متفرغ للقتل والجميع متفرغ لتبرئته – نبيل سبيع

متفرغ للقتل والجميع متفرغ لتبرئته – نبيل سبيع

قاتلُ العيلوم اليهودي الشاب «ماشا النهاري» (29 عاماً) هو قاتل سابق قتل زوجته في منزله عام 2005 وأخرجه حكم محكمة قبلية من جريمته دون عقاب. والباب الذي اخرجه منه ذلك الحكم هو نفسه الذي أخرجه منه حكم المحكمة الرسمية في جريمته الاخيرة يوم الاثنين الماضي، أي قبل 3 أيام فقط من حلول الذكرى الرابعة لصدور الحكم القبلي في جريمته المنزلية السابقة. فقد حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة بمحافظة «عمران» في 2 مارس الجاري، على الرائد طيار عبدالعزيز العبدي بدفع «الدية» لأسرة قتيله الجديد -المواطن اليهودي «ماشا»- وايداعه مصحة نفسية باعتباره مجنوناً. وفي 5 مارس 2006، قضى الحكم القبلي الذي اتخذ في منطقة قبيلة القاتل، أن يدفع الأخير وأسرته «دية» لأسرة القتيلة زوجته ودية أخرى لأولادها ووالدتها، وبَنَتْ المحكمة القبلية حكمها على اعتبار القاتل مجنوناً. وبين الحكمين، القبلي والرسمي، الكثير من التماثل والارتباط.
فهما قضيا بالحكم نفسه: دفع دية دون معاقبته بالسجن أو الاعدام. وهما انبنيا على نفس الإفادات الطبية التي قدمتها أسرة القاتل للمحكمتين -القبلية والرسمية- لإثبات أن ابنها مجنون تُرفع عنه العقوبة. وهكذا، أصبح لدينا جريمتا قتل مختلفتان ارتكبهما نفس القاتل وأخرجته منهما محكمتان مختلفتان بنفس الحكم تحت نفس الحجة (الجنون) وبناء على نفس الإفادات الطبية.
هناك 3 إفادات طبية، اثنتان منها صدرتا عن مستوصف خاص للأمراض النفسية في العاصمة صنعاء، والثالثة صدرت عن جهة غير مختصة: مركز الأم والطفل في مديرية «ريدة»، حيث وقعت جريمتا القتل وحيث يوجد آخر تجمع ليهود اليمن في البلاد. وأي من هذه الافادات لا يُعد تقريراً طبياً عند أية درجة، لكن المحكمة القبلية تعاملت معها على أنها تقارير طبية فيما تعاملت المحكمة الرسمية معها باعتبارها تقارير طبية أولية. غير أن هذا ليس الخرق الوحيد الذي ارتكبته المحكمتان في اسقاطهما العقوبة عن القاتل.
علاوة على تعاملهما مع إفادات طبية صادرة عن جهات غير ذات اختصاص باعتبارها تقارير طبية، زادت المحكمتان فوق ذلك، فبنيتا حكميهما على أمر لم يرد في أي من الإفادات المذكورة. هذا الأمر هو توصيف القاتل كـ«مختل عقليا». فالتقرير الأخير، الصادر عن اللجنة الطبية في النيابة العامة يوم 14 يناير الماضي، والذي انبنى عليه حكم الاثنين الماضي، اعتبر القاتل مختلاً عقلياً على ضوء الإفادات المذكورة، وهو ما يرفضه محامي أسرة «ماشا». يقول المحامي خالد الآنسي: «نحن نطعن في التقرير الطبي الأخير الذي بنى عليه القاضي حكمه. فهو اعتبر القاتل مختلاً عقلياً بناء على ما زعم أنه ورد في التقارير الطبية الأولية (الإفادات) التي قدمتها أسرة القاتل للمحكمة. بينما تقول هذه التقارير (الافادات) شيئاً آخر تماماً. تقول إن عبدالعزيز العبدي مريض نفسياً يعاني من اكتئاب نفسي نتيجة تناوله القات، وهذا لايعني أنه مجنون. اغلب اليمنيين يتناولون القات ومكتئبون نفسياً، فهل يعني هذا أنهم مجانين يستطيعون ارتكاب جرائم قتل عمداً دون عقوبة؟ العقوبة لا تسقط- في القانون والشريعة الاسلامية- سوى في حالات الجنون المطبق، أي عندما لا يستطيع الواحد التفريق بين الليل والنهار وبين يده اليمنى واليسرى. فكيف يسقط القاضي العقوبة عن قاتل ماشا، في حين يقول التقرير الطبي الأخير أنه مدرك لأفعاله وارتكب جريمته بناء على تخطيط مسبق؟».
