بين يدي أول انتخابات رئاسية تنافسية في الجزيرة العربية والخليج.. الديمقراطية اليمنية.. سقوط الادعاءات – نبيل الصوفي

بين يدي أول انتخابات رئاسية تنافسية في الجزيرة العربية والخليج.. الديمقراطية اليمنية.. سقوط الادعاءات – نبيل الصوفي

ذات مقال اعتبر د. ياسين سعيد نعمان أن الانتخابات مالم تكن حاملة لهدف سياسي فإنها تصبح “ممارسة ترفيَّة لا معنى لها”.
وفي الحوار الذي تشرفت بإجرائه مع مرشح اللقاء المشترك ومن خلال الحوار الجانبي أيضا تأكد لي أن المهندس فيصل بن شملان لم يقبل قرار المشاركة ليكون وسيلة المعارضة للتدرب على رفع سقف الاهتمامات، ولا ليكون وسيلتها لحملة إعلامية تمرر مالاتقوى هذه الأحزاب على تحمل مسؤولية قوله منفردة ضد الرئيس علي عبدالله صالح، (لاتقوى لأسباب داخلية تخص كل حزب ثم حسابات التحالفات وليس بسبب الخوف أو الطمع الذي طالما تتهم به المعارضة من خصومها ظلما وبهتانا -حسب وجهة نظري)، بل إنه يقدم على مثل هذه الخطوة لحسابات وطنية توجب التحية والإكبار.
وكان الأستاذ عبدالوهاب الآنسي، الأمين العام المساعد للتجمع اليمني للإصلاح، قال لي أيضا في حوار: «لا للأسف أنه لم يحظ بفرصة أوسع للنشر خارج صفحات الإنترنت» إن اللقاء المشترك من خلال الحوار مع الحاكم والاتفاق معه –كماحدث حين توصلوا لاتفاق المبادئ الأخير- يسعى: “لتأمين الاختلافات وليس لترتيب الاتفاقات”.
من خلال هذه القيادات المعارضة تبدو الرؤية واضحة والهدف أوضح من الانتخابات القادمة، ولست أدري إن كان ذلك نفسه متحقق لدى “مراكز القوى” داخل هذه المعارضة، وسأستخدم مراكز بدلا من المؤسسة الحزبية التي أعرف تماما أنه ليس لها وجود إلا حين تريد مراكز القوى هذه تمرير اتفاقاتها. كما أن هذا الوضوح في الرؤية لايعني ارتباطه باكتمال الوسائل.
للمرة الثانية أوضح أن لدي كمتابع حصانة من قبول إدعاءات المعارضة بشأن الأداء الداخلي لها. لا أتهمها هنا بالكذب بل بأنها تضخم أداءها ربما في اتساق مع ماتفعله بشأن أخطاء الحزب الحاكم، أو أنها تهرب من “نفسها” نحو الخارج سعيا للتغيير الممكن، وهذا رأي شخصي وقد يكون خاطئا بالطبع.
مقابل ذلك وتجاه المؤتمر الشعبي العام أو المؤسسة الرسمية لست أدري إن كانت ذات الرؤية واضحة. وهو ماقد يثير المخاوف من أداء سلطة تملك كل قوى التأثير المادي.
ومع أني حتى الآن لم أفهم لماذا قرر الرئيس علي عبدالله صالح أن تكون حملته الانتخابية لمواجهة “أعداء الثورة والجمهورية والوحدة”، وليس لمواجهة “أعداء الديمقراطية” باعتبار الانتخابات هي وسيلة مواجهة الأخيرين أما الأولين فإن مواجهتهم تتطلب شيئا غير الانتخابات والتنافس السياسي.
مع ذلك فإن اتفاق المبادئ ودوام “فرض” الرئيس وحكومته رأي توافقي على اللجنة العليا للانتخابات منذ توقيع اتفاق المبادئ وحتى الآن، عكس كل تصريحات قياداتها التي لايدري المراقب لم هي متوترة ضد الأحزاب دائما. والأمر ذاته ماقيل إن الرئيس فعله عبر مطالبته نخبة من قيادات حزبه بالهدوء بدلا من الخطاب الإستعدائي للجميع.
كل ذلك يجعلنا نعتقد أن ثمة بوادر لتعامل راق من قبل السلطة لصالح الديمقراطية في البلاد. يقابله تعامل مثيل لدى المعارضة حسب ما أشرنا إليه سابقا.
