عبدالحميد الشعبي – عضو المكتب العسكري للجبهة القومية: (الحلقة الأخيرة)

عبدالحميد الشعبي – عضو المكتب العسكري للجبهة القومية: (الحلقة الأخيرة)

* في 22يونيو 1969 رفض فيصل مطالب ضباط وقادة عسكريين باعتقال الجماعة اليسارية المتطرفة
* اتصلت بفيصل إلى المستشفى مهنئاً بتعيينه رئيساً للوزراء فقال لي: كسروا ظهري
* علي عنتر اعترض على محاكمة الأخ غير الشقيق لفيصل عبد اللطيف وقال: يكفيكم فيصل
 
شكر وترحيب بتعليقات القراء
يحفل تاريخ اليمنيين بالمركزيات التي ترقى في بلد متأخر حضارياً، كاليمن، إلى مستوى المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها، وإذا تجرأ أحد فقرر تفكيكها أو التمحيص فيها أو تقديم رواية مغايرة فعليه أن يتقبل تبعات هرطقته ومغامرته. وعلى مدى الأشهر الماضية تلقت «النداء» رسائل بريدية واتصالات هاتفية من أشخاص ساخطين تعرِّض بمصداقية عبدالحميد الشعبي، وتنبه الصحيفة إلى تحيزاته وأحكامه المسبقة.
كما أن شخصيات لعبت دوراً في محطات مهمة في الجنوب، اضطرت فيما يشبه نفاد الصبر، إلى إبلاغ «النداء» عتبها، بأكبر قدر من الاحترام، لافتة إلى تجاوزات في شهادة الاستاذ عبدالحميد، وأحياناً إلى هنات في أداء الصحفيين اللذين حاوراه كأن تتضمن أسئلتهما إيحاءات تقصد الإساءة إلى شخصيات قيادية في الجبهة القومية، وتالياً الحزب الاشتراكي.
وكم كان مشوقاً أن نستمع فور نشر الحلقة الاولى إلى شخصيات نكن لها كل الاحترام، تنصح بالتدقيق في الحلقات اللاحقة لأن الضيف يضمر ثأرات للعديد من القيادات الوطنية.
ويبقى أن قراء عديدين في الداخل وفي خارج اليمن (عبر موقع «النداء») أرسلوا ما يفيد اهتمامهم بشهادة الضيف، مثمنين لـ«النداء» اجتهادها في تقديم زاوية مغايرة للنظر الى تاريخ الجبهة القومية، لم تكن متاحة من قبل جراء سطوة الرواية الرسمية وثباتها رغم الزلازل التي حدثت في «الجنوب اليمني» خلال العقود الثلاثة الماضية.
والحال أن أسرة «النداء» تفهمت مخاوف وانفعالات البعض، كما تقبلت برحابة تعريض البعض الآخر بالصحيفة وبضيفها،  واعية بأن الرواية التي تخرج عن التاريخ الرسمي، توجع قدر ما تضعضع، وبسبب انشقاقيتها تتجلى حادة وعدائية ومتطرفة مهما توخى صاحبها الموضوعية أو الدقة.
مهما يكن، فإنه لا يسعنا في ختام هذه الشهادة، إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل للاستاذ عبدالحميد الشعبي، الذي رحَّب بنشر شهادته في صحيفة «النداء». وخليق بنا، من باب الانصاف، الإشارة إلى حرصه على التزام حدوده، خصوصاً تأكيده، على الدوام، بأنه رجل عادي ساهم من موقعه التنفيذي في أداء واجبه الوطني، دون أن يزعم لنفسه دوراً قيادياً في مختلف المراحل.
«النداء»، كما الاستاذ عبدالحميد الشعبي، ترحب بأي تعليق أو رأي على الحلقات، آملة أن يكون التعليق أو الرأي ملتزماً الموضوعية ومحترماً الحق في الاختلاف.


