عبدالحميد الشعبي – عضو المكتب العسكري للجبهة القومية: (الحلقة العاشرة) بعدما علمت المخابرات المصرية بمشاركة محمد المجعلي في المؤتمر الأول، كثفت اتصالاتها به، بهدف زرع الخلافات في الجبهة القومية

عبدالحميد الشعبي – عضو المكتب العسكري للجبهة القومية: (الحلقة العاشرة) بعدما علمت المخابرات المصرية بمشاركة محمد المجعلي في المؤتمر الأول، كثفت اتصالاتها به، بهدف زرع الخلافات في الجبهة القومية

> إبعادي من المكتب العسكري بتعز إلى جبهة الصبيحة جاء ضمن ترتيب عملية لاغتيالي
> بعد إعلان عملية الدمج القسري، طلب فيصل عبداللطيف عقد اجتماع عاجل للمجلس الوطني، فمنعت مخابرات صلاح نصر انعقاده
> حوار: سامي غالب – باسم الشعبي
 
> في حوار مع عبدالفتاح إسماعيل قال إنه في المؤتمر الأول للجبهة القومية بدأت تتحدد معالم الاختلاف والافتراق فيما يتعلق بالخط الفكري. كما برز خلاف سياسي يتعلق بطبيعة الممارسات والسلوك داخل الأطر القيادية للجبهة القومية، وكان يعبر عن نفسه سياسيا، وكان هناك حس إيديولوجي وطبقي يقف خلفه. كيف نفهم ذلك في الوقت الذي تتحدث أنت عن أن وثيقة الميثاق الوطني لم تناقش في المؤتمر الأول؟
– ما قاله عبدالفتاح لم يكن دقيقا، لأن مشروع الميثاق الوطني لم يناقش في اجتماع الشباب يومي 21و22 يونيو 65، ولا في جلسات المؤتمر الأول، فكيف سيبرز الاختلاف والافتراق، مع العلم أن عبدالفتاح ظل صامتا في المؤتمر وفي اجتماع الشباب؟
 والذين ناقشوا وطرحوا ملاحظات في المؤتمر عددهم ثمانية، وهم: علي احمد ناصر عنتر، ومحمد احمد البيشي، وصالح علي غزالي، ومحمود ناصر، وعبدالملك إسماعيل، وحسين عبدالله عبده، واحمد صالح الشاعر، وعبدالحميد الشعبي، ولم يتطرق أحد منهم للميثاق.
وبالنسبة للخلاف السياسي، لم يكن هناك خلاف سياسي يتعلق بطبيعة الممارسات والسلوك. وما حدث هو أن إقرار الميثاق الوطني في المؤتمر الأول شكل انعطافة تاريخية حاسمة وقفزة نوعية على مستوى الحركة الوطنية من خلال ربط القضية السياسية بالقضية الاجتماعية، وكذا إقرار النظام الداخلي للجبهة، بالإضافة إلى اشتداد العمل المسلح لاسيما في جبهة عدن، والتغلغل في أوساط الطلبة والمثقفين والعمال والفلاحين والمرأة. كل ذلك أدى إلى غضب مخابرات صلاح نصر وتوتر علاقاتها مع الجبهة القومية، وكانت قيادة الجبهة تعرف أن هناك عناصر من أبناء الجنوب والشمال يتصلون بها وبطريقة سرية.
وقد سبق للشباب أن طرحوا استفسارات حول هذا الموضوع في اجتماع الشباب الذي انعقد قبل المؤتمر الأول والذي شارك فيه فيصل عبداللطيف وعبدالفتاح اسماعيل وعبدالرحمن محمد سعيد وعبدالقادر سعيد وعلي السلامي، ولم يحصلوا على إجابة بخصوص استفساراتهم، ويومها طلب فيصل عبداللطيف من الشباب، رداً على تلك الاستفسارات، تقديم أسماء الذين يقومون بتلك الاتصالات إن كانت موجودة.
وبعد أربعين عاما ورد اعتراف مهم في كتاب راشد محمد ثابت يتعلق بهذا الموضوع، حيث ورد أن المصريين كانوا يستدعون بعضا من قيادات حركة القومين العرب فرع الشمال للاستفسار عن بعض الأمور، منها كيف يتم إدخال السلاح إلى عدن، وكذا معرفة الجهة الحقيقية التي تقوم بالعمل الفدائي في عدن.
