حراك الجنوب بين الفاعلين السياسيين الكبار واستحقاقات أمام قضيته الوطنية والإنقاذ الوطني لليمن – عبدالواحد المرادي

حراك الجنوب بين الفاعلين السياسيين الكبار واستحقاقات أمام قضيته الوطنية والإنقاذ الوطني لليمن – عبدالواحد المرادي

 الفاعل السياسي الاكبر والحاسم في إعاقة السلطة عن تنفيذ قرارها المنفرد بتنفيذ «انتخابات» في ابريل 2009 كاذبة مزورة كعادتها في الواقع وفق قراءتي الشخصية، وما «جنب اليمن حالة كارثية اخرى» كما قال البعض، هو حراك الجنوب، الذي أغلق أمام عبث السلطة «السياسي الانتخابي» ساحة الجنوب سياسياً ومعنوياً بصورة شبه كاملة، أثناء تحضيرها (للانتخابات) في مرحلة القيد والتسجيل والتأسيس، وأظهر حجم وعمق القطيعة بين الشعب في الجنوب وبين سلطة القوة والعدوان والانقسام في صنعاء، وبدد أوهام السلطة عن «نجاحاتها ومكاسبها» من استراتيجية «العين الحمراء» والقبضة الحديد خصوصاً لربيع وصيف 2008، بدمائها ودموعها وإرهابها وانقساماتها.. ومنذ تلك اللحظة لا شك انها ادركت خطأ حساباتها وتهورها في قراءة خاطئة بعمق لأوضاع البلاد وللجنوب بالذات حينما غدرت ايضاً بحسني النوايا في المشترك وجحدت تقديماتهم وتنازلاتهم في صيف العام الماضي، واضطرت لمواجهة الضربة الاضطرارية الموجعة التي وجهها لها حراك الجنوب السلمي منفردة بلا ثان ولا حتى مشارك منافس له في طريق الاوهام الانتخابية يقول لأهل الجنوب مثل: لا أيهاالاخوة، الانتخابات تعنيكم وسنكون معاً (لنصرة القضية الجنوبية عبر معركة سياسية انتخابية ضد سلطة القهر والاستبداد والفساد والانقسام)، ويتحدث لغة ودية أخوية تحالفية وطنية، ولكن عن أوهام انتخابية ضارة بقضية الجنوب وأظنها نادمة على صنيعها المغرور ذلك.
حراك الجنوب السياسي الوطني السلمي حقق نصراً سياسياً ومعنوياً كبيراً ليس بالنقاط فقط بل يبدو كأنه «بالضربة القاضية»، فأبطل «الانتخابات» في الجنوب عملياً من المنبع ومنذ لحظة انطلاقها.. وجعل إجراءها بعد ذلك في الشطر الآخر لا معنى له في يمن موحد كما يقال.
ثم إنه أنزل السلطة الحاكمة أو زحزحها على الاقل من موقعها الذي أرادته واعتادت عليه: المقرر الوحيد بل الأوحد في يمن أحادي القطبية منذ حرب 94 الضالمة الغادرة وقوى المشترك في تمنعه واشتراطاته.. وأثبت حضور حراك الجنوب كقوة سياسية فاعلة مقررة لا يمكن تجاوزها في الحالة الوطنية اليمنية القائمة إذا أريد لليمن أن يستقر ويتعافى ويتصالح وطنياً جدياً ويستعيد وحدته.. وبالتالي فإن الاهداف السياسية الوطني التي توخاها واستهدفها حراك الجنوب من استعداداته لإبطال «انتخابات» السلطة لابريل 2009 عملياً في الواقع السياسي الوطني يبدو أنه حققها في مرحلتها الاولى بصورة شبه كاملة.. وأبطل بالمقابل كل اهداف السلطة الدعائية السياسية الالتفافية من «الانتخابات» في الجنوب وجزئياً في الشمال، وخاصة تلك المتوهمة ضد حراك الجنوب، مثل تصوير وحدة يمنية كأنها قائمة دون انقاسم أساسي عميق، أو أنه برغم ذلك فإن الشعب في الجنوب لايزال يراهن على حلول سياسية لقضيته ضمن شرعية السلطة القائمة ودولتها ونظامها السياسي! أو لمحاولة إنتاج شرعية سياسية مزعومة لها في الجنوب غير شرعية القوة والعدوان التي تحوزها بوضوح يدل عليها اليوم بعد الحرب والغزو والنهب والالغاء والانقسام تواصل القتل وسفك الدماء والارهاب والانتشار العسكري الثقيل الذي لم يألفه الجنوب حتى ايام الاستعمار البريطاني في ذروة أحداث ثورة 14 اكتوبر الوطنية اليمنية المجيدة، وهو لم يكن نصراً «بلا حرب أو معركة سياسية كبيرة» امتدت قرابة شهر وقد قدم الشعب وحراكه السياسي السلمي في الجنوب تضحيات كبيرة لتحقيق ذلك بصرف النظر عن كون المشهد لم يكن في بؤرة ومجهر وذروة اهتمام سياسي واعلامي دولي وعربي لكنه لم يكن في ظلام بل كفاح مشهود ولكن في ضوء غير ساطع بسبب ظروف الحالة السياسية حينها.
