نحو وثيقة عهد واتفاق جديد، بلا «فرك»! – فتحي أبو النصر

نحو وثيقة عهد واتفاق جديد، بلا «فرك»! – فتحي أبو النصر

ثمة مقولة روسية مفادها أن “الإنسان يصنع مصيره من خلال ممارساته”.
والشاهد أن ذلك ينعكس على الأنظمة أيضاً.
وأما في حالة النظام اليمني القائم، فانه الذي لم يتخلص من ذهنية الحرب الباردة بعد، فيما صار يعمل ضد نفسه تماماً.
ومن المعروف أن الوحدة اليمنية ظلت بلا تأمين حقيقي، إلى أن بزغت وثيقة العهد والاتفاق، كوثيقة مواطنة وحقوق، من شأنها أن تدرأ الصراع، إذ لم تتوحد النفوس بقدر ما وحدتنا الأناشيد. على أن الأصولية السياسية، سرعان ما انقلبت على هذه الوثيقة، حتى أصيبت رقصة الوحدة بالجمود، كما هو حاصل اليوم.
ثم أن رونق الوحدة قد تشوه كثيراً. وبالنتيجة، فان وثيقة العهد والاتفاق، هي من حاولت إعطاء الطابع المثالي الذي افتقدته هذه الوحدة.
فلقد كنت في الثامنة عشرة من عمري حين سمعت علي عبد الله صالح وهو يتجرأ بالتعليق على وثيقة العهد والاتفاق – ليلة توقيعها في عمان -بالقول ” عند هذا التاريخ التقت الإرادة اليمنية “.
على أن الالتفاف وراء وثيقة عهد واتفاق جديد، لكن بلا فرك هذه المرة، يعد هو الضمانة الوحيدة لتفعيل الأمل باستعادة 22مايو الذي ضاع.
فاليوم، وبعد خمسة عشر عاماً على 94، مازال النظام الحاكم بذات أخطائه التي تتراكم، كما بنفس عقليته التي تحتكم للازمات.
فيما ينعكس ذلك على بقية القوى السياسية، وخصوصاً على الشعب نفسه، إذ تلقي هذه الأزمات على ملامحه بضوئها الكئيب المضمحل، ليثبت انه شعب حقير تحكمه الانتهازيات للأسف، لا نضارة الفكر المضحي و الايثاري والحي.
صحيحٌ أن التباين الكبير بين نظامي صنعاء وعدن السابقين، كان من شأنه أن يؤدي إلى عدم دينامكية الفعل الوحدوي، ولنأخذ في ذلك، دلالة طابع الشمولية للنظامين السابقين، عبر تفعيل لغة الإقصاء حتى تحقق الموت مابينهما. إلا أن الأصح هو تقديم نظام الجنوب تنازلات مشهودة لنظام صنعاء ؛ مع تمسكه بالديمقراطية التي لم يكن يتوقع حينها انه سيحمي بها نفسه في الأيام الصعاب، بحيث صار ممثل الشمال في اتفاقية الوحدة، يعبر عن ممارساته ضد ممثل الجنوب، بتحوله إلى صيغة الشمولية المضاعفة في بجاحتها، أي وفقاً لمنطق “يمكنك أن ترحل ياشريكي، فهذا لايشكل مشكلةً بالنسبة لي “.
والثابت انه مامن مكرٍ تم على الوحدة، كهذا، وبالتالي شرعيتها.
وكمثال: مازالت القضية الجنوبية تبدو في ذهن الحاكمين (الآن) مجرد كذبة، يرددها مزايدون، أو كذبة بيضاء، من نسج خيال موتورين فقط،ولذلك فإنهم يستخفون بها كـ” كلام فارغ -كما قال الرئيس “، رافضين تصديقها، أو الاعتراف بها بمسؤولية،فرغم اشتدادها، إلا أن مايحدث من معالجات طفيفة غير فعالة، تأتي،بقصد نكئ الجراح أكثر لامعالجتها، وبهمة الهبة لا الحق طبعاً، ف”الأمور عوافي” و”هولا غاغة”. الخ
والحق أن وثيقة عهد واتفاق 94م تحتاج إلى الإنصاف، فهي من فضحت العقل والوعي الوحدوي،مفرغاً من مكونات الإبداع. لكنها حتماً ستظل تستمر وتعلو، لأنها إحدى السمات الجوهرية للوحدة، بحيث شكلت الشرط الممكن لتحقيق التطور المنشود، ولذلك ستظل تؤثر فينا، كما لايمكنها أن تكون قيمة أثرية وبس.
ذلك أنها تعد أهم عمل نظري حققه الساسة اليمنيون، إذ أن كل برامج الإصلاحات الأخرى التي لحقتها استمرت تدور في فلكها بصفتها الوثيقة التي يحسب لها أنها أول من وضعت إصلاح مسار الوحدة على الطاولة.
على أن نظام الشمال المنتصر في صراعه مع نظام الجنوب، سرعان ماعمل على تقويضها-من ذاكرة الوطن-لمصلحة فئته السائدة.. هذه الفئة التي صارت اليوم صنماً، ولا تريد منا سوى أن نعبدها فقط.
و الأسوأ أن ذهنية التوريث –في كل المناصب المسئولة كالبرلمان والأمن والوزارات ومختلف المصالح الحكومية الايرادية بالذات-يتم تكريسها بمنطق أن البلاد لعبة للتلهي، وهي من حق الراسخين في الاستئثار، وصولا إلى أنجالهم وذويهم بل وذوي أنجالهم، بحيث صارت السعادة منحوتة على سيماء هؤلاء، مقابل شقاء وتعاسة المواطنين الذين هم كرعايا لأنهم بلا نفوذ.
