قعر البرميل…!! – د. تيسير محمد

قعر البرميل…!! – د. تيسير محمد

ذات ربيع أُخضعت لعملية جراحية استدعت حقني بعقار الكيتمين المصنف طبياً كمخدر. أعراضه الانسحابية هواجس وهلوسة تعتري المريض قبيل الإفاقة، تُخزن في الذاكرة كتماهيات سينارست مبتور يستدعي حبكة فنية وإعادة صياغة حدث يُثرى بالطرافة ويُطعم بإيماءات لواقع نقرؤه بتباين المنهل؛ وردناه وملأنا منه جرارنا. وهو ما تأتى لي أو خلتُ أني وُفقت بحياكة تراجيديا نسر اختطفني من غرفة الإفاقة إلى قاع برميل، تقتضي عجائبه أن أقصصها:
نسر يلوح في السماء، عظيم الجرم يحجب الضياء، ذُعر الناس لمرآه وفزعت الدواب وتراكضت هنا وهناك، فداست ما داست ودهس الناس الناس، ومات من مات. وكشهابُ ثاقب هوى النسر وانتشلني بمخلبيه وقفل يحوّم في السماء عارجاً بي إلى مسار رأيت منه الأرض كرأس دبوس؟ ولأمرٍ جلل لا أعيه، أرخى النسر الكُلاّب فاندلقت أحوّم كالقشة وأتدحرج في الفضاء لأرتطم ُ في قعر برميل!
أفقت من وقع ارتطام عظيم بلغ سبع درجات على مقياس رختر! أدانه مجلس الأمن الدولي ملوحاً بحصار من الدرجة الأولى إن عاودت اليمن تجاربها النووية! أخذت أتحسس قعر البرميل بلمسات رعشى وقلب يوجف رعباً، فتكشف لي أني إزاء قعر مُطفح بدهاليز وسراديب عجيبة. حوقلت وتعوذت وتلوت آيات صوارف النائبات، وولجت سردابا يقبع يمناي، ولم يغفلني آداب الدخول فأسبقت يسراها يمناها قياساً وترجيحاً، فأنت والج سردابا معتما موجلا، فإن الشياطين قد تتخذه مستقرا.
غشيته فصفع عيني ضوء شاحب ينبعث من سراج يتراقص نوره. أطرفت بعيني إطراقات عدة، فلاح لي خيال شيخ منكفئ على صحيفة تتدلى من على تختة متهالكة، ألقيته السلام فلم أتلقَّ منه إلا صمت ولما يتوثب بالتفاتة تبدد وحشة السرداب.
عجبت لشأنه فدنوت منه وأمعنته النظر وحدجت ملياً صحيفته فحزرته.. قاضي سُحت ينقب عن رزق له بين ثنايا حروفها، ينقط هذا ويمحو ذاك، دعته وما يقترفه غير مكترث لرمقات ندت من عينين مفعمتين بمكر الذئاب، ورحت أجرجر نفسي إلى دهليز لصق سرداب قاضي السحت.
دلفته فأصم أذني هدير آلات يفوح منها زفر مقيئ.. أفقت مشدوه أرقبها فألفيت عمالا يجوسون خلالها بأسمال رثة سحناتهم تفصح أن ربيع سنونهم سلخوها وسط آلات تنضح زنخا يقطر في علب من ورق. مددت يدي لواحدتها وعمدت أخمد لظى سبخ يلسعني، وما إن سكنت رشفات الصديد معدتي لينتابني إسهال شيطاني أحمر وقيء ضار استفرغ أحشائي، فأخذت أتلوى كالأفعى وأتفرقع كالبارود.
رثى عمال مصنع الزحار لحالي، فحملوني إلى مرحاض وناولوني خلسة علبتي شامبو وصابون مسحوق. ضمخت رأسي بالشامبو فانسل شعري كريش عصفور اُسطل بماء ثائر، وفسّخ الصابون أصباغ أسمالي وابيضت كالبرص، وشرعت أهرش جسدي ككلب أجرب.
غادرت المكان حبواً أجتر ذيل طويييل مما تلفظه بقايا الأحشاء، يتوج رأسي صلع مزر وجلد نازف عرشت فيه قُرادة الجرب، وطرقت دهليز أفضى بي إلى سرداب بابه موصد.
وضعت عيني على خرم الكالون، أخذت أجيل ناضري مستطلع جوفه. أجدته بهواً فسيحا نيّرا متخما بأثاث رُتبت على نسق بديع، تتصدره طالولة صقيلة من خشب الابنوس، يحفها جمع ببزات رسمية سيماء النعمة تلتظي من وُجوههم،عيونهم تشاغلت بسِرب قطط حاذت أقدامهم تموء بصوت مبحوح ملحاح محركة أذنابها بدلال. توسعت حدقتا عيني، راعتهما غرابة مشهد زايله إلقاء أقفاص خشبية، تعاركت عليها وذوت مُنسلة خارج القاعة تحمل بفيها تلك الصناديق، ويرنو صمت بدده صوت جهوري آمر: لنبدأ الاجتماع.
قاومت احتدادا متحشرجا أرددته لجوف خاو، وطفقت أغالب جسداً مبطونا وأجتر قدمي أفضت بي إلى مقصورة تناهى منها إلى مسمعي ترانيم جنائزية، سرت فيّ ضربا من الرعشة وهالة من التقديس، وأطللت برأسي من نافذتها فتجلى لي جلالة مكان مخنوق بأبخرة مواقد يطوف بها فتية يرتدون “الخاكي” وينتعلون أحذية مديدة سوداء، وقد تولى الترانيم رجال مهلهلو الثياب مصفدون! يرنون إلى جسد مسجى ما دون الثديين، وكانا لأنثى وميض عينيها لما يُهمد، وما عتم قبس نوراني يلتظي من شفتين ورديتين خلتهما تفتران لي، فعمدت أحشر جسدي أبتغي احتضان المسجى وتقبيله. فاستشعرت بيد خشنة تسقط على ظهري، استدرت لها مذعوراً، فتلقفني ثلة عسكر ساقوني (بدلقات عجلى) إلى حضرة قاض تشرفت بلقياه في قعر البرميل!