ومع حفظ الألقاب والمكانات والاوزان فإن دور المشترك في إعاقة سلطة القوة عن الذهاب المنفرد إلى انتخابات في ابريل 2009، يأتي في تقديري في المرتبة الاساسية الثانية.
صحيح أنه أسهم في تعزيز وحدة الموقف بين صفوف الشعب في الجنوب وأوجد مستوى من وحدة موقف بينه وبين اقسام واسعة من الشعب والقوى السياسية في الشمال مع اهل الجنوب في الموقف من «انتخابات» 2009، وأسهم في إغلاق مساحات واسعة من البلاد والمجتمع في الشمال بعد الجنوب أمام السلطة وإن بدوافع وأسباب ليست متطابقة مع أهل الجنوب في هذه المرحلة وكسر العادة وشبه القاعدة التي كان عليها المشترك والمعارضة من قبل يلحقون بالسلطة تابعين في كل زفة انتخابية مثقلين بأحلام وأمان لا يتحقق منها شيء ذي بال بقدر ما تتحقق الحالة الديكورية مرة أخرى أمام الخارج والداخل، تسهم في قهر ضحايا نهج القوة والقهر والانقسام في البلاد وبالذات ضحايا هدم الوحدة اليمنية السلمية وشراكتها الوطنية في الجنوب.. وقد فوجئت السلطة بذلك بمستوى هام، واسهم تحذير المشترك من أنه سيعتبر اجراء انتخابات غير متوافق على تحضيرها وبدون مشاركته في اضافة شيء إلى الدلالات الحالة الانقسامية الفاقدة للشرعية الوطنية جراء أن الجنوب خارج الحالة الديكورية للانتخابات يفقد سلطة القوة كل شرعية أخرى غير شرعية القوة والغزو والانقسام الوطني.
ولكن لا يجب نسيان انه حتى لو كانت السلطة تصرفت بواقعية وذكاء، مدركة أنها لم تعد صاحبة القرار الوحيد في البلاد، وهو إدراك كانت تفتقده وماتزال حتى اكتوبر وشتاء العام الماضي وتقاربت للأوهام الانتخابية للمشترك ليصلا إلى تحضيرات متوافق عليها بينهما حتى بما فيها القائمة النسبية جزئية أو كلية وحسنت البيئة السياسية للانتخابات، فإن ذلك لم يكن يعني أن الانتخابات ستجري بحد أدنى من النجاح في الجنوب، إذ أن ذلك مستحيلاً كان ولا يزال بدون اتفاق سياسي وطني مع حراك الجنوب حول قضية الجنوب الوطنية واصلاح وتغيير هيكلي جوهري في بنية الوحدة والدولة وسلطة القانون فيها وطبيعتها الوطنية وشراكة الجنوب الوطنية السيدة المؤسسة فيها وضمانات ذلك.
وجاء تأجيل «الانتخابات» عامين «وتجنيب اليمن كارثة اخرى» كما يرى البعض وادخال قضية «تطوير النظام السياسي» ليعني دلالات من سلطة القوة والانقسام ومن المعارضة الوطنية الرسمية المعترف بها المشترك.. بأن النظام السياسي القائم و«شبه الدولة» لا يمكن اصلاحهما من داخلهما وأنه لا بد من جراحة سياسية حقوقية ودستورية متوافق عليها وتغيرهما من خارجهما.. وهنا دور وفرصة سياسية وطنية كبيرة لحركة الجنوب الفاعل الكبير في ذلك وطرفا التأجيل المعلنان يعرفان في تقديري ذلك الفاعل وأن لم يتحدثا عنه، وفي رأيي أن المشترك يجب عليه ومفيد وضروري له وللبلاد إن يتحدث عنه، وعن ضرورة سياسية وطنية لحضوره منذ الآن الحوار السياسي لمعالجة القضايا المتفق على الحوار حولها مع السلطة خلال فترة تأجيل الانتخابات لتحقيق حلول سياسية وطنية جوهرية بنيوية.. ولا شك في أن السلطة ستعدم الواقعية وستزيد خسائرها وتتعمق إن هي رفضت ذلك رغم ضغوط وانكار ورفض مؤقت ومساع لاختراقات وتفكيك وإضعاف قوى الحراك السياسي الجنوبي والسعي للنيل منها يبقى متوقعاً من السلطة وفق العقلية الامنية الانقسامية العدوانية المعتادة حتى آخر لحظة.
