لكي لا نخضع للتشويش.. عن المسؤولية في جريمة قتل الدكتور درهم القدسي! – ماجد المذحجي

لكي لا نخضع للتشويش.. عن المسؤولية في جريمة قتل الدكتور درهم القدسي! – ماجد المذحجي

تختبر واقعة قتل الدكتور درهم القدسي الكثير من الالتزامات في اليمن: التزام الدولة بإنفاذ القانون، والنقابات بالتضامن المهني، ومنظمات المجتمع المدني بالمناصرة الحقوقية، والصحف بكشف الحقائق والمسألة العامة، والمجتمع بالتعاطف وإنكار الجريمة… إنها واقعة يُمكن أن تشكل مفتاحاً للتغيير وإنجاز خطوة ملموسة نحو واقع جديد لا يتم فيه استضعاف الأفراد كونهم مدنيين وينتمون لاختيارهم المهني فقط، ولا يعبرون عن أنفسهم ضمن العصبيات الصغيرة، وبالتالي يحظون بالحمايات التقليدية التي توفرها القبلية أو غيرها.
حتى الآن يمضي أكثر من شهر والقضية تراوح مكانها، يقضي القتيل أوقاته في القبر، بينما يحظى القاتل وشركاؤه بالحياة، محتمين بدولة متخاذلة، وتضامن قبلي، ومواقف لا أخلاقية تبرر القتل تصريحا أو تلميحاً. ورغم أن الواقعة قائمة وعلنية، فإنها تخضع للتشويش بشكل رديء وغير مفهوم، ويحدث تكييف لسياق الجريمة يُمكن منه التماس العذر للجناة، ونزع التعاطف مع الضحية، بدون أي التزام بحق الأخير في الإنصاف، وحق أهله وزملائه في الإحساس بالعدالة والأمان، بعد أن تم “نحر” كل ذلك بسهولة مرعبة.
يمكن التأكيد تماماً على وقائع محددة في قضية الدكتور درهم، لكي لا يتم الخلط. لقد كان الضحية يُمارس مهامه كمسؤول عن قسم العناية المركزة في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا، ولم يكن الطبيب المعالج لوالد الجاني الذي توفي. وما يتعلق بكون المتوفى، من آل المفلحي، دخل المستشفى مريضاً ومحمولاً على نقالة، أو متعافياً ويمشي على أقدامه، كما أشارت رسالة أهالي الجاني نشرت ضمن مقال للماوري، فهو سياق آخر لا تحتمله حقيقة ألاَّ علاقة مباشرة أو سابقة بين الدكتور درهم والمتوفى، تبرر غضب ولده، كما تشير الرسالة نفسها، باستثناء أن المتوفى كان يرقد في القسم فقط، ولا يخضع لمسؤوليته الطبية إلا بحدود كونه المشرف على متابعة حالته هو وغيره من المتواجدين في قسم العناية المركزة حينها. وما يتعلق بكون أسباب الوفاة طبيعية أو نتيجة خطأ طبية، فهو شأن لا يخص “درهم”، ويمكن بحثه لوحده، والتقرير بخصوصه باستقلالية عن واقعة القتل اللاحقة التي حدثت للطبيب.
إن ما حدث في واقعة القتل لا يتحملها شخص لوحده، كما أشار الكاتب منير الماوري في مقاله الأخير بصحيفة “المصدر”، حيث ارتكبت الجريمة من شركاء متضامنين وفق القانون، حتى وإن كان فردا واحدا من الخمسة الذين اقتحموا المستشفى والمتواجدين أثناء حصول واقعة القتل، هو من أغمد “الجنبية” في عنق وصدر الضحية، فالآخرون شركاء بحكم القانون، أعانوا أحدهم على القتل وسارعوا للخروج معه بعد ارتكاب الجريمة، ولم يقوموا بتسليمه؛ إذا افترضنا كونهم لم يكونوا راضين عما قام به، وهو افتراض تنفيه تسجيلات كاميرا المراقبة في المستشفى، التي وثقت تعاونهم مع الجاني ضد الضحية لا ردعهم له. كما أن المسؤولية الجنائية في الجريمة تمتد لكل فرد أو جهة شاركت في التستر على القاتل وشركائه وقامت بإخفائهم وتعطيل تسليمهم لجهات إنفاذ القانون.
إن الجريمة قائمة، وإحداثيتها علنية وموثقة عبر كاميرات المراقبة وشهود مباشرين، ولا تحتاج لأي اجتهاد يُعفي أي طرف شريك في الجريمة. ومسؤولية الجناة في ما حدث تحددها القواعد القانونية في المسائل الجنائية، التي تضبط وصف الاتهام وتقرر المسؤولية تماماً. والمطلوب تفصيل بسيط، هو: تسليم الجاني الأول وكل المتورطين في الواقعة، وما يتعلق بأي تفاصيل سابقة تخص أسباب وفاة المريض من آل المفلحي، فهم يتوفرون على كامل الحق قانوناً في إثارتها ومتابعتها، لكن مسؤوليتهم الأساسية، أخلاقياً وقانونياً، الآن، هي تسليم المتهم الرئيسي وشركائه، في حال علمهم بمحله، وهو شأن إذا تجاهلوه يضعهم تحت طائلة المساءلة القانونية بتهمة التستر على مطلوب للعدالة، وهي تهمة تنال من كل جهة أو شيخ يخفي محل الجاني وتوفر له الحماية من القانون.
لا يمكن تبرير الجريمة بأي مستوى؛ ذلك شأن أخلاقي وإنساني بالمقام الأول. إن مسؤولية الجميع هي إنصاف الضحية، لا تبرير القتل والتستر على الجناة. وإن وزارة الداخلية هي خصم حتى الآن، حيث لا تقوم بواجباتها في إنفاذ القانون على الجناة وضبطهم لتسليمهم للهيئات القضائية. وما يحدث حتى الآن من تراخٍ في القضية، سواء عن قصد أم عن غير قصد، فهو -ضمن معطيات القانون اليمني- إخلال بواجب وظيفي من قبل الجهات الأمنية المكلفة بالقبض على الجناة، وهو إخلال يتضمن جرم الامتناع عن تنفيذ أمر قضائي، باعتبار أن أمر النائب العام بالقبض على الجناة في قضية الاعتداء بالقتل على الدكتور درهم القدسي هو أمر قضائي.
إن إضراب الأطباء واعتصامهم الأسبوعي المتواصل منذ وقوع الحادثة هو موقف مدني متقدم ومطلوب ومشرف، ويفترض بوزارة الصحة الضغط لأجل القبض على المتهمين بقتل الدكتور درهم، باعتباره يعمل ضمن الحقل الطبي وعليها حماية حقوقه والعمل لتحصيلها، وليس تهديد المضربين من أجله بالفصل من وظائفهم! يجب على الجهات الرسمية أن تتحمل مسؤوليتها وتتوقف عن اتخاذ مواقف مستنفرة ضد أدوات العمل المدني التي يلجأ لها الأطباء، والتعامل معها باستعلاء ودون أي استجابة باعتبارها عملا عدائيا، وهو موقف “متشدد” يجدر بها اتخاذه بالأصل ضد القتلة والخاطفين وقطاع الطرق، الذين يتم التفاوض معهم ومنحهم مقابلا ماديا ضخما على الجرائم التي يقومون بها، بدلاً من معاقبتهم!
[email protected]