أسرة «النداء»
 
> البعض كان يطرح أن فيصل عبداللطيف أخطأ عندما انحاز إلى قحطان الذي كان يدير الأمور بشكل انفرادي؟
– هذا كلام غير صحيح. أولا, قحطان لم يدر الأمور بشكل انفرادي وسوف أذكر دليلا على ذلك أورده عبدالملك إسماعيل حينما نشر عدة مقالات في صحيفة “الأيام” بعد الوحدة، حيث قال: “كنت عضوا في اللجنة الخاصة بتصفية وتسريح الجهاز الإداري والجيش التي تشكلت نتيجة مطالبات البعض، ولم أكن موافقا على ذلك. كذلك قحطان كان له رأي مخالف ولم يوافق إلا أنه أجبر تحت مسمى
الخطوة التصحيحية على الموافقة على التسريح”. وهذه شهادة تؤكد أن قحطان لم يكن يتعامل بصفة فردية ولو كان سمح له باتخاذ القرارات منفردا لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه ولما سمح لأولئك
المتطرفين بممارسة كل ذلك العبث والصلف الذي قاد الشعب في الجنوب إلى المجهول. وبالنسبة لفيصل فالوقائع تثبت أنه وقف إلى صف عبدالفتاح وسلطان أحمد عمر والخامري وغيرهم من جماعة اليسار أكثر من وقوفه إلى جانب قحطان، وقد دفع حياته ثمنا لذلك.
> في مارس 68 تركت الصبيحة متوجها إلى عدن, هل رتب وضعك؟
– تقرر تعييني مسؤولا على مناطق المعلا وخورمكسر وكريتر في التنظيم، وفي أبريل 68 عينت في الهجرة والجوازات كنائب لمساعد المدير العام لفترة اختبارية مدتها عامان.
 > هل حصل أبناء الصبيحة على مناصب مدنية أو عسكرية رفيعة في الدولة؟
– لا. الحساسية من موضوع المناطقية والتي بدأت  مع انطلاق الثورة انتقلت إلى ما بعد الاستقلال وبالتالي لم يحصل أبناء الصبيحة على مناصب كبيرة أو رفيعة، لا في الجيش ولا في السلك المدني.
> علي محمد سالم الشعبي ألم يعين مسؤولا على الأمن بعد الاستقلال؟
– لا. كان مسؤولا على أمن الجبهة القومية أثناء الثورة المسلحة وبعد الاستقلال عين سفيرا في الصومال.
> أنت عينت في موقع متواضع وعلي الشعبي سفيراً في الصومال رغم دوركما أثناء الكفاح المسلح…؟
– أنا شخصيا لم أكن أتطلع للحصول على منصب. حتى تعييني في الهجرة والجوازات فقد جاء بناء على طلب من محمد علي هيثم وزير الداخلية. ولم يحدث أني طالبت بذلك يوما ما. بالنسبة لعلي محمد سالم فقد أعاد بعض الإخوان طرح التهم التي وجهت إليه في تعز من أنه يراقب شباب الجبهة القومية. وفي تعز حاولت مخابرات صلاح نصر إزاحته من مكتب الأمن وإحلال عبد الفتاح إسماعيل محله إلا أن قحطان رفض، لكن بعد الاستقلال تغير الأمر كما يبدو وتمت الموافقة على تعيينه سفيراً في
الصومال.
> علي الشعبي لعب دورا أثناء الكفاح المسلح في حماية الجبهة القومية من الاختراقات وأنت أيضا كان لك دور مماثل, هل ترى أن إبعادكما من المناصب الحساسة في الأمن والجيش كان له علاقة بما حدث لقحطان وفيصل فيما بعد؟
– أولا, قحطان وفيصل لم يكونا مغرمين بالسلطة إلى الدرجة التي يمكن معها إحاطة نفسيهما برجال أو قوى معينة توفر لهما الحماية والديمومة، ناهيك عن الأقارب. وثانيا, لو أن البقاء في السلطة كان يمثل لهما شيئا مهما لوافقا فوراً على طلبات قيادات الجيش والأمن باعتقال أو تصفية تلك المجاميع التي عملت على إسقاط السلطة وإثارة القلاقل منذ اليوم الأول للاستقلال، وكان ذلك كفيلا بالسيطرة على السلطة والبقاء فيها. بالنسبة لعلي الشعبي يجوز أنه كانت هناك أطراف ترى أن وجوده في عدن يشكل خطرا عليها فضغطت على القيادة لإبعاده. لكن في
المحصلة النهائية لم يكن هناك قلق على السلطة يراود قحطان وفيصل، هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى يمكن القول أن علي الشعبي ظلم بتعيينه سفيراً في الصومال.