وتلك المعلومات التي قدمها أولئك البعض أدت إلى: كشف فيصل عبداللطيف الشعبي إلا أنه تمكن من مغادرة عدن إلى تعز، كشف نور الدين قاسم والزج به في سجن المنصورة بعدن، كشف ما يزيد على 45 فدائيا واعتقالهم في سجن المنصورة وعدد من المخابئ والسيارات التابعة لجبهة عدن.
> حركة القومين العرب فرع الشمال أكدت مرارا أنها وقفت ضد الأساليب الخاطئة للمخابرات المصري؟
– ورد في كتاب راشد أيضا أن المخابرات المصرية كانت تحاول زرع الانقسامات في صفوف الجبهة القومية، وقد هالها أن ترى هذا الامتداد المنظم للجبهة يغطي كل مناطق الجنوب، وشعرت أنها بحاجة إلى أن تفرض قدرتها على التحكم بمسار النضال الثوري وأبعاده الاجتماعية، فحاولت أن تكثف من اتصالاتها ببعض قيادات الجبهة في تعز وبالذين يأتون من قيادات الجبهات في الداخل وباستخدام الأموال والسلاح للإغراء واستمالة المواقف وبث الانقسامات وتنصيب قيادات على المجاميع تحظى بالرعاية والاهتمام من حيث مدها بالمال والسلاح شريطة أن تعلن تمردها على القيادات الحركية في الجبهة وعدم الامتثال لأوامرها.
وطبقا لذلك، اتخذت قيادة فرع الحركة في الشمال قرارا بالانفصال عن قيادة الإقليم الموحدة، وأعلنت تمردها على القيادة الحركية في الجبهة، وأنزلت إشاعة بأن فيصل عبداللطيف هو من فصل قيادة التنظيم في الجنوب عن القيادة الموحدة.
> في أكتوبر 65 قلت إن فيصل الشعبي تعرض لمحاولة اغتيال في تعز، وأنه تم الكشف عن مخطط لتفتيت وضرب الجبهة القومية، كيف حدث ذلك؟ ومن قبل من؟
– حينما علمت مخابرات صلاح نصر بعودة فيصل عبداللطيف إلى تعز قادما من عدن وبما عمله هناك على صعيد العمل الفدائي بعد تعرض جبهة عدن لضربة قوية كادت أن تتسبب في إجهاض العمل الفدائي تماما، رتبت عملية لاغتياله في 18/10/65، وقد دخل إلى مكتبي، بالمكتب العسكري الطالب “سالم” وهو من أبناء منطقة يافع -أعتقد أنه ما يزال حيا يرزق- وأخبرني بأن (×) طلب منه رمي قنبلة يدوية في مكتب الجبهة القومية، وسيدفع له مبلغ 50 ريالا، وعندما يقوم برمي القنبلة سيقوم هو بجمع حراسة مكتب الجبهة القومية بقصد التغطية حتى لا ينكشف أمره، وكانت مخابرات صلاح نصر تعتقد أنه بمجرد اغتيال فيصل عبداللطيف الشعبي ستتمكن من تنفيذ مخطط ضرب وتفتيت الجبهة القومية، وقد تم كشف العملية قبل تنفيذها.
> قبل إعلان الدمج القسري، وبالتحديد في 1/11/65، صدر قرار بنقلك من المكتب العسكري بتعز إلى جبهة الصبيحة، هل كانت هناك أسباب محددة لذلك؟
– نقلي إلى جبهة الصبيحة جاء بناء على قرار من المكتب التنفيذي للجبهة القومية، وعندما علم مكتب مخابرات صلاح نصر بذلك، طلب مني البقاء في تعز وعدم تنفيذ قرار النقل، وكان ردي بأني سأتوجه إلى الصبيحة لتحمل مسؤولياتي حسب التكليف، كوني كنت ضمن شباب الجبهة القومية الذين طالبوا بدخول المتواجدين في مكتب الجبهة بتعز إلى جبهات القتال، فكان ردهم: نحن نريد منك البقاء في تعز. ولم أناقشهم في الأسباب. فغادرت تعز إلى الصبيحة، وبعد ثلاثة أيام من وصولي إليها تعرضت لمحاولة اغتيال حيث تم استدراجي بالخروج من المنزل الذي كنت أقيم فيه بواسطة شخص من أبناء المنطقة، وذلك لمقابلة أشخاص هم أيضا من المنطقة نفسها في منزل والدي الذي يبعد كيلومترين من المنزل الذي كنت أقيم فيه، وتم نصب الكمين أمام بوابة المنزل وخلفه من قبل 25 شخصا من أبناء الصبيحة. وقد فشلت عملية الاغتيال، وبعدها، علمنا من الذي دبر العملية، وخطط لها، لكننا لم نتخذ أي رد، لأننا لم نكن نحمل أحقادا تجاه أحد، وكان هدفنا هو نجاح الثورة.