 المحامي الآنسي اعتبر الحكم الصادر عن محكمة عمران فضيحة، لأنه قائم على ثقافة التمييز والمواطنة غير المتساوية بين اليمني المسلم واليمني اليهودي، بحسب قوله: «لقد واجهنا حالات مشابهة حكمت فيها المحاكم بإعدام القاتل لأن المجني عليه كان مسلماً. لكن، في حالة ماشا اختلف الأمر، لأنه يهودي».
التمييز ضد المواطنين اليهود في اليمن ليس أهم ماكشفه الحكم الصادر مؤخراً في قضية مقتل «ماشا»، إذ أن مسألة التمييز ثابتة ومعروفة. الخطير في هذا الحكم أنه يؤكد وجود استهداف رسمي للأقلية اليهودية باتجاه تهجيرها قسراً عن أرضها، بعد أن ذهبت جهود الدولة، متضافرة مع جهود المجتمع القبلي في «عمران»، في هذا الاتجاه. فقد حظي القاتل بحماية وتواطؤ مجتمعه المسلم، فضلاً عن رعاية وتواطؤ الدولة مع جريمة قتل «ماشا» التي فتحت باب تهجير آخر من تبقى من اليهود اليمنيين من البلاد على مصراعيه وحولته واقعاً وشيكاً.
صور رعاية الدولة لهذه الجريمة عديدة. من بينها تواطؤ إدارة أمن مديرية «ريدة» وإدارة أمن محافظة «عمران» على إبقاء الباب مفتوحاً أمام القاتل لارتكاب جريمته ضد «ماشا». فالمواطنون اليهود في «ريدة» أبلغوا إدارة أمن المديرية بتلقيهم تهديدات بالقتل من طرف القاتل قبل ارتكابه الجريمة. يقول الحاخام يحيى يعيش: «قمنا أكثر من مرة بإبلاغ مدير أمن ريدة بهذه التهديدات. وحتى القاتل نفسه بلغ مدير الأمن قبل الحادثة، لكنه لم يفعل شيئاً». وهذا ماقاله القاتل نفسه مراراً، فقد نقلت الصحافة عنه أنه قام بإبلاغ ادارة أمن «ريدة» ومحافظة «عمران» باعتزامه ارتكاب جرائم قتل ضد اليهود، مالم يقوموا بترحيلهم من البلاد. لكن أجهزة الأمن لم تقم بشيء للحؤول دون وقوع الجريمة، وهو ما يجعلها متورطة في ذلك.
في الواقع، يبدو دور إدارة أمن «عمران» و«ريدة» مناقضاً لما ينبغي أن يسير عليه. ففيما يفترض بهما ضبط المجرمين وتسليمهم للعدالة، تبدوان معنيتين أكثر بإخراجهم من جرائمهم دون عقوبة بعد أن تتركاهم يرتكبونها دون ردع. في جريمة القتل السابقة التي ارتكبها عبدالعزيز العبدي ضد زوجته، مثال جيد على هذا. فقد كان حينها مساعد مدير أمن «عمران» العقيد علي قاسم غمضان ضمن المحكمة القبلية التي أخرجت القاتل من جريمته دون عقوبة. وقد اتخذ الحكم القبلي في حضور مدير أمن «ريدة» الحالي الرائد أحمد المنيري. وفي الجريمة الأخيرة لنفس القاتل، لم يحضر أمن «عمران» و«ريدة» بصورة أخرى غير صورة المتواطئ والشريك مع القاتل: من خلال صمته عن التهديدات والبلاغات التي سبقت الجريمة. إن جميع من تورطوا في إخراج القاتل من جريمته السابقة مسؤولون عن جريمته الاخيرة، إضافة إلى مسؤوليتهم عن هذه الجريمة بمعزل عن سابقتها.
فجريمة القاتل عبدالعزيز العبدي ضد زوجته مرتبطة بجريمة ضد مواطنة اليهودي من عدة جوانب. من جانب تماثل الحكمين الصادرين فيهما كما من جانب التماثل بين التمييز في اليمن ضد المرأة والآخر الديني: اليهودي.
وبحضور القادة الأمنيين في الحكم القبلي الذي أخرج الرائد العبدي من جريمة قتله زوجته، تحضر رعاية الدولة لجريمته تلك. وتمتد هذه الرعاية إلى جريمته التالية ضد مواطنة اليهودي «ماشا النهار»، من حيث أخرجته من جريمته السابقة دون عقوبة ومن حيث صمتت عن تهديداته وبلاغات المواطنين اليهود قبل وقوع الجريمة التالية، وبقدرما يضيف الحكم الأخير تأكيداً على رعاية الدولة لجريمة قتل «ماشا»، فإن إخراج القاتل من هذه الجريمة دون عقوبة يعد بمثابة مؤشر قوي على إبقاء الباب مفتوحاً امامه لارتكاب جرائم أخرى.
[email protected]