> ماذا عن موضوع الوحدة مع الشمال, هل طرحت فكرة التوحد بعد الاستقلال؟ كيف برر قحطان أو فيصل إعلان دولة جديدة في الجنوب بدلا من الوحدة مع الشمال؟
– ما حدث في 5 نوفمبر 67 اعتبر انقلابا ضد النظام الجمهوري، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت صنعاء محاصرة من قبل الفلول الملكية التي وصلت إلى مشارف صنعاء، وحصار السبعين يوما دليل على ذلك، فكيف إذاً تكون الوحدة مع صنعاء وهي محاصرة!!؟
> ذكرت أن الصراع في الجنوب لم يتخذ شكلاً قبلياً، لكن ما حصل بين سالمين وآل شداد في جعار في مايو 68 يؤكد عكس ذلك؟
– عندما فشلت مجموعة اليسار المتطرف أو عناصر الجيب التنظيمي المزروع في الجبهة القومية في الوصول إلى تنفيذ ما طلب منهم في عدن اتجهوا إلى محافظة أبين وتجمعوا في مدينة جعار لزرع خلافات بين سالمين وآل شداد، حاولت الجبهة القومية والسلطة أن تتدخل لحقن الدماء بإرسال وفود إلى مكان الصراع, أتذكر ممن كانوا ضمن الوفود: محمد سليمان ومحمد صلاح وعلي ناصر محمد ومحمود عشيش وفارس ناصر. وعندما وصلوا إلى منطقة جعار والتقوا بالمجموعة اليسارية المتمردة عرضت عليهم بيانا ليوقعوا عليه، وفي البيان وجهوا إدانات للسلطة, فرفضوا وعادوا إلى عدن وعاد معهم عبده كمراني الذي تم احتجازه هناك لرفضه التوقيع على البيان المذكور. وبعد عودتهم حدث الصراع الدامي بين آل شداد وسالمين. وأصدرت القيادة العامة للجبهة القومية بعد ذلك تعميما إخباريا موجزا عن موقف المنشقين والحوار الذي أجري معهم جاء فيه أن بيان جعار قد جاء ليحدد موقفا علنيا لمجموعة من عناصر القيادة العامة كانت تمارس قناعاتها خارج الأطر التنظيمية. وأشار البيان إلى اتخاذ عناصر تلك المجموعة (قرارات انفرادية) باستصدار قوانين تأميم في حضرموت للمنازل والسينما الصيفية الأمر الذي أضر بالاقتصاد الوطني, بالإضافة إلى رفضهم تحمل مسؤوليات إدارية كانت ستوكل إليهم مثل سفراء وغيرها، وحاولوا تفجير الموقف في 3مايو 68 في مدينة الشعب بعدن والذي كاد يقود إلى صراع دموي رهيب, وإنزالهم تعميما للمجاميع التي تقع تحت مسؤولياتهم، وضبط ذلك التعميم الداخلي الذي أعده سلطان احمد عمر قبيل مغادرته إلى الشمال، وفي هذا التعميم تم تصنيف قيادة الجبهة القومية السابقة، إذ كانوا يعتبرون أنفسهم القيادة الجديدة للجبهة، بأنها مجموعة ذات انتماءات طبقية برجوازية وأنها مرتبطة بالامبريالية، وتم توزيعه على مناطق حددت لإعلان التمرد، وهي: حضرموت, جعار, والضالع.
