أن علاجه مجرب ومؤكد، وفي ذلك إشارة لتغير جذري في منهجية واستراتيجية “الشيخ” من التنظير الجهادي إلى معامل العقاقير، وهي إشارة تخلو من غزلٍ تجاه الغرب، بدهاء معهود من رجل فطن كالشيخ الزنداني، فهو الآن يضع أولوية جديدة ويعرض لنفسه وجهاً إنسانياً غير المعروف عنه.
وأخذ الاكتشاف “المعجزة” مداه من الحديث والإعلام والصدى، ساعد “الزنداني” ولو نفسياً على الخروج من أزمة المطالبة الأمريكية.
وفي العام 2004 تمكن “الشيخ” من وضع أولوية أخرى ضمن أجندته التي دأب على أن يضعها للناس ويشغل تفكيرهم ووجدانهم، وهي تدخل أيضاً ضمن ألبوم صور الوجه الإنساني له، حيث أصدر فتوى ما أسماه بـ”الزواج الميسر” وعُرف إعلامياً واجتماعياً بـ”زواج فريند”.
وفي مؤتمر صحفي قال لنا الشيخ إنه سُئل في منتصف السبعينيات في ألمانيا عن زواج بنات المسلمين الذين يخافون على بناتهم من الفتنة والانحراف وأنه أفتى بجواز زواج الشاب المسلم من الشابة المسلمة، على أن تسكن في بيت أبيها لفترة، يتردد فيها الشاب على زوجته ليقضيا وطرهما ويشبعان رغبتهما بالحلال إلى أن تتحسن ظروفهما ويستقلان ببيتهما الخاص، وهي فتوى تدعو للتيسير، ولا تفكر بالعواقب كالحمل والولادة والخلفة، ومدى تقبل أهل الفتاة أن تعيش ابنتهم معهم هي وأولادها وزوجها.
تلك خلاصة الفكرة التي نبشها الشيخ من كومة أوراقه ليضعها ضمن أجندته لشغل الناس. وقد نجح.
وفي العام 2006 كانت الصحف الدنمركية تنشر كاريكاتيرا للرسام فيستر غورد فيها إساءة بالغة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، فهاج ضمير أمة الإسلام، وتأججت المشاعر احتجاجاً على تلك الإساءة القاسية، وكان بين من فاضت مشاعرهم بالأسى الصحفي محمد الأسعدي، رئيس تحرير صحيفة “يمن أوبزرفر” الناطقة بالإنجليزية، وربما كان هو الصحفي العربي الوحيد الذي حاول الاتصال مراراً برئيس الوزراء الدنمركي ليسأله عن موقف بلاده من تلك الرسوم المسيئة، وبحسن نية وسوء تقدير، أعاد الأسعدي نشر بعض الرسوم عبر صحيفته، ليطلع الناس على همجية الفعل الذي أقدم عليه الرسام، ليجد نفسه في اليوم التالي وسط محرقة “التكفير” بتهمة الإساءة للنبي الكريم، وزاد في الهجمة ضد “الأسعدي” أن صحيفته ناطقة بالإنجليزية ولدى “الزنداني” حساسية شديدة من كل ما يتصل بالغرب، حتى اللغة، وأيضاً وجد “الشيخ” الفرصة مواتية للعودة إلى مركز الدائرة، وصنع أولوية جديدة قابلة للتصدير، فقرر رفع دعوة احتساب لدى القضاء، وطالب بجمع أموال لتكاليف المحاماة والمرافعة، واستطاع جمع ستة ملايين ريال من خلال محاضرة واحدة في جامع الجامعة وسط صنعاء، وأودع الصحفي الأسعدي السجن قرابة شهر، ثم أُفرج عنه بعد إسقاط القضاء لدعوة الاحتساب.
وعندما كان الشيخ الزنداني يخطب وسط ميدان السبعين مندداً بالرسوم الدنمركية، ومطالباً بمحاكمة من أعادوا نشرها، كان على مقربة منه قرابة 1500 مواطن من أصحاب الدراجات النارية يتظاهرون لمنعهم من العمل وسط العاصمة، وهو ما يعني الحكم على 1500 أسرة بالموت جوعاً وفقراً، لكن “الشيخ” لم يلتفت إليهم؛ لسببين: الأول: حتى لا يدخل في صدام مع الحكومة، وذاك أمر بالنسبة له غير محبذ، في ظل ضغوط دولية لتسليمه بتهمة الإرهاب. والسبب الآخر: أن عدسات الكاميرا غير متوفرة في مظاهرة سائقي الدراجات، والشيخ الزنداني رجل يلهث وراء الكاميرا كما يلهث الفقير وراء الرزق.
