مركزي تعز.. 3 طبقات مختلفة الأوضاع

مركزي تعز.. 3 طبقات مختلفة الأوضاع

لاجئون في دار القتل
* هلال الجمرة
على الهواء الطلق، يرقد ما يزيد عن 85 لاجئاً صومالياً وحبشياً فوق بلاط ساحة قسم المتهمين «ب» في مركزي تعز منذ نحو شهر، ويبدو أوفرهم حظاً من حصل على «كرتون فارغ أو كيس حب» ينام عليه.
في حوش القسم الخاص بالسجناء المحكومين على قضايا قتل، تستضيف إدارة السجن الصوماليين والاثيوبيين الذين يدخلون اليمن بصورة غير شرعية عبر منفذ باب المندب دائماً.
معظم هؤلاء، إن لم يكن جميعهم، سبق وأن تسللوا إلى اليمن ثم إلى السعودية مرتين و3 و5 مرات، بيد أنهم اختاروا الطريق غير الآمنة هذه المرة. يقول «م. أ»، 28 عاماً، إنه تسلل إلى السعودية مرتين وأن 2 من أسرته يعملان في السعودية. وأفاد «النداء»، قبل اسبوع، بأنه كان يدخل اليمن من سواحل الحديدة، عدا هذه المرة فقد أتى عبر طريق المخاء.
جميع اللاجئين السجناء قدموا إلى اليمن من باب المندب والمخا، قاصدين التهرب إلى السعودية، إلا أن القوات اليمنية ألقت القبض عليهم عند وصولهم السواحل واحتجزتهم يوماً كاملاً في المخاء «بدون أكل، وتم نقلنا إلى مركزي تعز»، وصفوا واقعة اعتقالهم.
في الغالب لا يجد سجناء قسم القتلة، كما هو معروف لدى السجناء، مكاناً فارغاًً يمرون من خلاله إلى البوابة الثانية التي تعزلهم عن الممر الذي يضم شُبَّاك الزيارة، بسبب العدد الهائل من الصوماليين الراقدين جنباً إلى جنب على مساحة الحوش.
ويؤكد العديد من سجناء القسم أن هذا هو أقل عدد، مقارنة باعتقالات سابقة، إذ يصل العدد أحياناً إلى 360- 600 لاجئ.
وقالت المصادر إن الافراج يتم على دفعات ووفقاً لشروط، مشيرين إلى أن إدارة السجن تستثمر علاقة السجناء بأسرهم في السعودية و تطلب منهم مبالغ ضخمة لقاء الإفراج عنهم. وأوضح سجين اطلع عن قرب على المساومات التي تقوم بها الادارة بطريقة سرية مع الصومال والاثيوبيين، قال: «تطلب منهم الاتصال بأقربائهم في السعودية لتحويل مبالغ تصل إلى 1000 و 3000 ريال سعودي، ثم يقومون بإخراجهم في الليل».
أما الباقين فيظلون معتقلين حد اليأس. وفي الدفعات التي اطلقت في رمضان وما بعد العيد تقول المصادر إن هذه الحالات الزائدة عن الحاجة اضطرت إلى الإضراب المفتوح، مما اضطر إدارة السجن إلى الاتصال بالسفارة الاثيوبية بصنعاء، والتي عملت على إرسال سيارات من السفارة إلى السجن واستلمت مواطنيها المتهربين ورحلت ذوي الجنسيات الاثيوبية من صنعاء، فيما لا يعرف مصير الصوماليين.
تتراوح اعمار السجناء المهربين بصورة غيرة شرعية إلى الاراضي اليمنية بين «16-30 عاماً. ويشير2 من المحتجزين الذين التقتهم «النداء» إلى أن حالات كثيرة منهم دخلوا اليمن وبرفقتهم نساء قريبات لهم أو صديقات، ويسعون إلى التهرب بهن إلى السعودية لغرض العمل.
وفي رمضان شهد حوش المتهمين «ب» تضخماً غير مسبوق، بيد أن إضرابهم واحتجاتهم لعبت دوراً كبيراً وأدت إلى إطلاق 360 لاجئاً في دفعة رمضان، تلا ذلك إفراج آخر في «العشر الأواخر» عن 330 لاجئاً. وحد تعبير مصادر متطابقة: «تحفظت إدارة السجن على ما يزيد عن 20 حبشياً وصومالياً التزموا للادارة بدفع المبالغ التي ستصلهم من أقاربهم في السعودية».
ويكابد السجناء الصومال والاثيوبيون مرارة الجوع والعطش يومياً. فما يحصلون عليه من الطعام قليل جداً، إذ يصلهم يومياً «للشخص 4 كدم في اليوم وبراد شاهي للكل ونصف دست فاصوليا بيضاء، والغداء دست كبير رز».
يتسابقون على المائدة. إذ لا تكفيهم، ثم يعودون لمراقبة ما سيتبقى من فضلات السجناء اليمنيين ليأكلوها.
وبحسب أحدهم فإن الاثيوبيين السجناء خليط من عدة قوميات: عفر، تجرية، أورموا، إمارة جميعهم تهربوا إلى جيبوتي ومنها إلى ميناء المخاء وباب المندب، وتكبدوا خسائر لا تقل عن 500 دولار للفرد.
***
 