لقد قررت هذه المجموعة مواجهة النظام وإسقاطه بالحرب الشعبية الزاحفة من الريف، وقد أصدرت بياناً قالت فيه إن المناطق الريفية تم إسقاطها ولم يتبقَّ سوى المحافظة الأولى (عدن). كما أخذت تستدعي عناصر من القيادة العامة لتلحق بها للتشاور. وعندما كان يصل إليها العضو تعرض عليه البيان للتوقيع، وإذا رفض تقوم باحتجازه كما حدث مع عبده كمراني.بالنسبة للبيان الذي أنزلته تلك المجموعة وقالت إنه صادر عن أغلبية القيادة العامة وعددهم 14 في بيان جعار و18 في بيان حضرموت، مع أن القيادة العامة مكونة من 41 عضوا، فقد تبين لقيادة الجبهة القومية أن أسماء عديدة زج بها في البيان دون موافقتها، منهم: علي ناصر محمد والحاج صالح باقيس وسالمين وعلي عنتر والزومحي وصالح مصلح وعلي مقبل وعائدة يافعي وفضل محسن عبدالله وعبدالفتاح إسماعيل الذي أعلن بعد عودته من بلغاريا أن اسمه أدرج رغم عدم موافقته، وأوضح ذلك في بيان خاص نشرته صحيفة “14 أكتوبر”. لكني هنا أشك في أن عبدالفتاح كان غير موافق؛ فقد عاد من بلغاريا إلى تعز حيث تتواجد تلك المجموعة ولم يعد إلى عدن، وبعد نشره لذلك التوضيح ذهب إليه فيصل وأنزله إلى عدن وذلك في أغسطس 68.
وأكد التعميم الإخباري الذي أصدرته القيادة العامة للجبهة القومية أنه تم اكتشاف بعض الوثائق التي تؤكد أن سلطان احمد عمر وعبد الله الأشطل عملوا
على زرع جيب تنظيمي في تنظيم الجبهة القومية يعمل بسم التنظيم الطلائعي الثوري. وعند انسحابهم (أي جماعة 14 مايو) من جعار إلى شمال اليمن أجروا اتصالات مع السفارات في الحديدة وصنعاء وتعز لطلب أسلحة لشن حرب تحرير شعبية لإسقاط
النظام في عدن، ومن تلك السفارات سفارات يوغسلافيا, الصين، وروسيا، وكان موقف تلك السفارات واضحا بالرفض والاستغراب من هذا الموقف، وقالت لهم إنها تقف إلى جانب النظام في الجنوب ووجهت لهم النصائح لفهم التناقضات الأساسية في الواقع اليمني غير أنهم أصروا على الاستمرار في الخط المرسوم لهم.
> ذكرت في إحدى الوثائق  أن عمر الجاوي في حديث صحفي أجري معه  أشار إلى ملامح الصراع والقوى التي وقفت خلفه…؟
– كان النصف الثاني من عام 67 صعبا للغاية. لقد استغل أولئك الأشخاص ثقة قيادة الجبهة القومية وقاموا بصب الزيت على النار بهدف إدخال الجبهة
القومية في حرب أهلية مع جبهة التحرير، وسعوا للكيد والدس والتشهير في أوساط القوى الوطنية الفاعلة لضرب الثورة ومن خلفها الوطن برمته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى سعوا للسيطرة على قيادة الجبهة القومية تحت شعارات يسارية طفولية فزرعوا تنظيما داخل الجبهة بسم “تنظيم الثورة الطلائعي”. على الرغم من أنهم صورحوا قبل الاستقلال عما إذا كانت لديهم توجهات أو مواقف مخالفه استنادا إلى وقائع ارتكبوها فأنكروا ذلك.
 الأستاذ عمر الجاوي قال في حديث صحفي مع الحارس بتاريخ 1مارس 71 إن الاستعمار والرجعية كانوا يريدون بهزيمة 5 حزيران 67 أن تكون هزيمة لكل إقليم عربي حتى في التفاصيل, ومن الصعب جدا أن نتوقع أن الاقتتال الذي افتعل في دار سعد والمنصورة وغيرها من 3-6 نوفمبر 67 (يقصد الاقتتال الأهلي) جاء بالصدفة.
