هي مصر… ح تحارب ليه؟

هي مصر… ح تحارب ليه؟

منى صفوان
زيارة مصر هذه الأيام في موسم السخط العربي، فرصة غير متاحة دائما لحصر المبررات المصرية للموقف الرسمي الذي قوبل بهجوم عربي شرس، فمصر التي تُنطق “بكسر الميم وليس برفعها”، تمر بموقف حرج يكاد يصبح حالة مزمنة وهناك يمكنك الالتقاء بهذا الحرج في وسط البلد أو في الأوتوبيس أوقد يكون متسكعا على الكورنيش، أو جالسا إلى جوارك في “السيما”.
إنهم يشتمون مصر
“جمهورية مصر العربية” هي بحسب اسمها الرسمي عربية، برغم أن كثير من المصريين لا يعتقدون أنهم عرب، وخصوصا أنك عندما تذكر لهم مفردة “العربية” لا تخطر في بالهم الأمة العربية ولا حتى قناة العربية، بل تقفز السيارة فوراً إلى أذهانهم.
يجزمون أن سبب تأخرهم هو هذه الصبغة العربية. وأن لديهم ما يكفي من المشاكل والأزمات لإدارة ظهرهم والاهتمام بأمورهم الداخلية، فحالة مصر التي عجز أطباء وخبراء الشرق الأوسط عن علاجها، تزداد سوءاً كلما أمعنت في مراضاة العرب على حسابا مصالحهم الخاصة.
وتماشياً مع حالة السخط العربي على مصر هذه الأيام فإِن كثيراً من المصريين لا يجدون هذا السخط والهجوم مبرراً. لذلك فهم يبادرون فوراً لاتخاذ خطة دفاعية مفادها أن أفضل وسيلة له هي الهجوم، وهذا مبرر كاف لأن يقول لك أي مصري بمجرد الالتقاء به سواء كنت تعرفه أم لا: ” صباح الخير.. ازيك؟”..و”هي مصر ح تحارب ليه؟”
طبعاً لا داعي للقول إن مصر والأمة العربية تمر بمنعطف تاريخي، وهذا المنعطف كان له دور كبير لعدم حفظ الشوارع المصرية، فدائما أجدني مضطرة لإعادة وصف المكان بدقة لصاحب التاكسي لأن عدد المنعطفات “يلخبط”.
طبعا زيارتي التاريخية لمصر في هذا الوقت الحرج والحساس يمر بذات المنعطف التاريخي، وهو ظرف يبرر تماما السرد المتواصل لمشاكل مصر التاريخية والسكانية والاقتصادية والسياسية، الذي حظيت به. فكل المصريين الذين التقيهم تقريبا كرروا هذه العبارة: “إحنا حاربنا إسرائيل أربع مرات. وهي مصر لحد امتى ح تفضل تحارب عن العرب، ده ما فيش بيت في مصر ما فيهوش مشاكل، إحنا عندنا مشاكلنا، إحنا 77 مليون حضرتك، وفي بطالة وفقر إحنا ما عندناش بترول، يعني السعودية ولا الكويت ما بيحاربوش ليه؟ يعني هما يفضلوا يتفسحوا ويشربوا خمره، ويمشوا مع نسوان وإحنا نموت!”. وكمهتمة بقضايا مصر المصيرية، كان علي دائما إظهار ذات الاهتمام والتفاعل.
