في نقد الوعي القبلي – فتحي أبو النصر

في نقد الوعي القبلي – فتحي أبو النصر

ثلاثون عاماً من الكلام المنفوخ في الهواء، قضاها النظام الحالي دونما اثرٍ واقعي حققه باتجاه التجانس المجتمعي. فهو نظام لايعمل من اجل الدولة المدنية إذن. فيما المسار الذي ينتهجه، يظهره مكتظاً بشعارات فضفاضة عن العدالة والمساواة فقط. ومثلما تنحاز أمريكا مع إسرائيل فان هذا النظام ينحاز إلى القبيلة.وعليه فان البنية التفكيرية المغلقة للقبيلة لابد أن تنعكس على السياسة و الاقتصاد، لان السياسة اليمنية لا تزال تقليدية في غالب ممارساتها، ولنا في تحالف هذا النظام المستبد بالقبيلة دليلاً على التخلف الاقتصادي الذي تعيش اليمن الآن أزهى مراحله. ثم أن غالبية الظواهر الاجتماعية للقبيلة سلبية ومتخلفة وهي محكومة بأسباب الجهل، مايؤكد أن المجتمع اليمني ثقافياً هو مجتمع انقسامي.
على أننا نبقى بحاجة إلى موضعة الوعي الوطني في سياقه الخلاق الصحيح بدلاً من الانصباب في المفهوم العصبوي المقيت للقبيلة بوعيها المستمر في تقويض مبدأ المواطنة وعدم احترام القانون. حيث وأن الانقسام الثقافي بين اليمنيين وفقاً لهذه الصيغة الانتقاصية غير البناءة- من فئة ضد فئة- لن يؤدي إلى دولة حاضنة للجميع. كما أن المستحكم الأساس في مصير اليمنيين الآن، ماتزال، ذاتها الثنائية التي نرفضها وندينها. ثنائية مطلع ومنزل.
فاليمني كفردٍ مدني- الدكتور القدسي والغرباني كمثالين طازجين -لاحول له ولاقوة لأنه بلا حماية، على عكس اليمني كجماعة قبلية.
لكن سحق أصحاب المشروع المدني عموماً، يعد الظاهرة الوطنية المنحطة، المتعددة الدلالات، وعلى أكثر من مستوى، بل و برعاية النظام.
فالنظام لايريد أن يعي مستوجبات اللحظة الوطنية في ضرورة المساواة والتعاطي العصري النابه معها. ولأنه لايحترم التحول فانه مازال يصغي إلى نفسه ليراوغ ويزداد استفراداً وانتقاصاً بما دونه-لمبررات استعلائية واهمة- محتمياً بالعقلية القبلية الماسخة التي تدير معه البلاد، وبالتالي لا تهيئ المناخ المفترض من اجل التجاذب الحقيقي بين اليمنيين لا التنافر البغيض فيما بينهم كما هو حاصلٌ، بحيث تتنامى الانفلاتات ضد الغالبية المتعلمة من قبل الأقلية الجاهلة.
والثابت برأي الراحل الجليل عبد الله البردوني أن حركة 13 يونيو 74م هي وحدها من ” استفزت الحس الوطني الصحيح من نومته الطويلة المرتبكة ” لتتمثل فيها المواطنة كنقطة التقاء للجميع. فيما هذا الالتحام الوطني المبارك- في الشمال – بدا مرحلياً ولم يستمر بسببـ” انتصار حلوق البنادق على الفهم”.
