هل اليمن بحاجة إلى مسرح؟ – د. حبيب سروري

هل اليمن بحاجة إلى مسرح؟ – د. حبيب سروري

عزيزي جمال…
كنتُ قد حضرت هذا المهرجان لأول مرة، قبل 30 سنة، في سنة تعلّم اللغة عند وصولي لفرنسا. شاهدت حينها “هاملت” وهي تعرض في كاتدرائية “قصر البابوات”. أكثر ما أذهلني هو هذه الكنيسة التاريخية التي تتحول إلى قاعة مسرح!…
عدتُ لهذا المهرجان بين الحين والحين، آخرها العام الماضي وهذا العام.
سأبدأ بإعطاء بعض المعلومات حول المهرجان، قبل أن أجيب على سؤال عنوان هذا المقال: هل اليمن بحاجة إلى مسرح؟

تعريف بالمهرجان والمدينة
لعلّ “فيستفال افينيون الدولي” (مهرجان افينيون الدولي) الذي ينعقد كل عام في شهر يوليو في مدينة أفينيون في جنوب فرنسا هو أهم تظاهرة ثقافية سنوية في فرنسا، إن لم تكن في العالم قاطبة.
صادف هذا العام الذكرى الستين على بدء المهرجان. مثل كل عام، يحتوي برنامجه على أكثر من تسعمائة عمل مسرحي، وبعض النشاطات الفنية الأخرى.
مدينة افينيون، ذات التشكيل المعماري القروسطي الفريد بأحصنتها وسورها القديم ونمطها “القوطي” المتميّز، والتي تتوسطها كاتدرائية “قصر البابوات” (التي كانت مركزا للمسيحية عاش فيها تسعة بابوات في القرن الرابع عشر) ليست مدينة فريدة الجمال فحسب، لكنها كما يقال مدينة خلقت للمهرجان، وليست مدينة تحتضن المهرجان. إذ لا تنعقد النشاطات المسرحية في صالات مسرحها فحسب، لكن في كل سينماتها، قاعات اجتماعات دوائرها الحكومية، كنائسها، مدارسها، سفن نهر الرون المجاور لسور المدينة (الذي يعبره جسر افينيون التاريخي الشهير)… كلها تتحول خلال المهرجان إلى قاعات لأنشطة تقترب من الألف (تنقسم إلى نوعين: عروضاً الـ”اين” (in) التي تكون غالبا عروض مدعوين دوليين وضيوف للمهرجان من خارج فرنسا، أو عروض دولية بدعم مالي كبير. وال “اوف” (off) التي تضمّ أكثر من 700 عرض، تنظمّها فرق وطنيّة متخصصة أو فرق من هواة المسرح) ناهيك عن أن كل طرق المدينة تعجُّ بنشاطات فنيّة على الهواء الطلق، لا تكاد تسير فيها بضعة خطوات دون أن تلتقي بأحد أعضاء فريق فني يتحدّث معك عن عرضه الفني، ويقدّم لك أوراقاً دعائية حوله. لا تحتاج عادة لذلك لأن مركز بلدية أفينيون يوزع مجانا البرنامج العام (كتابين من عدّة مئات من الصفحات)…

بعض التاريخ
يرتبط هذا الحدث السنوي الاستثنائي باسم خالد: جون فيلار! في عام 1947 يُطلب من فيلار عرض مسرحية “موت في الكاتدرائية” لتوماس ايليوت (التي أخرجها فيلار، ونالت “جائزة المسرح” بالإجماع) في كاتدرائية قصر البابوات. فيلار يفكّر، يتردد، ثم يقترح استبدال عرضها بعرض ثلاث أعمال جديدة، لم تعرض بعد في باريس، في ما أسماه حينها “اسبوع الفن في افينيون”! بلدية المدينة تقبل المغامرة التي تعني تقديم دعم مالي ضخم للأسبوع…
الأسبوع يخلق ضجة هائلة: ثلاثة أعمال جديدة من شكسبير إلى كلوديل، لم تعرض بعد في مسارح باريس الكبرى، تعرض في مدينة صغيرة في جنوب فرنسا!…
نال الأسبوع نجاحا هائلا، لينعقد في العام التالي “المهرجان الثاني لأفينيون” (لم يعد يسمّى أسبوعاً). في برنامجه حدث ضخم: مسرحية “موت دانتون” للألماني بوشنير، عرضُ عمل ألماني ثوري ضخم، ثلاثة سنوات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، في الكاتدرائية خلق ضجة كبيرة. بعض الصحف نشرت بالخط الكبير: “المقصلة في الكاتدرائية”…
في 1951 فيلار يُعَيَّن رئيساً لـ”المسرح القومي الشعبي”. مشروعه الثقافي تحويل المسرح (الذي كان يعتبر في الثقافة الفرنسية نشاطاً يخصّ النخبة والبرجوازية فقط، لاسيما الباريسية) إلى نشاطٍ مفتوح لكل الناس.
يكرّر فيلار في كل مقابلاته وأعماله: “يلزم أن يكون المسرح مثل الماء والكهرباء: خدمة عامة!”…
سارتر يقول: “يلزم دعم فيلار، أو التوقّف عن الشكوى”…
مهرجان افينيون يكتسح الحياة الثقافية منذ 1953. يتوسّع منذ 1966 لِيضمّ الرقص. موريس بيجار يكتسح افينيون في المهرجان العشرين عند عرض الأوبرا الراقصة “ايروتيكا” في قاعة الشرف في كاتدرائية قصر البابوات…
من عام لعام يتحوّل المهرجان إلى إحدى أهم لحظات التعبير الثقافي في فرنسا. ما حدث في 1995 دليل كبير على ذلك: لرفض الصمت على معاناة المسلمين في البوسنة، قدّم كل ممثلي المهرجان وكل مشاهديه لوحةً تعبيرية تاريخية يستحيل نسيانها. اضطجعوا جميعا حول الكاتدرائية، دون حراك كأنهم موتى، ليعبرون عن سخطهم من أعمال الابادة الجماعية والصمت الإعلامي العام… الصورة التاريخية المأخوذة من طائرات الهيلكوبتر للحشد المضطجع في أرض الساحة المحيطة بالكاتدرائية، وشعارات الدفاع عن “حقوق الإنسان” التي ملأت أفينيون حينها تناقلتها سريعاً كل صحف العالم…
بعض أعوام المهرجان خلقت جدلاً قويّا حول مفهوم الفن ومشروع المهرجان مثل العام الماضي 2005 الذي كان ضيفه البلجيكي الفلامندي جان فابر. حاول المهرجان حينها أن يتركّز حول موضوع رئيس: تقاطعات الفنون (فيديو، موسيقى، جرافيك…). لم ينل هذا البرنامج التجريبي استحسان الأوساط الثقافية بشكل عام. بدأ الحديث حينها عن “موت المهرجان”! يكفي قراءة مقال ريجيس دوبريه حوله الذي قال إن المهرجان “خان روح جون فيلار”…

