عن تعز كمدينة مختطفة بامتياز.. اختطاف.. “فكري قاسم” – محمد اللطيفي

عن تعز كمدينة مختطفة بامتياز.. اختطاف.. “فكري قاسم” – محمد اللطيفي

كما أن الغش في بلادنا (ونتيجة لترسخه مجتمعيا كسلوك معتاد) تحول إلى حق من حقوق الطالب، يدافع عنه بالدم، وفلسفة تجارية تؤصل بالشطارة، وتعامل نخبوي مطعم بـ”هكذا السياسة”؛ فان الاختطاف في طريقه إلى أن يصير -تماما كالغش- حقا محميا، الدفاع عنه واجب، والتأصيل له فلسفة تشرع للسلوك النخبوي العام. ولنا أن نلحظ ذلك في الفعل ورد الفعل بين تياري العمل السياسي اليمني (السلطة والمعارضة)، خصوصا في ظل غياب الدور الفاعل للمؤسسات القانونية والدستورية وحتى منظمات المجتمع المدني.
لم يعد أحد آمنا في هذا البلد، لا الحاكم ولا المحكوم؛ لأن الجميع بصورة أو بأخرى “يا خاطف، يا مخطوف”. فالاختطاف ليس فقط أن نختطف جسديا كرهائن لتحقيق مطالب شخص طافح من غياب النظام والقانون، بل هناك صور كثيرة مباشرة وغير مباشرة تتم بشكل شبه يومي، تصادر مواطنتنا، بل وآدميتنا، تبدأ باختطاف العقول والطاقات المبدعة ومعها الطموحات والآمال، وتمر باختطاف الجهد العام والوقت العام، ولا تنتهي عند اختطاف الأمن العام وثروات الوطن وتمييع الديمقراطية وشخصنة المؤسسات… الخ. الكل بهذا المفهوم يَخطف أو يُخطف؛ يخطف ما قدر عليه مما وقع تحت يديه. وكل في سلطته خاطف. ونظرة فاحصة للمؤسسات العامة والخاصة، توضح أن الأداء المتميز فيها يصاعد وتيرة الاختطاف بقوة وكأنها بورصة أسهم استثمار، تسابق وطني لخطف الآخر معنويا وماديا، والخاسر الوحيد هو الوطن/ الإنسان.
الحوار الجاد والفعل السياسي الناضج والديمقراطية الحق و… كل ما سبق في خبر الاختطاف، مادامت السلطة والمعارضة مستمرتين في “غماية” الاختطاف؛ السلطة تكاد تختطف كل شيء حتى المعارضة، والمعارضة تحاول أن تختطف أي شيء حتى رئاسة لجنة الاختطافات – عفوا! الانتخابات. لكن السلطة والمعارضة تختطفان معا -بعبثية حوارهما وضبابية مواقفهما- المستقبل الآمن لهذا الوطن. وإلا لماذا تجد المواطن يائسا من السلطة ولا يثق بالمعارضة!؟ لأن الديمقراطية مختطفة، ومعها المواطنة المتساوية.
الصحافة مهنيا مختطفة. صحف الحاكم والمعارضة تمارس العمل الصحفي (المادح للذات اللاعن للآخر، وكلٌّ ينشر ما “يخارجه”)، والصحف المستقلة تحاول أن تكون “مستقلة”. في هكذا صحافة تغيب أو تُغيَّب قواعد المهنة، وتحضر بدلا منها المزاجية الحادة والانتماء الحزبي، وينتج عنها تشوه الصحافة شعبيا، وانعدام الثقة بها حتى من العاملين فيها؛ لأن كثيرا من الصحفيين، وخصوصا العاملين في الميدان، تختطف جهودهم وأوقاتهم بلا مقابل مادي، أو ضئيل غالبا، وبلا تقدير معنوي أحيانا، ويتفنن البعض في تسجيل مبررات الاختطاف بضآلة الامكانات، أو “العمل طبعا جماعي ونحن فريق واحد”… الخ. قد تستثنى “النداء” في كونها الوحيدة (على حد علمي) التي لديها ميثاق شرف صحفي، وهي تحاول ألاَّ تتحيز لصالح طرف ضد آخر؛ لكن هذا لا يمنع أن تفتتح بين الفينة والأخرى مجالا لتقييم أدائها من قبل قرائها.