ذلك أن العقل القبلي انفعالي، وغير راجح، إذ يتصرف على انه الأصل وما غيره فمجرد فروع.كما أن القبيلي لايمتلك لحظة وعي بذاته، لأنه مرتبط ب شر الجماعة بخلاف المدني لان الفردانية هي خير المدنية.فأهل تعز مثلاً الذين انتشروا في عموم مناطق اليمن- إضافة إلى محيطها الدولي وأبدعوا كساسة وتجار ومثقفيين واقتصاديين وأطباء وإداريين وأكاديميين وقادة مجتمع مدني الخ – يبنون ذواتهم بعصامية فردانية إنتاجية تبعد كثيراً عن سلطة العائلة أو العشيرة. فيما يمكننا القول أن مقدار تحرر هذا النسق الذاتي هو مقياس الفعل المدني من القبلي.هذا في حين أن المجال الحيوي للتعزيين هي عدن وليست صنعاء، ومع ذلك فان ابرز من دافعوا عن الأخيرة أثناء حصار السبعين هم من تعز. على أن أصحاب الوعي المدني من أحفاد هؤلاء الذين شقوا طريق الثورتين اليمنيتين، مازالوا ضحية لإحساسهم العميق، رديف التأني، وذلك بخلاف أصحاب الوعي القبلي البسيط، رديف التهور، إذ أن أهم المناصب النافذة اليوم بيد القبيلة، وليس بحسب الكفاءة طبعاً، ولكن بحسب الولاء واستعمال هنجمة السلاح في غير أغراضه الوطنية.
وغني عن القول أن تعميق الفجوة -سياسياً واجتماعياً- بين اليمن الأسفل (الشافعي) واليمن الأعلى (الزيدي) سببه الأتراك، الذين كان احتلالهم لليمنيين، من أسوأ الاحتلالات في العالم، الأمر الذي فاقم من انغلاقنا، إذ لم يتضمن المشروع العثماني في اليمن ابسط قيمة تنويرية،فيما انعكست تلك العقلية السلطانية الضحلة على العقلية القبلية بشكل مستفز.
ولقد عرفت تعز تاريخياً من قضاء إب إلى المخاء فالحجرية التي يصفها الدكتور ابوبكر السقاف بأنها ريف عدن. لكن كما يلاحظ الكاتب والباحث محمد ناجي احمد فان ” بروز دور تعز منذ الدولة الصليحية وحتى انقلاب نوفمبر مرتبط بولائها لمصر فمنذ الدولة الصليحية ارتبطت بالفاطميين ثم الدولة الرسولية وارتباطها بالأيوبيين ثم المماليك وحتى دخول العثمانيين إلى اليمن عبر بوابة مصر أو العكس حين كانت اليمن هي بوابة الولاة العثمانيين لشراء ولاية مصر من الباب العالي في الاستانة وحتى قيام ثورة 26سبتمبر 1962م وارتباطها منذ التخطيط وحتى 5 نوفمبر 1967م بمصر عبد الناصر”.
ومن المفهوم أن المدني يستند إلى رصيد معرفي أغنى، لان القبيلي لا يأخذ بالمستجدات العصرية، فهو ضد الانفتاح والازدهار.كما يعزز من صعود موجة الأصولية التي تريد العودة بنا إلى قرون وسطى جديدة. فيما “الديمقراطية تُرتهَن ليس فقط بصندوق الاقتراع، بل أيضاً وأساساً بصندوق جمجمة الرأس” بحسب تعبير جورج طرابيشي.
والحق أن صيغ الحياة التقدمية الفسيحة، دائماً ماتكشف للقبيلي كم هو متناهي الضآلة، ومع ذلك فانه يظهر لامبالاة لاتنسجم أبداً مع روح العصر ومسؤولياته الإنسانية. فهو مفتون بسلاحه لأنه لايخلو من الإحساس الرهيب بالضياع والضعف، حتى أصبح السلاح “متنفساً للكبت ودليلاً للوجود”. فيما التمثلات الذهنية الهشة التي صنعتها بدوية وأمية القبيلة فيه هو أن الرجولة معناها القتل لا العلم والبناء والتسامح والإيثار والعطاء والإبداع.ولا نغفل هنا إضافة إلى الأسباب الداخلية تلك “الأسباب الخارجية القذرة التي تستهدف قتل اليمني بسلاحه أو بسلاح أخيه”. والتي عملت منذ عقود طوال على تعزيز القيم القبلية واختراقها تقوية لنفوذها الاستراتيجي في القرار اليمني من ناحية وإبقاء حركة الموت في اليمن بدلاً من حركة الحياة من ناحية ثانية حتى أن قانون منع السلاح مازال حبيساً عن الإقرار وفقاً لهذه الرغبة “.