> متى تولى فيصل عبداللطيف رئاسة الوزراء؟
– في ابريل 69 عرض فيصل عبداللطيف الشعبي مقترحا على عبدالفتاح إسماعيل بأن يكون رئيسا للوزراء فرد عليه قائلا: إذا قبلت ذلك فسأكون أصغر رئيس
وزراء في العالم, وقد طرح المقترح على القيادة العامة وكانت الأغلبية المطلقة ترفض أن يتولى عبد الفتاح رئاسة الوزراء, وقد أجبروا فيصل على القبول بالمنصب. وبينما كان مريضاً في مستشفى الجمهورية صدر قرار بتكليفه تشكيل حكومة. اتصلت به إلى المستشفى الجمهوري مهنئاً, فقال لي: لقد كسروا ظهري بهذا التكليف. وقبل أيام قليلة من 22يونيو 69 خرجنا من منزلة بعد صلاة العصر في طريقنا إلى لحج, وفي الطريق قال: سأدخل في مغامرة, سأقف على فوهة بئر عميقة وسأرمي بنفسي إلى قعرها, إما وصلت حياً أو ميتاً. لم أناقشه ولم يشرح لي هو ما هي المغامرة.
> هل جرت اتصالات بقوى من خارج الجبهة القومية للمشاركة في الحكومة الجديدة؟
– كانت هناك عناصر من خارج الجبهة القومية مشاركه في الحكومة.
> من هي الأطراف التي كانت تقف في صف قحطان وفيصل؟
– محمد علي هيثم وعلي ناصر محمد. وهناك عناصر كثيرة كانت تقف إلى جانبهما.
> في الأيام السابقة على 22يونيو 69 هل كان لدى قحطان وفيصل توقعات بما حدث بعد ذلك؟
– ابدا. لم تكن هناك توقعات. الوضع كان متوترا لكن لم تكن هناك أية مؤشرات لحدوث تصفيات جسدية للقيادات الأولى في الجبهة والسلطة.
> ماذا حدث بالضبط يوم 22 يونيو 69؟
– كان محمد علي هيثم قد أقيل في بداية يونيو 69 تحت مبرر أنه تدخل في أمور تخص وزارة الخارجية, وكان تدخله كاجتهاد منه بحسن نية معتقداً أن ذلك يخدم المصلحة الوطنية. كان بالإمكان حل هذا الإشكال البسيط لكن العناصر المتآمرة على الثورة وعلى رأسها نايف حواتمة استغلت ذلك لتوسيع الخلاف ما بين محمد علي هيثم وقحطان. عقدت القيادة العامة للجبهة القومية اجتماعا استمر لمدة 5 أيام متواصلة ابتداء من 18 يونيو إلى صباح 22 يونيو. وقدم مقترح للتحضير لعقد مؤتمر عام للجبهة القومية وحينها اعتقد فيصل عبداللطيف أن عبد الفتاح إسماعيل يريد منصباً, لا أكثر ولا أقل, كما حدث في السابق حينما عين أميناً عاماً للجبهة القومية من قبل مخابرات صلاح نصر بعد عملية الدمج القسري بدلا من قحطان, فقرر (فيصل)  تقديم استقالته من رئاسة الوزراء وأقنع قحطان الشعبي بتقديم استقالته من رئاسة الجمهورية وكانت الأغلبية المطلقة من أعضاء القيادة العامة تقف إلى جانبهما, وكان فيصل يثق أن عبدالفتاح إسماعيل لا يتمتع برؤية سياسية ولا بالكفاءة لإدارة الدولة وأنه لا يمثل إلا نفسه ومجموعة  صغيرة تؤيده ليس لها تأثير في مجرى الأحداث.
> أين كنت في ذلك اليوم؟
– في عدن.
> هل التقيت فيصل؟
– نعم. لقد بلغني في نفس اليوم أن فيصل عبد اللطيف ترك اجتماع القيادة العامة للجبهة القومية وغادر إلى منزله في خور مكسر, فتوجهت إليه وسألته عما حدث. قال لي:  سلمناهم السلطة وسنتعاون معهم إذا ما احتاجوا إلينا. جلست معه عدة دقائق وعدت إلى منزلي الذي لا يبعد سوى مئة وخمسين متراً عن منزله, وفي الطريق تذكرت ما قاله لي من أنه سيدخل في مغامرة وسيقف على حافة بئر عميقة وسيرمي بنفسه إلى قعرها, فقلت لنفسي هذه هي المغامرة وهي فعلاً بئر عميقة.
