ذكرى التصالح والتسامح.. بين السلطة والحراك

ذكرى التصالح والتسامح.. بين السلطة والحراك


* شفيع محمد العبد
كعادتهم ومنذ انطلاق حركة التصالح والتسامح الجنوبية لم يفوّت أبناء الجنوب موعدها للاحتفاء بها على طريقتهم الخاصة المعبرة عن رفضهم للواقع المفروض منذ حرب صيف 94 الظالمة التي اجتاحت الجنوب وأحالته إلى ضيعة تتبع الحاكم يتصرف فيها كيف يشاء ويوزعها عطايا وهبات لمن يريد، دون اكتراث بمعاناة أهل الأرض وأوجاعهم ووجودهم خارج نطاق السلطة والثروة.
13 يناير كان يحمل لنا ذكرى مأساوية لكنه بفضل حركة التصالح والتسامح التي انطلقت من مقر جمعية “ردفان” الخيرية بعدن، لتعم أرجاء الجنوب قاطبة، أضحى بمثابة عيد يتبادل فيه أهل الأرض المقهورة التهاني والتواجد في سيدة المدن “عدن” لما تمثله من ارتباط وجداني وتأريخي وسياسي.
هاهي الذكرى الثالثة وهاهم أبناء الجنوب وهاهي عدن تفتح ذراعيها حاضنة لهم، ليعبروا عن فرحهم بالمناسبة العظيمة التي لا تصنعها إلا الشعوب الحيًّة القادرة على تحويل ذكرى الألم لموعد مع التصالح والتسامح نحو مزيد من التضامن والتلاحم.
جاءوا من كل حدب وصوب، يدركون بأن الآلة العسكرية لسلطة الحرب والفيد ستكون في الموعد لتمارس شتى صنوف القهر والتعذيب والاعتقال وإطلاق الرصاص الحي والمًُّسيل للدموع، ولكنهم لم يأبهوا لذلك ولم يحسبوا حساباً لشيء من هذا القبيل، لهم هدف واحد: ممارسة حقهم في التجمع السلمي والتعبير عن معاناتهم ومطالبتهم باستعادة الأرض والثروة.
ساحة “الهاشمي” بالشيخ عثمان هي مكانهم الدائم بعد وقوع ساحة “الحرية” تحت براثن الأطقم العسكرية والمدرعات والأشاوس. توافدوا إليها وبدءوا في ممارسة طقوسهم السلمية وترديد أهازيجهم، كل ذلك لم يعجب سلطة الحرب والفيد التي أوعزت لأشاوسها بممارسة صلاحياتهم والخروج عنها والتنكيل بالجميع بلا استثناء: اعتقلوا، قمعوا، جرحوا، وبدم باااااااااارد.
لم تستفد السلطة المعادية للتصالح والتسامح وللنضال السلمي من تجارب الماضي القريب، حيث مارست شتى صنوف التعذيب والاعتقال والقتل في فعاليات الحراك السلمي الجنوبي. مُتوهًمة كما يصور لها مستشارو السوء بأن أفعالها القمعية العدوانية ستكسر الإرادة الجنوبية أو ستوهن منها. هاهي الأًّيام تثبت ومن واقع التجربة المعاشة ان الحراك الجنوبي يزداد شعبية برغم ما يتعرض له من بطش سلطوي مُقيت.
بدلاً من الاقتراب من القضية الجنوبية وملامستها ومعالجتها، ذهبت السلطة في تماديها للبعيد، وفي المقابل ذهبت القضية الجنوبية في مطالبها للأعلى فما كان يمكن قبوله في ذكرى التصالح والتسامح الأولى بات اليوم مستحيلاً كون الهدف بات أكبر و أسمى.
وبما إننا في حضرة التصالح والتسامح فإنه لزاماً على الحراك الجنوبي تقييم التجربة والوقوف على ايجابياتها وسلبياتها وطرح السؤال الأكبر: هل فعلاً حققت حركة التصالح والتسامح أهدافها التي قامت من أجلها؟ وهل فعلاً تمثّل الحراك قيم التصالح والتسامح؟
أسئلة ليس من المعيب طرحها والبحث عن إجابة لها، على أن المعيب حقاً مرور سنوات التصالح دون تجسيد قيم التصالح واقعاً معاشاً.
هاهي الذكرى الثالثة تأت في ظًّل تعدد للهيئات وتسابق على الزعامة، حتى الشباب المعقود عليهم الأمل في تكريس وحدة الصف ليكونوا بمثابة همزة الوصل بين الجميع، هاهم يتسابقون نحو إعلان هيئات شتى فبدلاً من وجود مجلس واحد يمثلهم مجلس تنسيق الشباب والعاطلين عن العمل ذهب البعض وفي إطار بحثه عن الزعامة للإعلان عن كيان جديد.
كلام قد يغضب البعض وقد يؤوله البعض على هواه وقد يُخرجني البعض من دائرة الحراك الجنوبي ويتهمني ب “الخيانة العظمى”، لكنه من الضرورة بمكان تكرار القول: إن الخوف على الحراك الجنوبي ليس من السلطة بقدر ما هو من أطراف داخل الحراك ذاته. السلطة لا خوف منها بدليل مواجهة أبناء الجنوب لقمع السلطة ورصاصها بصدور عارية وبإرادة فولاذية.
في ذكرى التصالح والتسامح علينا أن نبحث في الأسباب، ونضع الحلول، وأن ننبذ الخلافات التي ستعصف بأصحابها، كون القضية الجنوبية ستبقى حيًّةً وإذا فشل جيل الحراك في تحقيق النصر لها سيأتي جيل يقوم بالدور المطلوب على أكمل وجه، لذا على الجميع تغليب المصلحة العامة للقضية الجنوبية كوننا في مرحلة مغارم، ولا مغانم نتسابق من أجل الفوز بها سوى التضحية والتضحية فقط. لذا ضحًّوا بخلافاتكم من أجل الجنوب، وتجسيداً للتصالح والتسامح، فهل أنتم فاعلون؟