على أن ممارسات القبيلة تكاد أن تدخل المجتمع في العنف العام. فبحسب محمد أركون “تقيد البداوة العقول حتى لاتنتج، وذلك باسم الجهل المؤسس الذي ينتشر بتأييدٍ من الدولة”.وطبعاً فان هذا التفوق الأخلاقي والعقلاني للمدنيين، يجعلهم، لايغلبون ” الهوى، على حساب الإدراك المتجرد والمعرفة المنضبطة”.فهم يجعلون من المدنية قدوة لهم في تفكيرهم وعملهم. فيما القبيلة ذات القصور الاخلاقي والعقلاني. أبداً لاتتوق للمستقبل المختلف.
بمقابل ذلك “تأخذ القبلية موقفاً كيدياً من المدنية” بنظر ياسين الحاج صالح. وحتى في مفاصل الدولة اليمنية الحالية نجد أن طابع القبلي المنتمي لها يتسم بالتنكيل الرسمي ضد السياسيين المدنيين من المثقفين والناشطين الحقوقيين المعارضين خصوصاً، مايفترض على صيغة هذه الدولة أن تكون محايدة وذات صبغة تذويبية للفوارق بصفتها الحاضن الوجداني لليمنيين جميعاً، لا أن تناطح أثوار الهجر، لتقتنصها بعد ذلك بنادق العدال.
والحاصل أن القبيلة المعاصرة في اليمن بلا منجز عظيم تفتخر به.فهي ضد الرخاء والسلام والكرامة والأمن لكل اليمنيين. واعني القبيلة كمنظومة تناحرية لاتقبل النمو إلا على نفسها، لأنها مغلقة على المدنية بوجودها الرث، بل ولها أن تتسم بالعنف اللغوي اللامبرر وغير المستساغ.
ثم ماذا يمكن أن تقدمه هذه القبيلة لاستحقاقات الذات المنتمية لها غير رقم عسكري وفي أحسن الأحوال استنهاب البقع، أو استصدار فيزا للشحت الخارجي، أو بيع القات، وصولاً -في النادر- للتعليم المزيف الذي لايغير المضامين، وليس انتهاءاً، بتهييج الدافع النزقي-الذي تجلى ظهوره بعد حرب 94- في المتاجرة بفهلوة السمعة القبلية-التي صارت حسنة في الوعي المشار إليه – واستخدامها كظهر حماية لتدر عليه أرباحاً مادية فقط، وليس أرباحا حقيقية على الصعيد المعنوي. حيث وان القبيلي لم يتأسس على القيم التجارية القويمة التي تغري بالاحترام لا اللعنة.فيما تعد قيم النهب والفيد أهم مكوناته النفسية على الإطلاق.
وفي هذا الصدد الميئوس يعلق الدكتور ابوبكر السقاف إن “البنى تتشابه في الأنظمة العسكرية في الدول السلطانية، التي تحتكر لا القوة: الجيش الأمن، بل ومصادر القوة: الاقتصاد، والمال العام، ويكون التفاوت في نسبة النهب، أي الاستيلاء على الثروة الجاهزة، من قبل الأقلية الحاكمة التي لا تصنعها ولا تساهم في انتاج شيء ذي بال في حياة البلاد لانها تعيش على الريع وتكتسب بذلك استقلالاً نسبياً عن رعاياها، وهو مصدر أساسي من مصادر قوتها. والدولة الريعية نقيض الديمقراطية، لأن الصراع فيها مصدره التنازع على الثروة وليس على انتاجها وتقاسمها، ولذا تبدو لنا الدولة الريعية مالكة الثروة الوحيدة والقائمة على توزيعها أرزاقاً على الرعايا، وهذا أسلوب إدارة الدولة المفضل عندها، لأنه يضمن الولاء للسلطان. ويتم على هذه الشاكلة سد ميدان السياسة برتاج ثقيل، لا يسمح بأي نوع من التغيير إلاَّ من داخله، أي ينتج انقلاباً جديداً، أو من الخارج الغازي الذي يجلبه الاستعمار الداخلي.”
