وُلِد الإنسانُ حراً…

وُلِد الإنسانُ حراً…

إلهام مانع
هل هناك نموذج إسلامي لحقوق الإنسان؟
أسألكم وأنا أدري أن بعضكم سيهز رأسه تلقائياً بالإيجاب، يؤيد، وهو بالفعل مصدق أن هناك، حقاً، نموذجاً إسلامياً لحقوق الإنسان.
 يقول ذلك وهو مطمئن.
يقوله مبتسماً… مرتاح الضمير.
يقول ذلك وهو في الواقع لا ينوى الأذى لغيره.
فما يقوله يعكس قناعة دأبت مناهجنا المدرسية على غرسها في عقول أجيالنا، وزاد الإسلام السياسي فأضفى عليها شرعيته، تقول لهم إننا سبقنا العالم في كل شيء، وحقوق الإنسان أولها.
وهو، الساعي إلى التفكير، لا يجد متسعاً للتفكير، فيصدق.
أطرح السؤال لسبب.
أطرحه لأنني أجد بعض الأصوات ترتفع، خاصة في المحافل الدولية، تقول “نموذج الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نموذج غربي، لا يتفق مع ثقافتنا، وهو نموذج فرضه الغرب علينا، ولذلك لا نقبل به. ما نريده هو نموذجنا الإسلامي لحقوق الإنسان”.
سمعت هذا الرأي آخر مرة من إحدى الحاضرات في ندوة “حقوق المرأة والطفلة في الإسلام”، التي نظمتها مؤسسة جنيف لحقوق الإنسان بالتعاون مع معهد القانون العام في جامعة برن يوم 25 نوفمبر الماضي، ودُعيت لإدارة إحدى حلقات النقاش فيه.
وأطرحه لأنني أجد دوما حرجاً من الجانب الأوروبي، السويسري في هذه الحالة، في وضع النقاط على الحروف.
يجدون حرجاً في لفت الانتباه إلى مواضع الجرح المستمر في حقوق الإنسان، ومن بينها حقوق المرأة، التي تجري في بلداننا العربية، وتبررها حكوماتنا المصونة في تحفظاتها تحت شعار “كل ما لا يتفق مع نصوص الشريعة في قوانين حقوق الإنسان واتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة لن نطبقه”.
ومادام ذلك التحفظ قائماً، فالأحرى أن تجمع حكوماتنا كل المواثيق الدولية التي وقعت عليها (بتحفظ)، تجمعها، ثم تمزقها، ثم تنثرها في الهواء هباءً.
كلمات على ورق لا تعني لمن وقع عليها في الواقع شيئاً! 
ولذلك أطرح عليكم السؤال من جديد: هل هناك نموذج إسلامي لحقوق الإنسان؟
البعض سيرد: “بالطبع هناك نموذج إسلامي لحقوق الإنسان. كل ما عليك فعله هو أن تطلعي على الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان لعام 1981، وإعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام لعام 1990”.
وفي الواقع أُصر أنا في المقابل على من يريد أن يجد إجابة موضوعية وشافية للسؤال أن يرجع إلى هذين الإعلانين، المتوافرين على شبكة الإنترنت، يقرأهما بتمعن، ثم  يقارنهما بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والذي نحتفل بالذكرى الستين لإصداره يوم العاشر من ديسمبر الجاري.
إذا فعلتِ ذلك ستجدين أن هناك فرقاً جوهرياً حاسماً بين المواثيق التي تسمي نفسها إسلامية، والميثاق العالمي لحقوق الإنسان؛ فكل تلك المواثيق، تماماً كتحفظات حكوماتنا المصونة، تصر على أن الشريعة هي المحددة لمفهوم حقوق الإنسان.
كلها.
بكلمات أخرى، ما يتعارض مع الشريعة، ليس “حقاً إنسانياً” من وجهة نظر إسلامية.
ولأن تلك المواثيق تعتمد على تفسير كلاسيكي للإسلام، فإنها في الواقع لا تجد غضاضة في أن تنسف جوهر مفهوم حقوق الإنسان من أساسه.
لذلك نجد أن حرية الرأي: أن تقول ما تؤمن به دون خوف، حرية المعتقد، أن تؤمني بما تريدين دون إرهاب، 
 وحرية تغيير المعتقد، أن تغير دينك دون خوف من عقاب، والمساواة أمام القانون بغض النظر عن الدين،  أن تدينين بما تريدين وتتمتععين بالحقوق نفسها، والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات داخل الإسرة، ألاَّ يمارس أحدهما وصاية على الآخر، ثم لا يتمتع أحدهما بحقوق أكثر من الآخر… كل هذه الحقوق، تتعامل معها تلك المواثيق بعبارة “المحدد هو الشريعة”.