> هل زاره أحد غيرك؟
– نعم. بعد نزوله ذلك اليوم إلى منزله حضر إليه علي عبد العليم وخالد عبد العزيز وسيف الضالعي وأحمد صالح الشاعر وتوفيق عوبلي وعلي عوض وعبد الله عقبة. وقد تداولوا ما حدث, ووجهوا في اليوم نفسه إلى أعضاء القيادة العامة للجبهة القومية جاء فيها: “نظرا للأزمة التنظيمية والسياسية في البلد الأمر الذي ينذر بخطر كبير قد يذهب ضحيته العديد من المواطنين الأبرياء ويهدد تنظيم الجبهة القومية ذاته فإننا نتبنى الرأي الذي طرح يوم 19يونيو 69 بأن الأزمة لا يمكن تجاوزها شرعياً إلا من خلال عقد مؤتمر يتم سريعاً, وإننا نطالب بذلك ونقترح أن يكون جدول أعمال المؤتمر بالشكل التالي: مناقشة أزمة التنظيم وتجربتنا في السلطة منذ الاستقلال وإقرار لوائح داخلية للتنظيم, مناقشة وإقرار مشروع الدستور (وهذا معد وجاهز من قبل المتشارية), مناقشة الخطة الاقتصادية (وهذه معدة وجاهزة من المستشاريه)، وإننا نطالب لتحقيق ذلك بتكوين لجنة تحضيرية تعد لذلك سريعا”.
ولثقة فيصل عبداللطيف بعبدالفتاح إسماعيل طلب بأن تسلم المذكرة إليه, ولم يكن يعلم أن عبد الفتاح إسماعيل, الذي كان  يزوره يوميا في منزله منذ أن أعاده من تعز, قد أتخذ موقفا عدائياً وتآمرياً يهدف إلى إسقاط السلطة. بل أن ثقته  بعبد الفتاح قد أوصلته إلى قعر البئر جثة هامدة كما توقع هو نفسه. وبعد تحديد إقامته في منزله فوجئ فيصل الشعبي بسرية من الجيش تنصب خيمة أمام منزلة وقد طلب مني أن أقابله, فذهبت وعند وصولي إلى بوابة المنزل طلب مني الجنود المتمركزون هناك الدخول من دون سلاح وكان بحوزتي مسدس فرفضت وعدت إلى منزلي. وفي اليوم التالي ذهبت لمقابلة عبد الفتاح إسماعيل في المقر العام للجبهة القومية بكريتر وقد نصب نفسه أمينا عاما للجبهة القومية بدلا عن قحطان وبدعم من نايف حواتمة, وسألته عن الأسباب التي أدت إلى وضع سرية من الجيش أمام بوابة منزل فيصل تتولى تفتيش من يدخل إلى المنزل فقال إن الرفاق هم الذين اتخذوا قراراً بذلك لأنهم عرفوا أن مجموعة من الفدائيين قابلت فيصل وطلبت منه الموافقة على تهريبه. قلت له: هل صدقت أنت هذا الكلام؟ ولماذا سيهرب فيصل عبداللطيف؟ فرد قائلا: “سأطرح الموضوع على الرفاق”.
الذي حدث فعلا هو أن مجموعة من الفدائيين زاروا فيصل عبداللطيف وطلبوا منه الموافقة على تهريبه, فقال لهم: “ليش باهرب؟ لا يوجد مبرر لذلكـ”، وكان ضمن المجموعة شخص مندس نقل الخبر إلى عبدالفتاح إسماعيل، وفي اليوم التالي بلغني أنه تم اختطاف فيصل عبداللطيف الشعبي ليلا وإيداعه إلى جانب قحطان في منزلين منفصلين في حوش دار الرئاسة, وطلبوا منهما عدم التواصل مع أحد.