هذا الاهتمام كان يقودني لمناطق حوار لم أكن مضطرة لها، ولتفاصيل لست مهتمة بها أصلا. لكن مهمتي الإنسانية في مصر كانت تقتضي مساعدة إخواننا المصرين لإخراج شحنة الغضب. وفي هذا السياق كنت في حوار قصير جدا مع مخرج مسرحي و(فنان تشكيلي)، ألتقيه لأول مرة في حياتي، وكان مهتماً بضرورة تسخير الفن لخدمة بعض القضايا الحقوقية، كالعنف ضد المرأة وأشياء من هذا القبيل علي الاهتمام بها لأني هنا للمشاركة في مؤتمر من هذا النوع، وبرغم أن هذا الموضوع كان رتيباً إلا أني وجدته أفضل من موضوع “مصر ح تحارب ليه” ولكن في عز النقاش والجدل قفز فجأة ودون سابق إنذار، ورمى في وجهي ذات السؤال، لدرجة أني كدت أسأل: “من إلي قلب الصفحة”، وقال أحمد أبو النصر باستياء شديد: “العرب ليه بيشتموا مصر، وعايرنها تحارب، و بيحملهوها مسؤولية إللي بيحصل، وكأنها هي العدو مش إسرائيلـ” ولتلطيف الجو هدأ وسأل: “ما علينا. وانتوا عاملين إيه في اليمن؟”
– “برضه بنشتم في مصر” بجدية وهدوء
– ” برضه!!” وضحك.
بصراحة لدى زميلي المهتم بقضايا المرأة حق، أليس وراء العرب مهمة أخرى في هذه الحياة غير شتيمة مصر؟ ففي مصر تفاجأ دائما بعدد المصرين الذين يكرهون عبد الناصر ويفضلون السادات. طبعا نحن العرب العاربة تفضيلنا هو العكس على اعتبار السادات “خاين” وعميل، لكنك تجد باستمرار أن تشكيل المصرين النفسي والثقافي والسياسي هو تشكيل إعلامي، الإعلام هو المسيطر، ولا يخفى أن الإعلام المصري بذل جهداً مدروساً لجعل المصرين يقولون اليوم ببساطه إن السادات كان على حق فيما فعله وإن عبد الناصر ارتكب أخطاءً فادحة. وإن العرب كانوا أغبياء في مقاطعتهم لمصر وهاهم عادوا لذات النقطة التي طرحها السادات لكن بخسارات أكثر مما كان يمكن. لذلك لا يجد المصري اليوم ما يبرر رد الفعل الشعبي والرسمي العربي المضاد لمصر.
والإعلام ها هو اليوم مكرس للدفاع أيضاً عن مصر ومواقفها القومية: “وما حدش يزايد على مصر”، لكن الشارع ساخط من كل الأغاني الوطنية والقومية ومن الخطاب التعبوي، وهو منفتح أكثر نحو خطاب انغلاقي يسمح لمصر أن تدير ظهرها، وتلتفت فقط لنفسها.
إنهم يتحدثون الانجليزية
لست هنا لأحل مشاكل مصر، فكممثلة لليمن الشقيق في مؤتمر بذات العناوين النمطية ك “المرأة وتحديات العولمة”، كان علي الالتزام بنمطية نسق هذه الفعاليات والبحث معهم في الأغراض الخفية للعولمة، فلعل وعسى هناك غرض نسيناه قد نجده الآن في 2009.
هناك في قاعة مؤتمرات مكتبة الإسكندرية التحفة الفنية التي بنيت تحت سطح الأرض وهي بجوار البحر، تكتشف أن هذا مؤتمر “هوانم مصر”، طبعا الحاضرات على حد وصف زميل مصري كن جميعهن ” مزز فوق السبعين” معظمهن سيدات أعمال يتحدثن الانجليزية بطلاقة، أنيقات ومهتمات بالمظهر والجوهر ” الجواهر”.
وكانت كلمات المؤتمر غالبها بالانجليزية وكل مرة كان المتحدث أو المتحدثة يبرر فعلته بأي مبرر أحمق، كمبرر أن الدعوة وصلتني بالانجليزية والمراسلات كانت بالانجليزية وكذلك برنامج المؤتمر وزع بالانجليزية، لذا سأتحدث بالانجليزية. وهو المبرر الذي اختارته رئيسة المجلس القومي للمرأة “فرخندة حسن”.