والمحصلة، أنها لا تزال تقدم تفسيراً إسلاميا قروسطياً لحقوق الإنسان يعتبر أن تلك الحقوق هي في الواقع: مزايا يتمتع بها المسلم، لا غير المسلم، والرجل، لا المرأة.
ولأنها كذلك، يكون من الصعب الحديث عن مواثيق إسلامية لحقوق الإنسان ما دامت الأخيرة تصر على تعريف الإنسان بأنه مسلم ذكر!
هذه واحدة.
الثانية، وهي الأخرى محورية، أن تلك المواثيق تعتبر أن “واجبات الإنسان تجاه الله لها الأسبقية على حقوقه”!
انتبهوا كثيراً لهذه العبارة؛ لأنها في الواقع المحك الأساسي الذي يجعل من المواثيق الإسلامية مشاريعاً غير “عالمية” ولا “إنسانية”.
بكلمات أبسط، ما يقوله الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان في مقدمته، (مادة “ف”)، عندما يصر على أن واجبات الإنسان تجاه الله لها الأسبقية على حقوقه، هو: “بالطبع للإنسان حقوق، لكن عليه أولا أن يؤدي واجباته أمام الله كي يتمتع بها”.
وسؤالي هنا، وهو نفسه أكرره كل مرة، ويظل رغم ذلك مزعجاً ككل مرة:
ماذا لو لم يطبق الإنسان واجباته أمام الله؟
ماذا لو قرر أنه لا يريد أن يصلي؟
ماذا لو قرر أنه لا يريد أن يؤمن؟
وماذا لو قال: أنا في الواقع أدين بالبوذية؟!
وماذا لو قرر أنه يريد أن يتحول من الإسلام إلى المسيحية؟ ثم قرر بعد ذلك أن يترشح ليكون رئيساً للجمهورية؟
لو فعل ذلك، ووفقا لبنود ذلك الإعلان الإسلامي، فإنه لن يتمتع بحقوق الإنسان.
لم يعد إنساناً وفقاً لرؤية ذلك الإعلان.
فالإعلانات الإسلامية، ببساطة، لا تحمي الإنسان.
ثم لا تحمي حقه في أن “يكون كما يريد”.
الإنسان،
هكذا،
مجرداً،
ليس ذكرا،
ليس أنثى،
لا يهم دينه.
لا يهم لون بشرته.
لا يهم عرقه.
ثم لا يهم نوعه.
هو إنسان وكفى.
هو إنسان وكفى.
ترى لمَ نجد صعوبة في قبول الإنسان كما ولدته أمه؟
وهنا يكمن الفرق بين تلك الإعلانات الإسلامية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة يوم العاشر من ديسمبر 1948.
هنا يكمن الفرق الجوهري.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يميز بين البشر. لا يقول: “نعم” ثم يردفها بـ”لكن” تنسف مضمونه.
يتعامل معهم كما ولدتهم أمهاتهم لحظة خروجهم إلى الحياة.
كما ولدتهم أمهاتهم!
كل طفل يولد هو إنسان.
ولأنه إنسان، فهو يتمتع بالحقوق التي حددها في إعلانه، لا لشيء سوى لأنه خرج إلى الحياة كإنسان.
“يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق”.
تلك هي المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وأسألكم بكل غالٍ عليكم: ما الذي يجعل من عبارة كهذه، إنسانية في الصميم، عادلة، تقطر محبةً وخيراً؟ ما الذي يجعلها مفهوماً غربياً، لا يصح أن نطبقه في مجتمعاتنا العربية؟
عالمية هي، وإنسانية.
ليست إسلامية، وليست مسيحية، كما أنها ليست يهودية.
ليست أمريكية، وليست صينية، كما أنها ليست سعودية.
في الواقع لا دين ولا وطن لها.
لا دين لها سوى احترام كينونة الإنسان، إرادته، ثم عقله.
ووطنها لذلك هو الإنسانية نفسها.
ولذا أعود إلى سؤالي الذي بدأت فيه مقالي: هل هناك نموذج إسلامي لحقوق الإنسان؟
إجابتي هي: لا. لا يوجد. فمادام ذلك النموذج لا يحترم الإنسان، مجرداً، كما هو، ثم لا يحترم إرادته، وبالتالي عقله، فإنه لا يصلح مرجعاً لحماية الإنسان.