المهم عرفت فيما بعد أن عملية نقلي إلى الصبيحة جاءت في إطار محاولات لإبعادي من مكتب الجبهة القومية بتعز كما حدث مع علي محمد سالم الشعبي، وكذا لتدبير عملية لاغتيالي وهذا ما حدث.
> من تتهم بتدبير عملية اغتيالك؟
– مخابرات صلاح نصر والمتعاونين معها.
> هل يمكن أن تشرح لنا تجربتك في الصبيحة؟
– تجربتي في الصبيحة كانت مريرة وشاقة ومؤلمة في الوقت نفسه، ولا أريد أن أخوض فيها.
> بالنسبة للجبهة الوسطى، هل عينت الجبهة القومية قيادة جديدة لها بعد فصل ناصر السقاف وتجميد محمد علي هيثم وعلي ناصر محمد نفسيهما؟
– لم تعين الجبهة قيادة جديدة في الجبهة الوسطى وكان قرارها صائباً.
> إذن تحت أي صفه مثل محمد المجعلي الجبهة الوسطى في المؤتمر الأول؟
– المجعلي من أبناء منطقة دثينة، أبين حاليا، وكانت الجبهة الوسطى هي دثينة، وكان من أعضاء اللجنة التحضيرية التي تشكلت في صنعاء في 24/ 2/ 63 برئاسة قحطان الشعبي وهو طبعا من أبرز العناصر الوطنية التي كانت تلح وتصر على فتح الجبهة الوسطى، وهو نفسه تسلم العمل المسلح في جبهة ردفان بعد استشهاد لبوزة، ونتيجة الخلافات التي حدثت بين قيادات الجبهة الوسطى، ناصر السقاف وعلي ناصر محمد ومحمد علي هيثم، وبعد أن فشلت كل المحاولات في حلها، تقرر أن يمثل محمد عبدالله المجعلي الجبهة الوسطى في المؤتمر الأول، ولما علمت مخابرات صلاح نصر أن المجعلي شارك في المؤتمر، عملت على تكثيف الاتصالات به وبغيره بهدف زرع المزيد من الخلافات في صفوف الجبهة القومية، وقد نجحت مع البعض وفشلت مع البعض الآخر.
> هل كنت على احتكاك به؟
– أعرفه جيدا.
> هل كان هناك ما يميزه عن الآخرين؟
– كان يتعز بنفسه ولا يريد أحد يوجهه.
> كان يعتبر نفسه زعيما؟
– يبدو. ولكنه فصل من الجبهة القومية.
> لم يفصل، هو انسحب وذهب مع المصريين؟
– بعدما ذهب مع المصريين فصلته الجبهة القومية.
> وعلي بن علي هادي، هل تعرفه؟
– هذا من الضالع، وقد برز فيما بعد.
> هؤلاء ونتيجة علاقتهم بالمصريين، أسسوا التنظيم الشعبي للقوى الثورية، الجناح المسلح لجبهة التحرير، متى تأسس هذا التنظيم؟
– تأسس في 65.
> أكيد أنك تعرف معظم الذين كانوا في التنظيم الشعبي، هل لديك معلومات دقيقة عنهم؟
– أعرف بعضهم، أعرف مثلا: قائد محمد علي صلاح، وعلي بن علي شكري، وهما من أبناء الصبيحة، ومن قيادات جبهة التحرير في الصبيحة، وأتذكر أني ضممتهما إلى الجبهة القومية قبل عملية الاندماج القسري في 13يناير 66.
> هل كنت تشعر بغضب تجاههم كونهم يعملون في جبهة منافسة لكم؟
– لا، أبدا. لما كنت في جبهة الصبيحة، كان علي بن علي شكري وقائد محمد علي صلاح مسؤولين عن جبهة الصبيحة في إطار جبهة التحرير وكانت علاقتي بهما جيدة جدا.
> ألم يحدث أي احتكاك بينكم؟
– حدث في يوليو 67 وتم تفاديه بصورة سريعة وعادت الأمور لما كانت عليه من قبل. وإذا أردت الدقة فجبهة الصبيحة هي الوحيدة التي لم يحدث بها اقتتال أهلي.
> أين كنت يوم إعلان الدمج القسري في 13 يناير 66؟
– في جبهة الصبيحة.
> وفيصل عبداللطيف وعبدالفتاح إسماعيل؟
– كانوا في عدن.