ما نهدف إليه هو القول أن الانتخابات الرئاسية القادمة يمكن لها أن تعيد اليمن إلى بؤرة الاهتمام الدولي بالتحولات الديمقراطية في العالم والذي كان بدأ مع انتخابات 1993م، وازداد مع التئام مؤتمرات نوعية كالديمقراطيات الناشئة والمحكمة الجنائية وحقوق الإنسان، ولا يمكن المخادعة بأنه لايزال بذات المستوى، هذا إن لم نكن نحن الذين بدأنا الشعور بعدم أهميته أو بالأصح بأنه عبئ غير مثمر لأنه لا”يدر معونات”، علما بأن المانحين يشكون من عدم قدرة الحكومة اليمنية على توظيف الحوافظ المالية التي تقدم لها.
ويمكن لليمن لو أنها استعدت إداريا وفنيا أن يكون الاهتمام الدولي بالديمقراطية أحد أهم وسائلها لتجاوز المعضلة التاريخية المتمثلة في هشاشة النظام العام، وقلة الموارد غير البشرية، ولا اكتراث المجتمع بالقانون وبالمصلحة العامة، والموقف المتصلب للقوى اليمنية ضد التحديث الذي يبدأ من الداخل الخاص فكريا وثقافيا.

هل تراجعت الديمقراطية اليمنية
غير أن مثل هذا الأمر يتطلب أداء متكاملا بين السلطة والمعارضة، تجاه هذه الديمقراطية. تكاملا من حيث اعتبارها معا أن الديمقراطية ليست مجرد خطاب يمكن استغلال الفرصة للتهرب منه، بل هو الرافعة الوحيدة للإنجاز والتحديث.
وأنه رغم المؤثرات السلبية لاتزال هذه الديمقراطية في اليمن “سلعة رائجة” للداخل والخارج.
وأعتقد أن الأمر يبدأ من مراجعة الحكم العام بـ”تراجع الديمقراطية اليمنية”، كما تقوله المعارضة، أو “اكتمال التحول الديمقراطي نهائيا” كما تعبر السلطة عنه في خطاباتها.
والإقرار أن المجتمع اليمني بكل قواه، وبقيادة المؤسسة الرسمية أو بالأصح مراكز القوى الرسمية، عجز عن تطوير آلياته وتغيير توجهاته النظرية ومشاريعه الفكرية والتربوية لينتفع فعليا بمشروع الإصلاح الأكبر في المنطقة بعد الوحدة اليمنية وهو “الديمقراطية”.
لقد كانت الديمقراطية في اليمن مجرد مشروع سياسي، ومع أن انتشارها كمفردة دون معوقات كبرى من قبيل تحريمها أو تجريمها أو اتهامها: أنها وسيلة للإمبريالية الدولية كما طرأ مؤخرا على خطاب بعض مراكز القوى الحاكمة -للأسف الشديد- ومع أن تتالي عمليات الانتخابات التي هي إحدى تجلياتها، يشهد للمجتمع اليمني بالحيوية وبـ”أللا أصولية”، فإنها لم تؤد إلى أي إصلاح فكري، بل إن تأثيرات حرب 1994م أدت إلى إرتكاسة المشروع الإصلاحي الأهم: إصلاح الحزب الاشتراكي اليمني، الذي بدأ مابعد كارثة يناير 86م، وتجذير برنامج الحركة الإسلامية الكبرى في اليمن التي سجلت نفسها كتجمع للإصلاح عبر برنامج سياسي متطور ولكنها نسته منذ أن احتاجت لخبرتها القديمة مع حرب 1994م، فبقت اسما جديدا بأصول نظرية قديمة.
ويمكن لولا اللقاء المشترك –التجربة السياسية الأرشد للمجتمع السياسي اليمني بعد الوحدة- لكان الحزبان، اللذان كانا وكيلي الحرب الباردة في اليمن، قد عادا إلى مربعات الصراع القديم حتى وإن لم تعد لذلك الصراع مقومات.
وفي ظل افتقار المعارضة اليمنية للخبرة الحقيقة للمعارضة، التي بدون جهد كبير وحيوي للتحايل على خيارات السلطة، تصبح مجرد جماعات ضغط غير سياسية تقبل بمايتسير من المصالح، وتبكي من فقدان الغالب منها، وكل عملها مطالبة السلطة التي تتهمها دوما بالفساد أن تصلح وكأنها تريد من الحكم أن يعمل كسلطة ومعارضة في وقت واحد.