معايشة القمل والصراصير تدبيل للعقاب
أكل بدون طباخة وماء ملوث وشاهي مثل الجرويل وحمامات مسددة
نعتبر نزلاء السجن المركزي في تعز أن الأوضاع التي يعيشونها داخل السجن مضاعفة للعقاب.
وقالوا لـ«النداء» خلال زيارتها للسجن، الاسبوع الفائت، إن أوضاعهم يرثى لها: «لا نظافة ولا أكل جيد، والماء شمات».
هناك يفتقر السجين لأبسط حقوقه. ففي حالة أن يكون معدماً، وهذه هي الحالة السائدة، يكون أمام خيارين: الموت جوعاً، أو تجرُّع الطعام المقرر له في السجن. وشكا أحدهم (طلب عدم ذكر اسمه) عدم مراعاة آدميتهم: «يدوا لنا فاصوليا بيضاء مفورة وبدون طباخة وكأننا حمير، والدجاج في الاسبوع يستلم الواحد ربع حبة». مضيفاً: «لو ما معكش فلوس تموت جوع».
الماء غير صالح للشرب «ومن القصبة يصل الماء الملوث ومنه نشرب إذا لم يكن معنا فلوس». أما الشاهي فيطلقون عليه «ديتول» أو «جرويل».
دورات المياه (الحمامات) تعاني من مشكلتين: «الحمامات اللي معها أبواب تكون مسدَّدة وممتلئة وغير نظيفة، والحمامات اللي لا بأس بها ابوابها مخلَّعة وعددها حوالي 18 حمام بلا أبواب».
وفيما يتعلق بالجانب الصحي فيعتمد على موافقة طبيب السجن على إسعاف السجين، لكن هذه الموافقة تحتاج إلى «500 ريال، واذا ما بش أحد معك، يرميك هناك ولا أحد يشوف لك»، قالها أكثر من سجين.
فضلاً عن ذلك تمتلئ العنابر بالصراصير والقمل، نظراً إلى عدم الاهتمام بالنظافة.
وأشار أحد السجناء إلى الزيارة الأخيرة لمدير مصلحة السجون إلى مركزي تعز قائلاً: «عندما جاء الاخشع لم يدخل إلى عنابر السجن، وعلمنا أنه في الادارة، لكن والله ما ابصرناه ولا دخل عندنا».
***
 
نزلاء 5 نجوم…15
 ألف ريال مقابل النظافة والهدوء
على النقيض تماماً لحالة الصوماليين والاثيوبيين، يتم التعامل مع سجناء الطبقة العليا والقادرين على الدفع.
في مبنى منفصل ومطل على مبنى السجناء العاديين غير القادرين على دفع إيجارات شهرية، ثمة سجناء يحصلون على امتيازات خاصة مقابل إيجارات شهرية تتراوح بين 15-20 ألف ريال للفرش الواحد.
توجد 4 غرف خاصة، غرفتان في السجن الاحتياطي الموجود على بعد مسافة 400 متر عن مبنى السجن المركزي الذي يقع داخل السور نفسه، وغرفتان في مبنى إدارة السجن. وتضم كل غرفة منها 5 أسرة.
وتتمثل التفضيلات التي يحضون بها في «عدم انقطاع دورة المياه، الهدوء، النظافة، النوم في أي وقت، إتاحة مشاهدة التلفزيون، الاكل أفضل»، ويطلق السجناء في المركزي على الغرف الخاصة «غرف وفنادق خمسة نجوم» لما يتجرعونه في السجن، فيما يشعرون بأن هناك امتيازات «حتى واحنا داخل السجن، من معه زلط هو الأفضل»، تذمّروا من التعامل الاستثنائي الذي تتعامل به إدارة السجن.
***