> كيف تلقيت إعلان الدمج؟ وهل مكثت في الصبيحة أم تحركت إلى تعز؟
– طبعا لم يكن أحد يعلم بموضوع الدمج إلا بعد إعلانه من إذاعات صوت العرب وصنعاء وتعز، وقد شكل ذلك مفاجأة لقيادات وقواعد الجبهة القومية.
بعد إعلان الدمج توجهت أنا من الصبيحة إلى مكتب الجبهة القومية في تعز وتوجه فيصل عبداللطيف من عدن إلى تعز وكذا عبدالفتاح إسماعيل الذي كان مع فيصل في عدن.
> بعد وصولكم إلى تعز، هل قمتم بتحرك ما ضد الدمج؟
– فيصل عبداللطيف، وباسم المكتب التنفيذي للجبهة القومية، طلب اجتماعا عاجلا للمجلس الوطني لقيادة الثورة، للوقوف أمام ما حدث، ووجهت دعوة لانعقاد المجلس الوطني يوم 23 يناير 66، إلا أن جهاز مخابرات صلاح نصر بتعز منع انعقاده، وبتوجيه من هذا الجهاز أذاعت إذاعة تعز بيانا تلغي فيه انعقاد المجلس الوطني لقيادة الثورة في موعده المحدد، ونفس الشيء فعله أمين عام الجبهة القومية، قحطان الشعبي، فقد كان في القاهرة وحاول عقد مؤتمر صحفي لرفض الاندماج القسري، إلا أن مخابرات صلاح نصر في القاهرة رفضت السماح له بعقد المؤتمر، وحاول الاتصال بصحيفة “الحرية” التابعة لحركة القوميين العرب في بيروت وبصحيفة “البرافدا”، فوقفت مخابرات صلاح نصر حائلا أمامه.
> هل قابلت فيصل في تعز بعد إعلان الدمج القسري؟
– نعم.
> هل دار بينكم حديث حول الدمج؟
– حينما قابلته في تعز قال لي: المخابرات المصرية تريد تصفية “الشعابية” في الجبهة القومية. فرديت عليه بقولي: لو كنت حاسبت الفاسدين المعروفين لكنت أقفلت الباب على المخابرات ووفرت علينا المتاعب.
> وبماذا رد عليك؟
– لم يرد.
> هل كان مضطربا أو منزعجا؟
– لا. كان عاديا، وكان لديه شعور وإحساس قوي بأن الجبهة القومية سوف تتمكن من معالجة الموضوع، وهذا ما حدث، حيث تمكنت الجبهة من إفشال المؤامرة، والانسحاب من منظمة التحرير بعد حوالي عام من الدمج.
> لماذا كانت تريد المخابرات تصفيتكم؟
– خوفا من وقوفنا ضد عملية الدمج.
> علي السلامي كان له دور في عملية الدمج، هل قابلته؟ وهل دار بينكم نقاش؟
– قابلت السلامي وسألته: لماذا أقدمت على هذا العمل ونحن سلمناك ملفا متكاملا بعد اجتماع الشباب، وحددنا الثلاثين من يناير لعقد اجتماع المجلس الوطني لقيادة الثورة لمناقشة القضايا الواردة فيه؟ فأجاب: لقد أردت أن أضع الجميع أمام الأمر الواقع. فقلت له: هنا يكمن الخطأ.
حاولنا تدارك الموقف ومعالجته، إلا أن مخابرات صلاح نصر توهمت حينها أنها حققت غرضها في وأد الثورة التي لم تكن مقتنعة بها منذ قيامها في 14 أكتوبر 63، ولم تكن تتوقع أن شباب الجبهة القومية الذين عقدوا الاجتماع في منزل عبدالباري قاسم بتاريخ 9/ 10/ 65 سيقفون ضد الدمج القسري.
> بعد الدمج هل مكث فيصل الشعبي في تعز؟
– لا. لقد تم استدراجه للسفر إلى القاهرة بحجة إجراء محادثات بخصوص موضوع الدمج مع الفصيل الآخر، وهناك تم احتجازه ومعه أمين عام الجبهة القومية، قحطان الشعبي.
وقد توهمت مخابرات صلاح نصر مرة أخرى أن احتجازهما سوف يؤدي إلى وأد الثورة. وكي تحقق أهدافها قررت تعيين عبدالفتاح إسماعيل أمينا عاما للجبهة القومية بدلا من قحطان، إلا أن القيادة الجديدة برئاسة عبدالفتاح فشلت في إقناع قيادات وكوادر الجبهة القومية المتواجدة بالداخل بعملية الاندماج القسري.