الهاوية… وسؤال الأخلاق لدى النخبة – د. همدان دماج

الهاوية… وسؤال الأخلاق لدى النخبة – د. همدان دماج

يكبر سؤال الأخلاق في حياتنا السياسية والاجتماعية العامة يوماً بعد يوم. وهو سؤال قديم متجدد يزداد إلحاحاً كلما اصطدمنا بواقع شديد الترهل ومستقبل غير واضح. ولأن “الأمم الأخلاق” كما قال شاعرنا الكبير أحمد شوقي، ولأننا عادة ما نتخذ من مثل هذه المقولات وسيلة للتباهي الثقافي أكثر من كونها حقائق تعكس وعياً حاضراً، يصبح الحديث عن الأمة اليمنية –إذا صح الوصف- وعن أخلاقها المعاصرة وغيابها ذا شجون ومرارة وآلام. وتزداد المرارة قسوة عندما نتأمل الأخلاقيات اليومية للنخبة المتعلمة والمثقفة، خاصة أولئك الذين أصبحوا -رغم أنوفنا- رموزاً للمشروع الحداثي التقدمي المعاصر، أو ما تبقى منه.
فكيف نفهم موقف ذلك المناضل الوطني المعروف، صاحب المواقف الجسورة في الحركة الوطنية، وهو يحث ابنه على تزوير نتائجه ودفع الرشوة المطلوبة للحصول على مستندات مفبركة تؤهله للحصول على منحة دراسية أو درجة وظيفية لا يستحقها!!؟
وكيف نشد على يد شاعرٍ كبير، كتب قصائد عظيمة عن حرية المرأة وتحررها وهو الذي يُرغم بناته على لبس النقاب والزواج كرهاً حسب التقاليد، بل وهو الذي بدأ يضرب “أم العيالـ” (زوجته) بعد عمر طويل، ويشكو للآخرين من عدم قدرتها على فهمه، ثم يتفاخر أمام أقرانه بزوجته الجديدة صغيرة السن، ويتبادل معهم بعض النكات البذيئة!!؟ ألا يحق لنا أن نتساءل كيف يصفق حشد كبير اجتمع لينصت لإبداع هذا الشاعر وهو يلوك قصائده المدافعة عن حقوق المرأة!!؟ ويا ترى كم من هؤلاء الذي يصفقون يضربون زوجاتهم أيضاً!!؟
وكيف نفهم موقف قانوني بارز وأكاديمي كبير تتصدر صورته الصفحات الأولى لصحف المعارضة مدافعاً عن الحريات العامة وحقوق المواطنين ضد فساد الحكومة والقائمين عليها، ثم لا يمانع مطلقاً من ضم اسمه في كشوف مالية لا يعلم عنها شيئا، ويتسابق للحصول على شرف الدفاع عن تاجر كبير ضد متنفذين في الدولة اختلف هذا التاجر معهم على أجرهم مقابل تسهيلات مشبوهة لإحدى الصفقات!؟
وكيف يشعر ذلك النقابي العريق والكاتب المشهور وقد احتال على زملائه في العمل واستطاع الحصول على مستحقاته من بدل السفر قبلهم، ثم استطاع أيضاً، وبفهلوية عالية، أن يدرج اسمه ضمن وفد سيشارك في مهرجان كبير في دول الجوار، بعد أن شطب اسم زميل نقابي آخر!؟
وماذا عن صاحب تلك الشخصية الوطنية والفكرية المحترمة والمعروفة بمواقفها الصلبة غير المهادنة للسلطة والتي تعرضت للسجن أكثر من مرة بسبب مواقفها المبدئية، وهو يقبل بكل ترحاب الذهاب إلى “حفل تكريم” أقامته على شرفه جمعية غير وطنية، طائفية ومحتالة، ظل كثيراً ينبه الآخرين لخطورتها وأهمية محاربة مشروعها المدمر، ناقداً بكل قسوة المتهافتين على حضور فعالياتها المريبة!؟
وماذا عسانا نقول أيضاً عن ضابط كبير ومحارب عنيد في صفوف قوات الثورة والجمهورية، وأحد قيادات تنظيم سري قديم وهو يسعى بكل جهد للحصول على صورة مدبلجة تجمعه بأحد قادة المعسكرات النافذين ليهديها إياه، متحفزاً لتصور ما يمكن أن يأمر له هذا القائد من معونات غذائية بعد ذلك!!؟
وماذا عن هذا المفكر المعاصر المشهور الذي يتحدث باستمرار ويُنظّر كثيراً عن العولمة وأهميتها في إزالة الحدود بين البشر، ثم لا يستطيع إخفاء مناطقيته الشرسة ضد “أصحاب مطلع”!!
أو ذلك التربوي المخضرم الذي عركته السنون، والذي سرعان ما ينقلب إلى وحش إنساني يتلذذ بالنميمة الكاذبة على زميلٍ وصديقٍ عزيز اختلف معه بالأمس على قضية تافهة، غير آبه لمقالاته الشهيرة عن الأصدقاء وأهمية الصداقة في حياة بني البشر!!؟
وكيف يشعر ذلك الشاب المتدين والمغلوب على أمره وهو يستمع إلى وعظ شيخه التنظيمي بأهمية الصبر والصيام وانتظار الفرج، ثم يُدعى لإحدى حلقات الدرس في الجامع لتقديم التهنئة لذلك الشيخ التنظيمي الذي تزوج من فتاة عمرها أربعة عشر عاماً وللمرة الرابعة!؟
وكيف نفهم ما يقوم به حداثي كبير يقترن اسمه بكل ما له علاقة بالمدنية والمجتمع المدني الفدرالي وهو يتحدث في “وقت الذروة” عن أهمية الاصطفاف الوطني خلف زعيم رجعي وقبلي عتيد معارض للسلطة ولكل شكل من أشكال المجتمع المدني… محذراً في الوقت نفسه من أي محاولة ذكية لشق صف “المعارضة المدنية الجديدة”!!؟
لم يكن هذا المقال محاولة لحصر التناقضات الأخلاقية لدى النخبة المثقفة في مجتمعنا اليمني المعاصر، والتي أصبحت -في غفلة من الزمن- شيئاً مألوفاً في مجتمعنا، نعايشها ونعايش أصحابها بكل ترحاب. فمن المؤكد أن الأمثلة عن مثل هذه التناقضات كثيرة ومتعددة. لكنني سعيت فقط أن أشير إلى أهمية أن نقف أمام هذه التناقضات بالقوة نفسها التي نقف بها أمام الفساد الحكومي والخلل الأخلاقي الرسمي الذي نعيشه كل يوم، وأن يحظى سؤال الأخلاق عند هذه النخبة بالنقاش والسعي لبلورة مواقف إيجابية وواضحة إزاءها. فالوسط المثقف المتعلم (الذي يقرأ هذه المقالة) هو المسؤول الأول عن هذه التناقضات ومشاركته في صنعها، إلى جانب مسؤوليته عن الأخلاقيات المتدهورة للعامة الذين تلتقي بهم في الشوارع وأسواق القات وأماكن العمل والعبادة، وفي كل مكان، حيث تخلط هذه التناقضات الحابل بالنابل، أصحاب البدلات وأصحاب الجنابي، أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، أصحاب الكروش وأصحاب الأجساد النحيلة، الذكور والإناث، الخريجين والعمال، المدنيين والعساكر، المرضى والمرافقين… الخ، ليكوّنوا في الأخير كتلةً لحميةً واحدة، غير متسقة الملامح لكائن يماني ضعيف مشوه يسير بإصرار نحو الهاوية!!!