وحاصرته بعد ذلك تهمة الإرهاب مرة أخرى، واضطرته إلى إعلان موقف مؤيد للرئيس صالح في الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2006، خلافاً لحزبه الإصلاح الذي يترأس مجلس شوراه.
جملة مواقف “الشيخ” الدينية في أغلبها متشددة، خاصة موقفه من المشاركة السياسية للمرأة. وحين تغيب المواقف الصادقة عند رجال السياسة والفكر نجدها أحياناً تتجلى في لحن موسيقار، أو ريشة رسام. ويمكنني الاستشهاد هنا بكاريكاتير نشرته “الثقافية” للرسام المبدع رشاد السامعي، إذ يجسد حال فتاة متعلمة تسأل أحد الشيوخ عن دور المرأة في الانتخابات، فيرد عليها: “دوركن مهم، واحنا راكنين عليكن تعملين كعك لأعضاء اللجان”!!
وذاك كاريكاتير يجسد موقف كثير من رجال القبيلة والدين تجاه المرأة، وهي مواقف لن يكون آخرها المشادات الكلامية بين القائم بأعمال رئيس حزب الإصلاح محمد اليدومي والشيخ الزنداني منتصف الشهر الجاري حين رفض الأخير إنشاء حزبه دائرة لشؤون المرأة، وأصر الأول على إنشاء الدائرة. وقد كان.
وهي ليست سابقة في سيرة “الشيخ”، إذ سبق له في المؤتمر العام الثاني لحزبه دخول المرأة إلى مجلس الشورى الذي كان يترأسه.
وبالعطف على تلك المواقف مضافاً إليها موقف الغرب من “الشيخ”، مقابل تقديم الإصلاح لنفسه محلياً ودولياً على أنه حزب إسلامي ديمقراطي معتدل النهج، يقبل بالآخر شريكاً، ويتفهم مصالح الغرب، كل ذلك دفع القادة “الليبراليون” داخل الحزب إلى التخلص من “شيخهم”، بركله إلى أعلى وإخراجه من رئاسة مجلس الشورى، ليملأ أحد المقاعد الشاغرة في الأمانة العامة للحزب.
غير أن “الشيخ” الممتلئ بالحيوية والجاذبية والذكاء الحاد، والقدرة الفائقة على الإقناع والحوار، وحشد الجماهير، فاجأ الجميع بعودته مجدداً إلى مركز الدائرة، بالفكرة نفسها: أجندة جديدة تشغل الناس، وتظهر مكانته الكبيرة. ومن غير مقدمات أعلن ومعه العشرات من رجال الدين والقبيلة، في منتصف يوليو الماضي، تنظيم الملتقى الأول لـ”هيئة الفضيلة”، تحت شعار “حتى لا تغرق السفينة”. وحدد وظيفة “الهيئة” بالدفاع عن مكارم الأخلاق، ومحاربة الرذيلة، والحد من انتشار الفجور من سُكر وزنا واختلاط وتبرج ومجاهرة بالمعاصي. وأفصحت الهيئة عن استيائها من القادمين من دول الخليج –رجالاً ونساء- لقضاء “وطرهم” في اليمن، باعتبارها غرفة نومهم الدافئة والآمنة، فقامت قيامة المثقفين والإعلاميين والسياسيين حتى من أبناء حزبه، وأدانوا فكرة “الشيخ”، لأنها في أبسط معانيها تعني اغتيال مستقبل حزبه، ومستقبل الحريات عموماً، وتضع شكوكاً حول مدى ديمقراطيته، فضلاً عن كونها تسعى إلى تعطيل مؤسسات الدولة، التي من واجبها أن تقوم بكل ما تريد “الهيئة” القيام به.
