تحذير لا يقبل التأجيل من كارثة متوقعة:

تحذير لا يقبل التأجيل من كارثة متوقعة:

جبل على وشك الانهيار فوق 3000 شخص بحضرموت
هشام علي السقاف
“نحن في خطر حقيقي” عبارة تكررت على أكثر من لسان، أفسدت استمتاعنا بجولة استطلاعية في ربوع وادي “عَمْد” أقصى غرب وادي حضرموت. ليس هذا وحسب، بل إننا بعد أن وقفنا على موقع الخطورة وشاهدنا بأم العين ما يحدث في قمة ذلك الجبل انتابنا الخوف والرعب والهلع، وكل مرادفات مسمى هذا الشعور؛ فمن تحتنا مباشرة بلدة  “عمد” بمنازلها ومرافقها العامة، وسكانها هم الهدف المرتقب لكتلة صخرية ضخمة جدا بدأت تنفصل عن رأس الجبل منذ أربع سنوات وهي الآن على وشك الانهيار في أي لحظة بعد أن استنفدت -كما يبدو- مدة تحذيرها المرئي الصامت، ولكن لا الأهالي أخذوا حذرهم وغادروا  منازلهم ، ولا الحكومة قامت بواجبها حتى الآن لحماية الأنفس البشرية من موت محقق، والعياذ  بالله.
“عَمْد”، الوادي والمديرية والبلدة، موطن قبيلة “قضاعة” العربية الأصيلة شديدة البأس منذ أزمان  سحيقة، ومازال حتى اليوم يطلق اسم “وادي قضاعة” على هذه المنطقة في حضرموت، وأخبرنا المؤرخ الأستاذ جعفر السقاف أن قضاعة  هو الشقيق الثالث لقحطان وعدنان اللذين ينتسب إليهما العرب. وبلدة “عمد”، 160 كيلومترا إلى الغرب من سيئون، تتوسط هذا الوادي شديد الخضرة بأشجار النخيل والسدر والمزروعات  الأخرى المروية بالسيول والأمطار، وهي بلدة صغيرة عريقة تحيط بها المصنعات التاريخية  الحصينة المبنية على التلال الصغيرة، وتستند،  كغيرها من قرى ومدن وادي حضرموت، إلى الجبل درءاً لكوارث السيول الغاضبة في باطن  الوادي. ولكن ها هو الجبل الشاهق شديد  الانحدار  يتخلى اليوم عن مهمة حماية البلدة ليصير هو  الخطر الماحق بسكانها وممتلكاتهم، فقد بدأ يتشقق  في أعلاه وتنفصل عن بعضها البعض كتل صخرية ضخمة منه بشقوق تتسع كل يوم بفعل  الأمطار وطبيعة التكوين الصخري الجيولوجي  للجبل، وقد وقفنا على هذه الشقوق العميقة والواسعة التي قسمت أعالي الجبل إلى مربعات ومستطيلات صخرية. وحكى لنا المرافقون أنهم  يتذكرون أنفسهم قبل عدة سنوات عندما كانوا  يقفزون بسهولة فوق هذه الشقوق وكيف هي اليوم  عندما اتسع بعضها إلى أكثر من مترين وبعضها حديث استجد مؤخرا (يرتفع بالقرب منها هوائي حديدي عملاق لشركة اتصالات “يمن موبايلـ” داخل محطة متكاملة مسوّرة وإلى جانبها هوائيان أصغر لشركتي اتصالات الGSM).
لكن الذي  يثير الرعب أكثر ومصدر الخطر الآن  هو “الكعكة”؛ فقد أطلق المهندسون الجيولوجيون الذين استُدعوا إلى الجبل منذ عام 2005 هذه التسمية على كتلة صخرية ضخمة جدا تقع على حافة الجبل وتطل مباشرة على بلدة “عمد”  انفصلت بشقوق واسعة وعميقة عن بقية الجبل من كل الاتجاهات وظهرت مؤخرا شقوق في أسفلها وهي مهيأة الآن تماما للانهيار على رؤوس  السكان تحتها ( أطوالها بالتقريب 20 مترا  بعرض 10 أمتار وارتفاع 20 مترا). وإذا ما انهارت -لا سمح الله- ستجر وتنهار معها كتل صخرية أخرى. عندها قطعاً لن تشبه الكعكة في شيء.