وأشير هنا إلى مخطط للتخلص من فيصل أثناء وجوده في منزله حال الهرب مع المجموعة المشار إليها أنفا فكان الهدف هو تبادل إطلاق النار مع تلك المجموعة.
> ألم يشعر بأن حياته أصبحت في خطر؟
– كان واثقاً أنه مهما حصل فإن الرفاق لن يتمادوا,  لكنه شعر بأن الأمور قد تتطور عندما وضعوا حراسة أمام المنزل.
> ماذا عن دور حركة القومين العرب في بيروت؟
– نايف حواتمة كان يومها موجوداً في عدن وقد لعب دوراً كبيراً في إقناع فيصل عبد اللطيف عبر تقديم الاستقالة, وكذا قحطان, وكانت تلك عبارة عن خدعة كبيرة فقد قال نايف حواتمة لفيصل: عبدالفتاح ومجموعته لن يستطيعوا قيادة السلطة والدولة, ومثلما فشلوا حينما استلموا التنظيم بعد الدمج القسري في 13 يناير 66 والتوقيع على اتفاقية الإسكندرية في أغسطس 66, سوف يفشلون اليوم ولن يستطيعوا المواصلة. فيصل كان يدرك أن الجماعة غير مؤهلين لقيادة الدولة ولكنه لم ينتبه إلى أن نايف حواتمة هو من يرسم لهم الخطط, وبعد أن نجحت الخطوة الأولى في سلم المؤامرة تبقت مسألة التخلص من فيصل لأنهم كانوا يرون في وجوده خطرا عليهم حتى وهو داخل السجن. ومما قاله نايف حواتمة لعبدالفتاح وجماعته: لو وضعتموه في قارورة لن تستطيعوا الحد من تأثيره, في إشارة إلى ضرورة التخلص منه وهذا ما حدث.
> كيف حدث ذلك؟
– تم نقله من دار الرئاسة إلى زنزانة انفرادية بمعتقل الفتح, وهناك جرت عملية تصفيته.
> قيل إنه حاول الهرب فأطلق عليه أحد الجنود النار؟
– هذه الرواية الرسمية التي أذاعها عبد الله الخامري عبر إذاعة عدن لكن الحقيقة مغايرة.
> ما هي الحقيقة إذن؟
– لم أكن موجودا أثناء وقوع الحادث فقد كنت في منزلي بخور مكسر, لكن من كانوا هناك أكدوا فيما بعد أنه اغتيل داخل السجن ولم يحاول الهرب إطلاقا, كما زعمت تلك العصابة, وهناك روايات مختلفة حول طريقة اغتياله وعن الأشخاص الذين نفذوها.
سالم صالح في مقابلة له مع صحيفة “14 أكتوبر” قال مجيبا على سؤال الصحفي عن ملابسات اغتيال فيصل عبداللطيف الشعبي: “لم نكن حينها في صناعة القرار ولكن فيما بعد عرفنا. أستطيع القول أن الشخص الوحيد الآن الذي بإمكانه الكشف عن تفاصيل اغتيال فيصل الشعبي والمكان الذي دفن فيه (قبره) هو محمد سعيد عبدالله (محسن) لأنه كان مسؤولا عن الأمن حينها فقد عين بعد حركة 22يونيو  مديراً لجهاز أمن الثورة.
> جورج حبش ومحسن إبراهيم ماذا كان موقفهما؟
– لم أتابع ذلك.
> قيل إن جورج حبش وصف المجموعة التي اغتالت فيصل بالأبناء المراهقين الذين أرادوا النضج والشعور بالرجولة عبر قتل أبيهم.
– لم أسمع بذلك. نايف حواتمة كان رأس الأفعى. أما جورج حبش ومحسن إبراهيم فقد كان موقفهما إيجابيا من الثورة.
> هل صدر موقف من عبدالناصر؟
– لم أسمع بذلك.
> اعتقل قحطان واغتيل فيصل وكذا اعتقل آخرون, بماذا كنت تشعر؟
– شعرت بمرارة, وأن الثورة انتهت.
