كل طرق المواجيد والشغف الأصيلة، تؤدي إليه

كل طرق المواجيد والشغف الأصيلة، تؤدي إليه

* فتحي أبو النصر
دخل محمد منير الشيوعية من باب الصوفية، حتى تعمدت فيه الصوفية عبر الشيوعية أكثر، فصار فناناً خبيراً بحال الإنسان، إذ يغني له، حاثاً على احترام كينونته وعلى تأجيجه المتواصل للحلم (منذ ألبومه الأول “علموني عينيكي، 77م، وصولاً إلى ألبومه الأخير “طعم البيوت” 2008).
ومع منير -هذا الفنان الذي تؤدي إليه كل طرق المواجيد والشغف الأصيلة- لنا أن نستشعر حقيقة التسامي، وروعة الاختلاف، وقوة الموقف الفني الراقي.
فالشيوعية والصوفية من أعظم المبادئ الإنسانية التي تربي النفس على قيم البذل والعطاء والكشف والنقد، إضافة إلى الصمود والفرز الجيد والتذوق الصعب للأشياء وللكائنات.
على أن العشاق الذين يحلمون، رغم خيبتهم، ولكن بأسى، هم جمهوره الذين يحبون الحياة كما لا تتوقع الحياة ذلك، فيما الموت يعشقهم بشكل مضاعف بالمقابل.
هؤلاء الغامضون الساحرون، من المثقفين الغلابى أو الغلابى المثقفين المثابرين على الرؤية الأخرى، يرفضون الذل الإنساني، منحازين تماماً للحرية. كما أنهم بأرواح نضالية، إذ يهتمون بالسياسة وبالأدب وحقوق الإنسان غالباً، ما انعكس على علاقة منير الشفافة معهم باعتباره مثلهم: يائساً لا يغادر الأمل (الأمر الذي تجلى في تعاطفه البالغ مع حركة “كفاية” التي لطالما تقدم صفوف مظاهراتها).
منير، الذي نال ثقة كبار شعراء وملحني الأغنية المصرية (صلاح جاهين، مرسي جميل عزيز، سيد حجاب، احمد منيب، مجدي نجيب، عبدالرحيم منصور، هاني شنودة، بليغ حمدي، فؤاد حداد، عبدالرحمن الابنودي، وجيه عزيز، كمال الطويل، كوثر مصطفى، احمد فؤاد نجم، بهاء الدين محمد) يستطيع أن يرمي يباسي في حضن غيوم لا متوقعة كلما استمعت إليه.
ولقد صنع سياقه الغنائي المتميز والقدير، بجدارة الجهد والإخلاص. كما أبدع في الحفاظ على هويته الفنية، إذ قابل موجات التفاهة والسطحية المتوالية بالثبات العميق، غير خاضع لشروط الثقافة الرخيصة التي هاجمت الوعي الفني العربي منذ مطلع الثمانينيات، تاريخ ظهوره كاسم مختلف، ومازالت تستمر، ما جعل تجربته المشهودة -بمضمون المغايرة جراء طابعها الموسيقي والقيمي النوعي- محط اعتراف العالمين ببواطن تحولات الأغنية العربية الحديثة، كتجربة تسكن -تماماً- صميم الضوء.
فضلا عن ذلك يظل منير -رغم حالة التهميش التي يعانيها من آليات إعلام الآن المستلبة- أنموذجاً للحداثي الناهض بوعي الرفض للاستلاب.
على أنها دعوة تتوجه بها ثقافة “النداء”، لمتابعة أجزاء الحوار القيم الذي تجريه قناة “الحياة” هذه الأيام مع هذا الفنان الذي لا يشابه.