فيما يمكنك قياس هذا المشروع القيمي الشمالي وهو يعمل باتجاه اضمحلال الدولة وزوالها، كالتهام للجنوبيين وعلى مختلف الأصعدة ابتدأ من البقع وليس انتهاءاً بتعيين مدير امن في اصغر مديرية الخ.
من هذه الزاوية لايمكننا الاعتزاز بذواتنا، ونحن نتناسى وثيقة هامة-كوثيقة العهد والاتفاق- ذات الهدف المرموق، بتجديد معاني الوحدة وفق مقتضيات الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية، وهذا هو التحدي الكبير، لاسيما بعد تجريد الجنوب من مكتسباته الحقوقية، واستمرار نظام “ج ع ي “في ممارسة ذات الأزمة التي تشكلت على إثرها هذه الوثيقة، وهي التي عرت نظام الحكم العائلي، بصفته ضد الجمهورية، لنكتشف لاحقاً،-وعلى سبيل المثل-أن النظام الذي يعين عسكرياً كوزير للأسماك، أو خريجاً في العلوم السياسية كوزير للزراعة، ليس أكثر من نظام بلا نظام، وتحديداً: نظام (فاشوش) جداً.
وبالمقابل فان من أهم الأبعاد المطلوبة مجدداً،هو أن يأخذ اتجاه التحديث مكانه الفعال، ولن يتجلى ذلك من دون بعث المشروع الحضاري المأمول للوحدة، والذي تجلى في هذه الوثيقة نفسها.
فإذا ما افترضنا أن من وسائل (المعالجات القادمة) تلك الغاية النبيلة، فان الالتفات إلى أسباب إخفاق وثيقة عهد واتفاق94، لابد أن يعطي رؤية أنجع لحل الأزمة الوطنية الراهنة، وفي مقدمتها “الانتخابات”.
ذلك أن الجميع وهاهم في الورطة التي تتجدد، يبقى المطلوب منهم الآن “إبداع واقع جديد يمكننا التصالح معه جميعاً”؛ بدلاً من الاقتحام المسلح، حتى إلى داخل أحلامنا السلمية.
فيما تكشف مقارنة بسيطة عمق الفادحة التي تكرس ضد دولة الجنوب، بحيث دخلت الوحدة ب 111 برلمانيا، حتى صار نظام الآن يسكثر عليها أن يتجاوز ممثلوها في برلمانه الخمسين شخصاً.
وأما من خلال الرؤية المجردة والتأملية، فلنا أن نكتشف، أن وثيقة العهد والاتفاق هي من مثلت النظام الداخلي الأخلاقي لحركة السياسة اليمنية المعاصرة سلطة ومعارضة.
ولقد أسقطت هذه الوثيقة -بشكل خاص- طابع القدسية عن ممارسات السلطة الحالية التي لم تجعل الجنوب وحده ينفرد بمشكلات نوعية، وإنما البلاد كلها، جراء فشل سياساتها الاقتصادية والأمنية والإدارية والاجتماعية الخ، ما يفترض بكافة القوى الوطنية العودة لتفعيل الحل الجدلي المتمثل في وثيقة العهد كما أسلفنا، لكن مع تخصيبها بما يتوافق وراهن المشكلة الذي تطور، كما تحريرها من حيزها الزمني لأنها ضد أن يتم حصرها، فهي الوثيقة الصادرة، عن ” تكتل الائتلاف الحكومي وبقية أطراف الحوار السياسي لبناء الدولة اليمنية الحديثة”، فيما على هؤلاء مازالت تقع مسؤولية عدم خلط الأمور أكثر وتعقيدها، وكذا ألا تستمر التناقضات السخيفة في حكمنا.
طبعاً؛ يحتاج ذلك إلى تفعيل آلية إلزامية قانونية لكافة الأطراف الموقعة على وثيقة العهد والاتفاق الجديد، باعتبارها صمام الأمان الحقيقي للبلاد، على أن يتم ذلك برعاية ضمير وإنصاف المانحين للتجربة الديمقراطية الهشة في اليمن، وأيضا أن يأخذ جميع المشاركين في اعتبارهم لعنة أو تقدير الأجيال القادمة.
ولعل مايميز وثيقة العهد والاتفاق، هو أنها بعمرٍ سياسي مفتوح فلا تنتهي صلاحيتها. ففيها أوراق ثبوت الإدانة أمام محكمة التاريخ.ودائماً مايتوجب على نظرتنا للتاريخ، أن نتوخى المستقبل. والمستقبل فقط.فهذا المستقبل أبداً لايغفر.
ومثلما كان الإصلاح والمؤتمر ضد الاشتراكي بالأمس، هاهو المؤتمر بمواجهة الاشتراكي والإصلاح اليوم. وفي حال أقدم المؤتمر بالانتخابات المرفوضة، وفقاً لصيغتها الحالية، فلابد أن يزرع السخط نفسه في وريد كل يمني جائع ومتعب ومقهور، خصوصاً إذا ماعمت مقاطعة هذه الانتخابات جنوباً باتجاه الشمال، حيث وان المزاج العام، قد فقد الثقة كلياً بنظام لا عهد له. نظام مأزوم، ولن يهمنا بعد فوات الأوان، أن يقر ب “كان يجب أن اعرف أنها ستكون مشكلة “.
[email protected]