> أنصار قحطان وفيصل هل بادروا إلى تحرك مضاد؟
-لا. لقد سلموا السلطة طوعا, فكيف سيبادرون إلى تحرك مضاد.
> ما هي الإجراءات التي اتخذت ضدهم؟
– هناك من تم تصفيته وهناك من أبعد.
> هل اتخذت إجراءات إقصائية ضد أبناء شعب والصبيحة؟
– حاولوا زرع الفتن بين أبناء الصبيحة فيما بعد. مثال على ذلك ما حدث في قرية الفرشة بين أعضاء تنظيم الجبهة القومية فقسموا قرية الفرشة إلى قريتين: عليا وسفلى، كلا ضد الأخرى.
> كيف تمت عملية السيطرة على الجيش والأمن مع العلم أن عدداً كبيراً من قياداته كانوا يقفون إلى صف قحطان وفيصل؟
– قيادات الجيش رأوا أن قحطان وفيصل سلما السلطة بطريقة سلمية ولا يريدان سفك الدماء بالرغم من وصول ضباط من الجيش والأمن إلى منزل فيصل يوم 22 يونيو 69 وطلبوا منه السماح لهم باعتقال المجموعة اليسارية الماركسية المتطرفة ورفض.
وقبل ثمانية أشهر قابلت أحد الضباط من أولئك الذين حضروا إلى منزل فيصل, وهو ذكرني بتلك الحادثة وكان متألماً إلى أبعد الحدود.
> علي عبد العليم وسالم الكندي وعبد القوي رشاد الشعبي والميسري ومحمد سعيد مصعبين, هؤلاء تعرضوا للسجن, كيف تم التعامل معهم بعد ذلك؟
– علي عبد العليم وسالم الكندي أعدما بالنسبة لعبد القوي رشاد الشعبي (الأخ غير الشقيق لفيصل عبداللطيف) فقد اعترض علي عنتر على محاكمته قائلا لمن أرادوا ذلك: يكفيكم فيصل.
> هل كان لدى فيصل أولاد؟
– ولدان وبنت.
> هل سمح لهم بزيارته قبل اغتياله؟
– كانوا أطفالاً صغارا.
> متى كان الإعلان عن مقتل فيصل, وما هو الشعور الذي راودك أثناء سماع الإعلان؟
– الإعلان كان في 1 ابريل 70, واستشهاده كما عرفنا كان في 30 مارس 70. وسبب تأخير الإعلان هو أن الجماعة احتاروا  في تبرير ما ارتكبوه من جرم حتى قدم لهم نايف حواتمة بياناً لإذاعته.
> أسرة فيصل كيف تلقت النبأ؟
– بصدمة كبيرة وغير متوقعة.
> هل اتصل أي مسؤول كبير بالأسرة؟
– حسب علمي لا.
> هل ناقشت أي مسؤول أو صديق حول مصير فيصل؟
– التقيت عدداً منهم لكني لم أناقش الموضوع معهم. كنت أشعر بأنهم متأثرون مما حدث.
 فقد التقيت مثلا بمحمد علي هيثم في القاهرة سنة 1972 وكان لاجئا سياسيا, ومكثنا لبعض الوقت معاً ولم أناقشه عن مصير فيصل كنت أشعر أنه متألم.
وأريد هنا أن أوضح شيئا مهما وهو أن راديو تعز كان باستمرار يهاجم فيصل الشعبي وقد أذاع بكل جرأة بأن فيصل سيقتل كما قتل والده. وهذا دليل على أن قرار الاغتيال قد صدر من قوى خارجية ونفذته أدوات محلية أقل ما يمكنأن يقال عنها إنها لعبت دور العميل المخلص ليس في قتل فيصل فحسب وإنما في تخريب الثورة والوطن.
> كم كان عمر فيصل يوم اغتياله؟
– 34 عاما.
> إلى فيصل هل فقدت أحداً من أقربائك في تلك الصراعات؟
– علي حسن الشعبي في 73 ومن ثم قحطان في 81.