 إذا الجميع مختطف. والطيبون فينا من يحاولون توزيع نتائج الاختطاف على الجميع. لكن أبشع ما في هذا البلد هو اختطاف الأمن العام، حيث تختطف حتى طالبات المدارس من الشوارع. وأسوأ ما تفعله الجهات المعنية (المناط بها الوقوف ضد الاختطاف) هو تحويل الاختطاف إلى اختفاء قسري، كما حدث مع سوسن وأخواتها في تعز. الجهات المعنية بهذا التعامل تحمي الاختطاف من أن يقف المجتمع ضده، من أن يدينه على الأقل.
وعلى ذكر تعز، فإنها تكاد تكون المدينة اليمنية المختطفة بامتياز. أين بريقها النضالي ومدنيتها الاجتماعية ووهجها الثقافي…؟ أين جمالياتها الساحرة؟ أين “مشاقر صبر”؟ أين المنتزهات والحدائق؟ لماذا هي محرومة من ورش العمل الفكرية وندوات الثقافة؟ ولماذا شوارعها مطبات وحفر؟ ولماذا قماماتها متكومة في الحارات وحمامات مساجدها قذرة…؟ ولماذا لم تنتفض المعارضة فيها بقوة من أجل الماء والكهرباء والغش… مثلما انتفضت لأجل القرني المناضل والمثقف الرائع؟…
لا أدري هل هناك سياسة من الجميع لوأد هذه المدينة! (استغفر الله قد يكون في الأمر سوء ظن). ولماذا يخاف البعض من صدور صحيفة “حديث المدينة”؟! هل لأنها ستعري الواقع التعزي الذي لا يحتاج أصلا لتعرية؟! أم لأنها ستفضح الطامعين والنافذين فيها الذين امتصوا ما تبقى منها، حتى أحلامها؟! في تقديري أن الذي اختطف ليست الصحيفة، وإنما صاحبها؛ ففكري قاسم، هذا الصحفي الوفي لقلمه المتمترس خلف كلمته الساخرة ضد الفساد السياسي والتعليمي والاقتصادي والاجتماعي والتديني، وضد الاختطاف أيضا، شكل مصدر قلق ووجع دماغ، ومقالاته مبعثرة في أكثر من صحيفة، فكيف إذا كان يمتلك مؤسسة صحفية!؟ صحيح هو الآن مقلق، لكن قلقه مبعثر، وسيأتي يوما يملّ فيه وييأس؛ إذن، بكل الوسائل امنعوا صدور “حديثه للمدينة”، دعوا المدينة تئن لحالها، تنزف أنينها من الجوع، تنشف شفاهها من العطش، تأكل بعض بناتها بثدييها من الحاجة، تختطف بعض فتياتها “رهائن” في ظل أمن تعز المختطف… الخ، دعوا فكري قاسم يضرب إبر إيقاظ أو إنقاذ لليمن (المغمى عليه) ستنتهي لا بد يوما. لكن لا تدعوه يفتح عيادته الخاصة، لا تدعوا “حديث المدينة” يتجمع في مكان واحد، قد يشكل خطرا على “الأمن الوطني الخاص”.
يبدو أن صديقي العزيز فكري أصيب بلعنة الاختطاف، حيث ظل يحارب الاختطافات في تعز، بإصدار بلاغات متتالية كان الأولى أن يصادرها الأمن بدل أن يحميها بتهمة الاختفاء. الآن هناك من يختطف جهده ووقته بتعمد أن يظل مبعثرا لا منظما، وتبعيا لا مستقلا. ولأن فكري بلا حزب يستند إليه بقوة التوازنات والتنازلات، ولأنه أيضا بلا قبيلة “يهنجم” باسمها أو بأثوارها؛ أدرك أن معاناته ستطول، وهو حينا “يشارع” على صحيفته، وحينا آخر يوقظ “اليمن المغمى عليه”.
شخصيا حمدت الله أن صاحب “حديث المدينة” رجل مختطف، وإلا لسجلت الوزارة بالتعاون مع الأمن العام له حالة اختفاء، ولن نستطيع عندها الدفاع عنه إلا على استحياء، لكن ما يطمئن النفس أن حديث المدينة (تعز) هذه الأيام، هو عن “حديث المدينة” (الصحيفة).
[email protected]