أما مبرر هاجر الاسطنبولي وهي تقدم فعاليات المؤتمر كان لأجل الضيوف الأمريكان ممثلي إحدى الجامعات الاميريكية التي شاركت في الإعداد والتنظيم لهذا المؤتمر، و كان جواري بروفسور أمريكاني من الضيوف الذين من اجلهم سنستخدم سماعات الترجمة، كان يغط في سبات عميق طوال الوقت، بصراحة كان الموقف مؤثراً، فالجماعة ذابحين نفسهم، انجليزي وترجمة فورية ومحدش سائل. بصراحة مع مضي ساعات المؤتمر تكررت حوادث النوم للحاضرين الناطقين بالعربية والانجليزية على حد سواء” فالكل ينام في الإسكندرية”، الغريب انه عند بدء النقاش الكل يرفع يده وأولهم من كان نائما.
لقد كان أكثر المستائين من هذه الثقافة “الانجلونية”، الوفد التونسي صاحب الثقافة الفرانكفونية، فلم تتوقف هوانم مصر والعالم العربي المتحضر عن التحدث بالانجليزية حتى في المطعم، لذا كانت السيدة “رشيدة” التونسية ملتزمة برفقتي طوال الوقت تقريبا، وكانت ساخطة جدا” لماذا يتكلمون الانجليزية؟ نحن عرب لازم نعتز بلغتنا العربية”، ثم تدخل جملة بالفرنسية، وفورا تعتذر:” أسفه قلت بالفرنسي، نسيت. المهم قلت لك نحن عرب لازم نتكلم عربي “، ومرة أخرى تدخل جملة فرنسية.
– طبعا… طبعا مفهوم ست رشيدة… مفهوم.
وحده الوفد اليمني كان ملتزماً بثقافتنا العربية الأصيلة ولغتنا العربية الجميلة، طبعا لم يكن هناك من الوفد اليمني غيري، وأنا لا أجيد سوى العربية. دعوة المؤتمر كانت قد وجهت لأمل الباشا رئيسة منتدى الشقائق وبسبب ظرف طارئ وسعيد رٌشحت مكانها “كبدل فاقد”، ووجود أمل بالتأكيد كان سيقلب ميزان القوى في المؤتمر لصالح من يتحدثون بالانجليزية، ويخنق التعدد الثقافي، وما كانت “السيدة رشيدة” قد وجدت لها مرافقاً وديعا مثلي.
مع العنف.. أنا
سيكون من المجدي أن يكون مؤتمر عربي كهذا عن المرأة العربية لغته الرسمية الانجليزية، هذا بالضبط ما يسمى بالعولمة، وهذا ما قصدته “تهاني الجبالي” مفخرة مصر في القضاء، كونها أول قاضية في مصر.
كانت القاضية الأولى ضد هذه اللغة الأحادية. قالت: “يجب الاعتزاز باللغة الوطنية، أو على الأقل يكون هناك ثنائية لان هذه هي مخاطر العولمة”، كانت متعصبة للتحدث بالعربية. حقيقة لا اعرف مدى إجادتها للغات أخرى.
بكل اللغات كان هذا التجمع العربي يشجب بشدة كل أعمال العنف والتطرف التي لها علاقة بالمرأة، وكان “خلف علي الخلف”، ليس مهما أن نقول الآن من هو “خلف”، لكن من المهم أن نعرف انه واحد ممن يؤيدون العنف على المرآة، ويعتقد جازماً أن العنف خاصة البدني ضدهن يكون دائما هو الخيار الوحيد والأسلم. والسليم هنا أن شخصية كاريزمية “كخلف” لم يكن مشاركاً رئيسياً في المؤتمر، ولا حتى فرعيا ولم يتلق أي دعوة للحضور، ولكنه كان موجودا، واستطاع تمالك نفسه والانسحاب باكرا قبل تفجير قنبلة كهذه، ولكن بقي الكثير من السادة الرجال ممن يؤيدون العنف سراً ويمارسونه سرا وعلانية، في القاعة يتحفون الحاضرين بآرائهم، لأنهم تلقوا دعوات رسمية لحضور المؤتمر وتكبدوا مشقة السفر لذلك. ومنهم من كان يقمع بشدة أراء زميلاته المعنفات، فببساطة وتلقائية تسمع في هذا المؤتمر كلمة “اسكتي، وايش فهمك أنت؟” يقول أحدهم مشيرا بسبابته ومهددا لمشاركة بعينها، فتصمت كل السيدات العربيات أمام هذا العنف اللفظي الذي تكبد مشقة السفر للوصول إلى هنا. فهنا كان يدان العنف وتحدد مخاطر العمولة.