أرجع الجيولوجيون الذين زاروا المنطقة لأول مرة  بتاريخ 28 أغسطس 2005 سبب تفاقم هذه  الظاهرة إلى الهزة الأرضية التي تعرضت لها  عمد عام 2004 (بقوة 3.2 – ريختر)، “مما أدى  إلى تساقط عدد من الكتل الصخرية جنوب شرق منطقة عمد، ووسعت هذه الهزة الفواصل والشقوق في الجبل المطل على عمد”، كما أوضح تقرير فني آخر بتاريخ 11 يوليو 2007 رفعه المهندسان صلاح أحمد بابحير وفائز أحمد باصرة من هيئة  المساحة الجيولوجية بحضرموت، وأضافا أن  “الشقوق في توسع مستمر نتيجة تصريف مياه  المطر عبرها وكذلك مجاري محطة الهاتف، وأن التفجير الذي تم قبل بناء هذه المحطة حفّز هذه الشقوق على التوسع”.
رئيس المجلس المحلي مدير عام مديرية عمد، سرور مبارك بن شملان، قال لنا: “بمبادرة سريعة من السلطة المحلية قمنا ببناء جدار حاجز أعلى الجبل يمنع تسرب مياه المطر عبر الشقوق بناء على تقرير المهندسين ولولاه لكانت أمطار أكتوبر  الأخيرة التي استمرت 30  ساعة ستقصم الكعكة على ظهورنا”.
وأضاف: “صار درء الكارثة المتوقعة شغلنا الشاغل، أبلغنا كل الجهات  وقمنا بما نستطيع والموضوع بتفاصيله وصل إلى مجلس الوزراء”.
وحتى لا تتكرر الكوارث في حضرموت، التي لم يفق الناس فيها بعد من صدمة ومحنة كارثة سيول أكتوبر الأخيرة، أو مأساة “الظفير”، ومثلما أجلت الحكومة قبل أسبوع 50 أسرة من قرية في كوكبان تفاديا لانهيارات صخرية، فإن الواجب اليوم قبل غد من الحكومة و السلطة المحلية في حضرموت إجلاء سكان بلدة “عمد” المقدر عددهم -حسب مذكرة رئيس المجلس المحلي لرئيس لجنة الإغاثة والإنقاذ بحضرموت نائب رئيس الوزراء صادق أبو راس- ب390 أسرة و3100 نسمة يسكنون في 270  منزلا تحت الخطر، ثم تفجير  تلك الصخور وإعادة بناء المنازل التي تتضرر من تساقط الصخور ويكون قد زال الخطر بإذن الله، وتعود “قضاعة” إلى ديارها آمنة مطمئنة.
نُخْش الصواعق
من عجائب وادي “عمد” الطبيعية ناحية من جبل تتكئ عليه قرية “الرحْم” تتساقط عليها بكثافة الصواعق محدثة على الصخور علامات خدوش بيضاء رأسية لا يعرف الأهالي مبررا منطقيا/ علميا لهذه الظاهرة، بل أطلقوا على هذه الناحية من الجبل “نُخْش الصواعق”، وبني تحتها مباشرة منزلان حديثان في علامة على عدم المبالاة ما دام الأمر بيد الله!!
غابات وشلالات مجهولة
في أبعد مكان إلى الغرب، حيث يضيق الوادي ويغلق، حدثنا أهالي “عمد” عن مواقع طبيعية خلابة رائعة تشبه غابات أفريقيا، حيث عيون الماء المتدفقة باستمرار من الجبل مشكّلة شلالات من المياه العذبة الصافية، وحيث غابات كثيفة من النخيل والشجر ناضر الخضرة تكسو المكان/ الأمكنة التي ما زالت مجهولة  وغير مسكونة بالناس، بسبب أنك لا تستطيع بلوغها إلا راجلاً  لنصف ساعة من أقصى مكان تبلغه السيارات. اندهشنا لمناظرها في الهاتف الجوال لمرافقنا الذي أقسم بالله أنها في “عمد” وألتقطها بنفسه، عندما عاين عدم التصديق في عيوننا.
“السعيدة”
في نوفمبر 2008 كانت فضائية “السعيدة” -بشهادة أهالي الوادي- أول تلفزيون وطني يصل إلى “عمد” لتصوير استطلاعات ومواد برامجية (غير إخبارية) عن هذه المنطقة الجميلة في حضرموت ، فلا عجب أنها ما زالت مجهولة بعد 41 عاما  من الاستقلال الوطني الناجز ولله الحمد والمنّة!