ومنذ ذلك الوقت و”الزنداني” يبحث عن قضية يملأ بها حياة الناس ويصنع أجندتهم، ويمتطيها هو للعودة إلى مركز دائرة الاهتمام والضوء، إلا أن الأيام بخلت عليه بقضية يتبناها ويتصدر زعامتها. فقضية المهجرين من قرى “الجعاشن” بمحافظة إب هرباً من ظلم شيخهم قضية صغيرة ويمكن أن تُحل. وقضايا حقوق الإنسان: حمدان درسي، وأنيسة الشعيبي، والسجناء المعسرين… وغيرها، قضايا فردية لا تليق برجل اعتاد الحضور وسط الأضواء وبصحبة الكاميرات ومكبرات الصوت. وقضية الشعب الفلسطيني وغزة تحديداً موسمية تخمد مع توقف العدوان… ووسط البحث سقطت عليه هبة السماء مرة أخرى، فقد قرر البرلمان تحديد سن قانونية لزواج الفتاة.
وهي قضية كثر اللغط حولها تحت قبة البرلمان وخارجها، وتعددت الآراء فيها بين حقوق الإنسان والتجني على الفتاة عند زواجها بسن قاصرة، لعدم أهليتها للحمل وأعباء الزوجية والأولاد والتكيف الأسري في سن الطفولة، ورأي آخر يستند لحديث “مرسلـ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله وعمرها ثماني سنوات ودخل عليها وعمرها تسع سنوات، وتزعم حملة المؤيدين لزواج القاصرات البرلماني الشيخ محمد الحزمي، وبين مؤيد للتحديد ب18 سنة ومؤيد ل15 تدخل النائب الإصلاحي الدكتور صالح السنباني بحل وسط وتحديد سن زواج الفتاة ب17 عاماً، وتم التصويت على ذلك، ووسط الهدوء النسبي فاجأ الشيخ الزنداني الجميع بدخوله، السبت الماضي، إلى البرلمان، واتجه بصحبة 50 عالماً دينياً إلى مكتب رئيس البرلمان يطالب بتحديد سن زواج ب15 سنة، وذلك برأيه يحفظ الفتاة من “الفتنة والانحلالـ”.
وأعتقد أن ثمة شيئا خطيرا، مريرا، تؤكده هذه القضية، هو مدى هشاشة هذا البرلمان الذي تغيب عنه جل قضايا الناس، ويتفرغ للجدل في قضايا جزئية يعجز عن حسمها.
وأريد هنا أن أتوقف عند أمرين: الأول: كيف لرجل عاقل مثل الدكتور السنباني أن يسكت عن أمر كهذا وهو الذي يحمل درجة الدكتوراه في علم النفس التربوي من بريطانيا، ويعرف أكثر من أي نائب آخر كيف تكون نفس الفتاة بهذا السن وهي تُعامل على أنها زوجة وربة بيت وبعد سنة ستكون أمّاً، وهي التي لا تزال تفتقر للحنان ولأشياء الطفولة!؟ أليس هذا اغتيال للطفولة، وقتل للمستقبل؟!
الأمر الآخر يتعلق بالشيخ الجليل عبدالمجيد الزنداني، فالرجل الذي لم يكمل سنته الثالثة في كلية الصيدلة بجامعة القاهرة منتصف الخمسينيات، يمتلك معرفة علمية واسعة، خاصة في مجال “علم الأجنة”، وقد طلب منه بروفيسور أمريكي وآخر سويدي أن يكتب مقدمة لكتبهما عن “الأجنة”، فكيف يغيب عنه الآن حال فتاة في ال15 من العمر والجنين يتشكل في أحشائها، وكيف لحوضها أن يحمل إنسانا بداخله، وكيف تكون نفسيتها في أطوار الحمل التي يؤكد العلم أنها تتغير بمقدار 180 درجة!؟
وللشيخ الوقور أن يدع تصدير الأجندة الآن وعدم التفكير بالحضور وسط الأضواء وتحت عدسات الكاميرا، ويتخيل المشهد التالي: فتاة تزوجت -كما أراد- في سن ال15، ولعدد من الأسباب أبسطها عدم قدرتها على إدارة شؤون البيت واحتواء الزوج انفصلت عن زوجها بعد ستة أشهر من الزواج، هنا ستخرج إلى المجتمع فتاة عمرها 15 عاما ونصف تعرف كل تفاصيل العملية الجنسية من “… و… و…”، وبعد سنة ونصف ستصل سن 17 سنة وتدخل مرحلة المراهقة بخبرة كافية، وذاكرة محملة بكل التفاصيل الجنسية، ألن يقودها هذا إلى الانحلال بعينه، أم على ولي الأمر أن يشتغل “عامل مطافي” ويبحث لابنته عن أقرب زوج، خاصة ونحن في مجتمع ينظر إلى المرأة المطلقة بعين الريبة والشك والانتقاص!!؟
[email protected]