الوفد اليمني تكبد مشقة السفر ومشقة تحمل ساعات المؤتمر ليتحدث عن صعده، وقد استطرد في ورقته ودخل في الموضوع مباشرة بأرقام وحوادث، وفجأة سٌئل سؤال يكاد يكون وضرورياً للحديث عن صعده:” لو سمحتي يا استازة ممكن تقولي لنا فين صعده دي وإيه حكايتها؟”. بسهولة تذكرت أني لست في فندق صنعاء في فعالية للشقائق يحضرها الخيواني و المذحجي وبلقيس اللهبي وأمل الباشا ورشيد الفقيه الذين يعرفون من هي صعده، واضطررت أن أعيد الدرس، وقد كانوا مبهورين بهذه المعلومات الدسمة والتحليل المنطقي، لذا فمن السهل جدا أن تحصل على لقب علمي في مصر، فقد بدأت كلمتي بأستاذه وأنهيتها بـ”الدكتورة منى”، وبعد الجلسة وجهت لي دعوات باسم”الاساتذه الدكتورة منى صفوان”.
طريفة جدا الأشياء التي يمكن لها الحدوث في تجمع كلاسيكي نمطي، فمن نمطية هذه التجمعات تقليد اخذ الصور التذكارية، الكل هناك يتصور مع الكل، صديقتي الجديدة المدرسة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة مصرية من أصل حضرمي. كانت مهتمة بأخذ الصور التذكارية مع أشخاص كبار جدا في السن يبدو أنهم شخصيات ذات وزن، و ببساطة سألتها:”من هذا الذي تتصورين معه؟” ردت باستغراب لسؤالي:” وزير الاقتصاد السابق”، بربكم هل يعقل أن يلتقط اٌحد صورة تذكارية مع وزير سابق وفي الاقتصاد؟ الوفد اليمني لم يكن مهتما لأخذ أي من الصور التذكارية مع وزراء وأشخاص سابقين في الحياة لتعليقها في صالون البيت.
كان سيكون معيبا جدا ألاَّ تؤكد كلمات المؤتمر الافتتاحية أن مصر هي الرائدة في تحرير المرأة، وجزمت الكلمات أن قاسم أمين هو الذي حرر المرأة، “ولابد أنكم تتفقون معي أن مصر بنهضتها الفكرية هي من حررت النساء العربيات”، بعد أن يقول المحافظ ذلك أكاد اجزم أنكم تتفقون معي انه لن “يجزم” أو يجرؤ احد على الاختلاف معه.
من المفروغ منه القول إن ما كان يدور في قاعة المؤتمر كان مقطوع الصلة بما يحدث خارجها في كل المشافي العربية وأقسام التوليد خصوصاً، وفي المدارس العربية وفصول البنات أساساً، في المواصلات العامة و المؤسسات والدوائر الحكومية عموماً.
شخصيا لم يكن الوفد اليمني يعنيه الأمر كثيرا، لا داخل المؤتمر ولا خارجه، وكان عليه احتمال هذه الثلاث الأيام الثقيلة للخلوص بعدها لاسترخاء الإسكندرية الساحرة، ويمدد إقامته. وبرغم التمديد إلا أن الوفد تورط بعد ذلك في صدام عنيف مع حزب “مصر ح تحارب ليه؟” فكان عليه التفكير جديا بقطع هذا الوقت المريح جدااااااااااا والعودة فورا لليمن، لكن مازال السؤال مدهشا فعلا: ما الذي يضطر مصر لخوض الحرب مجددا؟.