وإذا كان الامر كذلك وهو كذلك من وجهة نظري فإن هذا الفاعل يجب أن يحقق حضوراً في الحوار السياسي يستحقه ويليق بمكانة واستحقاقات قضيته الوطنية الكبرى التي هي ذات اسمين ووجهين من وجهة نظري هما القضية الجنوبية، وحالة الوحدة اليمنية المهدومة المغدورة ومشروعها الوطني معها، ثم بمكانة الحراك السياسي الوطني السلمي اليمني الجنوبي ودوره في الحدث وفي حياة اليمن كلها، وليطرح حلوله السياسية الوطنية لهذه القضية ولمعالجات نتائج حرب 94 الظالمة وغزوها للجنوب ولإعادة بناء دولة وحدة يمنية أخرى بديلة كدولة قانون ومؤسسات وطنية يمنية مدنية سلمية ديمقراطية ولا مركزية بشراكة وطنية سيدة مضمونة للشعب المغدور في الجنوب مؤسسة على خبرات الحالة المدمرة القائمة، ويطرحها بوضوح وعقل ورشد ومسؤولية وشجاعة من على منبر الحوار السياسي وأمام الشعب اليمني كله. وإذا لم يحضر لا سمح الله بإرادته سيعطي فرصة لمن يريدون تغييبه والحديث نيابة عنه وربما إضعاف قضيته. والمنطقي والطبيعي والصحيح أن صاحب القضية وفاعلها وذا الحضور في إنجازها الكبير سابق الإشارة هو الذي يجب أن يحضر ويثبت وجوده الفاعل بين الشركاء الفاعلين السياسيين الآخرين دون تأخير من وجهة نظري. ويمكن لوفد حراك الجنوب وقضيته ألا يدخل في أي حديث عن «انتخابات» قبل الاتفاق على حلول سياسية حقوقية دستورية وطنية لقضية الجنوب مقنعة تحملها بنية دولة شراكة وطنية مؤسسية قانونية مدنية ديمقراطية لا مركزية محددة الملامح وبديلة مضمونة. ويمكن أن يشترط ألاَّ تجري انتخابات في الجنوب قبل تحقيق الاتفاق حول قضية الجنوب وحلولها المشار إليها تحقيقاً جدياً ملموساً في الواقع، واقع الجنوب وواقع وحدة يمنية بديلة ودولتها الموحدة اليمنية العاملة البديلة والتأسيس لإنقاذ وطني يمني حقيقي جامع… وكذلك هو الحال في المناسبة الوطنية الهامة التي يعد لها اللقاء المشترك والمتعلقة بالتشاور الوطني بل وفي كل حدث سياسي يمني كبير، اضافة إلى مواصلة فعاليات الحراك والكفاح السياسي السلمي في الجنوب دون انقطاع على مختلف الصعد والمناسبات وتوحيده تنظيمياً وسياسياً بفعالية وصبر وانفتاح على الجميع والاعتبار من التجربة السابقة.
وإما إنجازات وحلول سياسية وطنية إنقاذية متوافق عليها معلنة يرضى عنها الشعب في الجنوب بالذات وبعد ذلك توفر لها المزيد من الضمانات، وإما تأسيسات كبرى للمعالجات وتحالفات سياسية وطنية بمستواها في اليمن كلها بعد أن يظهر الاطراف حقائقهم ورؤاهم والتزاماتهم، أو تستخرج وتستخلص بعد ذلك أي استخلاصات ونتائج من الحياة الواقعية أمام كل المجتمع اليمني ذي الوعي والرشد وأمام بصائر أهل الاقليم والعرب والعالم.
وعليه أكرر قراءتي وافتراضي ونصحي المتواضع لحراك الجنوب الوطني السلمي العظيم أن يعد نفسه ايضاً للحوار السياسي وللحلول السياسية الوطنية اليمنية المسؤولة التي تخرج الشعب في الجنوب من موقع الضحية إلى موقع الشريك الوطني السيد.. فهذا استحقاق وهو مسؤولية وواجب وطني وحراك الجنوب السياسي الوطني بها جدير والشعب سنده.
والله الموفق