مهرجان 2006
مهرجان 2006 كان ناجحاً جدّا كما يبدو من ملاحظات العامة من الزوّار والمتخصصين وتعليقات كل الصحف بمختلف اتجاهاتها. حاول برنامج هذا العام إرضاء الجمهور والابتعاد عن التطرّف في التجريب كما حصل العام السابق له. حاول خلق لحظات سعادة وتبادل ثقافي وحوار عام. أي: أراد الحفاظ على روح “المسرح القومي الشعبي” الذي تأسس المهرجان على مداميكه.
ضمّ طاقم برنامج الـ”اين” أسماء هامة حقّقت نجاحاً مرموقاً مثل: جوزيف نادج، جان لوييرس، فرانسوا فيري، بارتاباس، بيتر بروك… أما برنامج الـ”اوف” فكان حافلاً جدّا كالعادة، إن لم يصب أحياناً بالتخمة. تكاثره لم يخل من الخلافات بين منظمي الـ”اوف” واللجان المشرفة عليه…
ما يلحظه المشاهد هو أن هذا العدد الضخم من عروض الـ”اوف” لا تجاريه حركة نقد ودراسة كافية لمجمل نشاطاته وعروضه. تكتفي المقالات الصحفية بتقديم مطوّل لبرنامج الـ”اين”، وبدراسات مقتضبة لعددٍ محدود من برنامج الـ”اوف” الذي يرتاده مع ذلك العدد الأكبر من المشاهدين…

هل اليمن بحاجة إلى مسرح؟
لعل الإجابة: لا لأكثر من سبب: أولا: اليمن بكل مساحتها الجغرافية مسرح على الهواء الطلق! من لم تثيره في اليمن هذا العام مسرحية الملاعق (هروب سجناء القاعدة بعد حفر نفق من سجن الأمن السياسي إلى مسجد، بالملاعق، حسب التعليل الرسمي)، ثمَّ مسرحية “دموع الأطفال والنساء والشيوخ” التي أثنت رئيس الجمهورية عن قراره بعدم ترشيح نفسه؟…
ثانيا: إذا أخذنا عبارة فيلار التي تنص على أن المسرح يلزم أن يكون مثل الماء والكهرباء: خدمة عامة، فاليمن لا تحتاج للمسرح، من باب الاحترام للمنطق على الأقل، لأن الماء والكهرباء ليسا خدمة عامة في اليمن، كما يعرف الجميع: الكهرباء التي تنقطع يوميا في اليمن هي أغلى كهرباء في العالم (أكثر من نصف راتب العامل البسيط في المدن البحرية)، والماء في طريقه ليكون أندر من دموع العنقاء… ناهيك عن أن المسرح في اليمن أهم من الماء والكهرباء لأنها البلد الوحيد في العالم الذي يقع ضمن أفقر الدول وأكثرها فشلاً، وتتحدث قيادته مع ذلك عن مشروع إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية! هل هناك مسرحية أكثر عبثا وإثارة للسخرية؟ ألا يعني ذلك أن الكهرباء والماء في اليمن في طريقهما ليكونا مثل المسرح، وليس العكس؟
ثالثاً: يكفي قراءة مقالات كل هؤلاء المطبلين للحاكم في اليمن ليرى المرء أن مسرحية “الشغّالات” لجون جينيه (التي نالت رواجاً في مهرجان افينيون هذا العام) يتم تمثيلها من قبلهم ليل نهار… علاقة الشغّالات في مسرحية جون جينيه بمالكة البيت، خوفهم منها، تفخيمهم لها، ما يقولونه لأنفسهم عنها وما يقولونه جهراً أمام الآخرين تُلخِّصُ أولئك المطبلين أيّما تلخيص… لهم جميعاً أُهدي تلك المسرحية التي عُدتُ من مشاهدتها اليوم، والتي هرعتُ بعدها لأعبر عن ذهولي من انطباقها عليهم، ولأبعث هذا الايمايل للعزيز جمال جبران…

– النص خاص بـ«النداء»