لذلك كله تبقى القبيلة طامتنا الكبرى في الشمال والجنوب معاً لأنها ضد التطور وقيم الحداثة. وهي تمثل مرض العضال بالنسبة للجسد اليمني.ولعل الأسوأ هو أن القبيلي لايحس بتخلفه. لكن القبيلة في الجنوب سرعان ماتمكن القانون من تهذيبها أيام الحكم الاشتراكي إذ توفرت نية النظام حينها -وقد أبلى في هذا المضمار بلاءاً لابأس به-وذلك على عكس القبيلة في الشمال – حيث وان معظم بيوت المشائخ مازالت مأوى للخارجين على القانون. بل ويحدث أن تسمع إشادة للسارق أو القاتل أو البلطجي، لان الرؤية القبلية قد صارت أكثر سوءاً في الوقت الحالي بسبب التردي القيمي الذي حصل في المفاهيم القبلية،، لتصير القبيلة مساهمةً فعالةً في صنع الفساد وحاميةً له. فيما صار الدافع الانتفاعي للشيخ هو المحدد الموضوعي لممارسات أعضاء القبيلة الذين هم بالمقابل عبيداً مخلصين لشيخهم هذا حتى ولو كان ظالماً؛ لينبتون على اثر ذلك وبشكل فوضوي -يفتقد لأية قيمة إنتاجية خلاقة- داخل عباءته المقدسة، حيث وان الشيخ كما يرى نفسه هو سلطة الله على قبيلته المصطفاة وأعضائها المنحدرين من سلالة بشرية هي الخارقة والأرقى بنظرهم.
والشاهد أن ديمقراطية القبائل تبدو مضحكة للغاية، لان الإرادة الحرة للفرد القبلي تكاد أن تكون منتفية، كما أن الوعي السياسي للقبيلة ليس أكثر من وعي شمولي. ومن المعروف انه بدون الهامش الديمقراطي الذي اشترطه الحزب الاشتراكي لقيام الوحدة لكنا الآن في تمام الحضيض، كما بدون عزاء سنظل نردد للأجيال القادمة: – “مهزلة واعيالي وسموها وطن “!.
ومانريد الخلوص إليه هو أن تبعية فكر الفرد لا استقلاليته يمثل حجر الزاوية بالنسبة للوعي القبلي، فالمواطن الفرد يضيع تحت دواسة الوجاهات والأعيان ومرافقيهم وذويهم حتى ليصير عبداً، كما أن المواطن القبيلي يحتقر القوانين والمؤسسات، محتمياً بالعشيرة حتى ليصيرا سيداً عليه.
وكما قال الدكتور ابوبكر السقاف فان “الأقلية المغلقة، التي لا تحاور إلا نفسها، تفرط مع مرور الأيام في التمركز في ذاتها، لأن الذهنية القبيلية حصرية بامتياز”.
على أن ثقافة الثورة -كما قال البردوني- افتقدت ل ثورة الثقافة للأسف.ولذا فإننا مانزال ك ” النائمين في طريق السيل “. حيث وان الفرق شاسع بين المحاربين في ظل المبادئ الوطنية والإنسانية، وبين المرتزقة المهمومين بلذات الحكم والغنائم. فيما الأخوة الذين تعانقوا في سبتمبر -باكيين من الفرح – هم ذاتهم الذين تقاتلوا في أغسطس حتى فاض بهم الدم فوق قامتهم قامتين. ولقد صدق البردوني حين علق على هذا السياق- الذي كالقبور لأنه يبلع ولا يشرق -بمقولته الشهيرة ضد العنصرية البدائية التي ماتزال متفشية في البلاد، صارخاً: “إذا كنت ستملك القدرة على علاج أطفالك ، كلما أصابهم مرض، فان هذا لايضمن لأطفالك السلامة الدائمة، وأطفال الشارع والمدرسة يعانون نفس الأمراض!”
وباختصار: ليس من الوطنية في شئ، ضياع حقوق الغالبية مقارنة بحجم الواجبات المفروضة عليهم وبالقوة. فيما ” أصبح استغلالهم يدخل في مجال التبجح وأيضاً الفخر”
[email protected]