لا قيمة لحياة الانسان اليمني حتى تكون هناك قيمة للتراث.. عفواً أروى.. شكراً أروى

لا قيمة لحياة الانسان اليمني حتى تكون هناك قيمة للتراث.. عفواً أروى.. شكراً أروى
النداء كتابات

لا قيمة لحياة الانسان اليمني حتى تكون هناك قيمة للتراث.. عفواً أروى.. شكراً أروى – عبدالكريم الخيواني

أرتبط أسمها بالتراث اليمني كما أرتبط أسم الزعيم ياسر عرفات بفلسطين.
جمعت الحكايات الشعبية، وأنشأت بيتاً للموروث الشعبي، وأعادت لـ«المدرهة» صوتها. دافعت عن التراث، وسعت دوماً للحفاظ عليه بمدخرات شخصية وجهد ذاتي، فكانت أكبر من وزارة، وأهم من هيئة. إنها الزميلة الباحثة والكاتية أروى عبده عثمان. بعد 20 عاماً من الجهد المتواصل صرخت أروى مطالبة بأن يتحمل الجميع مسئوليتهم للحفاظ على التراث اليمني، مناداة أروى ليست نابعة من تعب وأنما من خوف على ما جمعته من تراث ومن قلق أن يضيع ما احتواه بيت الموروث الشعبي الذي أستأجرته وتحلم الزميلة التي لا تملك منزلاً، بمنزل خاص للموروث الشعبي.
مخاوف مشروعه، وطموح متواضع، وحلم بسيط، لكنه يصدم بواقع فاسد لسلطة أباحت وأهدرت أثار وتراث شعب، إلى درجة أن اليمن تعد الاولى عالمياً في تهريب الأثار، حد أنها لم تأبه بمطالبات ومناشدات اليونسكو للحفاظ على ثروة اليمن من الآثار والمخطوطات. ثمة دول تحاول أن تخلق من العدم لنفسها تراثاً وموروثاً شعبياً، وتبذل في سبيل ذلك الكثير. في اليمن تحملت المسئولية بنت عبده عثمان بدلاً عن دولة، ونيابة عن مجتمع، وهي اليوم لا تحلم بالتكريم، ولا تطمح لأي كسب سوى صيانة التراث والحفاظ على الموروث الشعبي في بيت مناسب لكن لاحياة لمن تنادي، فبدلاً من الشعور الرسمي بمدى التقصير والاهمال، والإسراع لتلافي ذلك، إذا باللامبالاه هي الرد والجواب.
هل كان يجب أن يكون بيت الموروث الشعبي في برنامج الرئيس الانتخابي؟ أم كان المفترض أن تتضمنه الموازنة؟ أو يدرج في بند الاعتماد الاضافي؟ نحن في اليمن حيث كل شيء سهل فقط تتوفر النية أو الإرادة. ويمكن تدبير المنزل، أيش معني فدية الخاطفين، أو مصاريف الجهاديين، وقيمة السلاح يتم تدبيره بسهولة، لكن لا توجد نية ولا أرادة رسمية لأنه لا قيمة لآثار، لتراث أو موروث أو حكايات شعبية في ثقافة النظام أصلاً، ولا معنى للهوية والشخصية اليمنية. لهذا لم يكلف أحداً نفسه مجرد التبرير.
والمؤسف أن اللامبالاة موجودة ايضاً لدى رجال الأعمال والشركات. لم تبادر شركة ما، ولو من باب الاعلان التجاري لنفسها، فتقدم بيتاً للموروث، أو رجل اعمال ما أعلن عن منزل «وقف» لحفظ التراث. والمصيبة أن التراث ليس من ضمن اهتمام وزير الثقافة الرائع ولا أمين العاصمة الهمام. الموروث الشعبي ليس ضمن برامج الاصلاحات، والانتخابات، وجمعيات الصالح والإصلاح أيضاً، كما أنه ليس مدرجاً ضمن برامج تمويل المانحين وربما اللجنة الوطنية لليونسكو. والكثير يظنون أن التراث، حاجة خاصة بالأديبة أروى عثمان والموروث الشعبي هَمْها ومشكلتها وحدها.
إن الصمت العام تجاه صرخة ونداء أروى معيب. أعلم أن أديبتنا الكبيرة أطلقتها معولة على شيء من الحياء، هنا أو هناك ليس إلا، بقايا ضمير، إحساس عابر يعتز بشخصية وهوية وتراث اليمن. أخاف عليها وهي الأمينة على تاريخ وميراث الأسلاف، أن يتظافر لديها هم الخوف على ضياع ما جمعت وصدمة واقع غادره الحياء والضمير والشعور بالمسئولية.
الصمت جحود وإهدار علني للتراث، وتدمير الهوية الوطنية والشخصية اليمنية لا يحتاج إلى إعلان رسمي. كما أن القيام بالواجب ليس فضلاً، ولا يحتاج مناشدة. لكنها ثقافة الفساد.
أعرف أروى وجهدها الكبير لرد أعتبار تاريخ وطن وإعادة ذاكرة شعب، وبقدر ما أحمل لها من تقدير بقدر ما أحمل من حسرة تجاه وضعنا العام.
من أجل أروى أنكرتُ واقعنا المعروف وآملت الاستجابة للنداء بتوفير منزل للموروث الشعبي وأعتبرت تحقيقه تكريماً لإنسانة بهذا القدر من السمو والاصالة والجهد والبذل والمسئولية. واعتذاراً عن التقصير والاهدار الرسمي والاجتماعي، حاولت تناسي أن التراث لن يكون أثمن من قيمة حياة الانسان اليمني في نظر أولى الأمر والنهي، والصرف، والقبض.
لا ادعي أن خيبة الأمل أذهلتني، فحتى العجز والحسرة لم تعد مذهلة، فقط أجد نفسي ملزماً بالاعتذار ل «أروى»: التراث والمدرهة، الحكايات الشعبية، الموروث الشعبي. لا يهم عمَّا الإعتذار: عن العجز، الخذلان، الجحود، القبول بالتعامل مع هكذا وضع وواقع. أجد نفسي أقول لاختي الفاضلة أروى: أنت ملخص جمال الارض والانسان، كم أحبك، وكم أنا فخور بك وبجهدك، لم أحضر مؤتمرك الصحفي يومها، لأن بعض اللقاءات صارت حاصل جمع للعجز، لا أكثر.. عفواً أروى.. شكراً أروى.