خلطة عبثية في العنابر
لم تعد أقسام السجن المركزي في تعز مهتمة باختصاصاتها كما كانت، بل أصبحت أكثر اختلاطاً وأكثر عشوائية، وصار المدانون في قضايا القتل يدمجون بسجناء المرور بالسرقة باللواط بالأموال العامة والخاصة والمشتبة فيهم أيضاً.
في الماضي كانت الاقسام مقيدة بنوع القضية، وكان لكل قسم من أقسام السجن الخمسة تخصص: قسم المتهمين أ، المتهمين ب: مخصصان للقتلة؛ قسم التوبة: السرقة، اللواط؛ قسم الشريعة: التهم البسيطة مثل الاختلاف على الأراضي، وأصحاب الشرائع على عقارات؛ قسم المعمل: سابقاً كان للمهتيين التجارة ثم نقل إليه المرور والأموال العامة والخاصة والمعسرون.
 هذه الملامح اختفت تماماً. ووفقاً لبعض السجناء، فالاقسام تجمع اكثر من أتى نتيجة للوساطات فمثلاً قسم الشرائع والمعمل أصبح ممزوجاً بقسم القتل والسرقة واللواط.
يذكر أن الخلط بين قضايا السجناء أتى نتيجة للوساطات والوجاهات والمعرفة. ويقول أحد السجناء (طلب عدم ذكر اسمه) أن بإمكان القاتل الانضمام إلى قسم المعمل «لو كان معه وساطة إلى إدارة السجن».
***

السجناء المعسرون في صنعاء يلبون دعوة العزي بالإضراب الشامل
أثارت دعوة الإضراب التي وجهها السجين فهمي العزي، من مركزي تعز، إلى جميع السجناء المعسرين في الجمهورية، حماس عامة نزلاء السجن المركزي في صنعاء.
ورحبوا في رسالتهم إلى “النداء” بفكرة الإضراب الشامل والتكاتف فيما بينهم. وقالوا: “إن مجلس القضاء والنيابات وقضاة الإعسار لم ينتصروا بإبقائنا في السجون، وإننا نشيد بما اقترحه فهمي العزي علينا وسنقوم بتعليق الشارات الحمراء والإضراب حتى الموت من تاريخ 1|3|2009، أو إطلاق سراحنا”.
وأضافوا: “لقد وصلنا إلى مرحلة اليأس من وعود النيابات ومناشدات النائب العام والقضاء للإفراج عنا”. أما الآن فيؤمنون بأنه ما من حل غير اتحادهم وتنسيق خطواتهم، مشددين على عدم التخاذل، والالتزام بكل ما تضمنته دعوة الإضراب.
وأكدوا أن اعتصامهم وإضرابهم “لا يستجدي من السلطة فضلاً، بل ينتزع حقاً من حقوقنا القانونية التي نبحث عنها”. واتفقوا مع فهمي أن “سجوننا هي الفوضى والفتنة والبلطجة والتهميش ومخالفة القانون، وأن الموت خير لنا وأشرف من هذه الحياة البائسة الذليلة”.
وأشاروا إلى أن إضرابهم وتكاتفهم هو الحل الوحيد لعزتهم، خاصة في ظل صمت المجتمع على الظلم والطغيان الذي يتعرضون له. وقالوا إن شعارهم القادم هو: “حياتنا في تضامننا”، داعين بقية السجناء المعسرين إلى الانضمام إلى صفوفهم و”عدم الرضوخ لتسلط واستبداد النيابات وموعد رمضان الذي تتباهى به الحكومة في الإفراج عن السجناء، بينما الحقيقة هي أن المستفيدين منه هم أصحاب الوساطات”.