في ظل ذلك تناست أجهزة السلطة اليمنية الإنجاز الأكبر لها وهو التحول الديمقراطي الذي قادته هذه السلطة وليس المجتمع ولا الأحزاب، مع تقدير دور شريك الوحدة الأبرز للرئيس علي عبدالله صالح وهو الحزب الاشتراكي اليمني.
وكما يقول الأستاذ علي سيف حسن متحسرا على سلطة يمنية “تحقق الإنجازات ثم تعجز عن الاستفادة منها بل وحتى حمايتها”، فإن السلطة ذاتها بدأت مشوار التذمر من إنجازها الديمقراطي.
ومع صوابية مقدمات الرأي الذي يقول بغير ذلك، من حيث ارتفاع نسبية الانتهاكات للحريات العامة –الصحفية نموذجا-، وتراجع تأثير الأحزاب، وانفجار حرب صعده، وغيرها من المقدمات فإن النتيجة –من وجهة نظري- ليس القول ب:”تراجع الديمقراطية اليمنية”، بل الانتباه إلى أن هذه الديمقراطية اقتربت من مناطق الأسئلة الصعبة التي هي معنية أصلا بالإجابة عليها، رغم أنف المشاريع السياسية والإدارية والفكرية القديمة التي خاضت الديمقراطية باعتبارها وسيلة حماية للقديم وتمكين له.
إن مضايقات حرية الصحافة من قبل السلطة والأحزاب والمجتمع، قبل أن تكون دليل تراجع للحريات، هي دليل على تقدم هذه الشريحة نحو استغلال متاح لمايستخدم من قبل رغم التشدق به، حتى كشفوا للجميع أن الإدعاء بحرية التعبير لايكفي لنقول أن لدينا حرية تعبير، بل يتطلب احتياجات كبرى من قبيل الإيمان الحقيقي بحرية الرأي –الرأي الذي يخالفني وليس الذي يخالف خصمي فقط. كما يتطلب أيضا استخدام راشد لهذه الحرية، والرشد هنا يعني تحقيق أفضل الشروط الموضوعية والمهنية مع منح الخصم في الرأي كل الضمانات للتعبير عن رأيه ولحمايته من تأثير الاختلاف، وعدم مصادرة ذلك مهما واتت الفرصة سواء عبر مقال أم بيان أم عبر إجراءات تنظيمية أو إدارية.
ولأننا لم نكن فعلا مستعدين بهذه المتطلبات –لأن إصلاحا فكريا لم يتحقق- اكتشفنا أن حرية التعبير تحولت إلى صانع أزمات كبرى داخل الأحزاب أولا ثم مع السلطات ثانيا. فقد عاد الخلاف إلى مربعه القديم الذي كان يعتبر أي خلاف مدعاة للاعتقال والتكفير والتخوين، والقلق من ثم.
والأمر ذاته بشأن الانتخابات، التي كانت في 93م معركة أيدلوجية بامتياز، وفي 97م توزعت بين الثأر لنتائج 93 وحرب 94، وبين حملة علاقات عامة مع الخارج (الجمهور الناخب أو الخارج الدولي)، فمع مقاطعة الاشتراكي تنافس طرفاها القويان (الإصلاح والمؤتمر) جامعان بين مطامع الرغبة في التنسيق والخوف المشترك من بعض.
وفي 99 لم يكن في الملعب سوى صالح، وفي 2001 كانت مجرد محطة إصلاحية للخروج من “تبعات التحالف الإستراتيجي مع المؤتمر”، ولم تتمكن انتخابات 2003 من تقوية التحالف الاستراتيجي الجديد “اللقاء المشتركـ”، إلا في دوائر قليلة جدا.
وفي كل تلك المحطات يمكننا أن نلحظ أن الرقابة الدولية على الجميع كانت العامل الأهم في تطور الخطاب أو الإدارة الانتخابية، وليس الحاجات الميدانية للشارع اليمني.
وإذا قلنا مثلا إنه ليس على المعارضة أن تتشرط الفوز في الانتخابات، فإننا مطالبون بالإجابة أيضا عن السبب الذي يجعل المعارضة أيضا ثابتة في مستوى ومعطيات التحليل لنتائجها، باعتبار أن السلطة هي السبب لكل شيء.
لقد سبب فشل استمر عقدين من الزمن تغييراً جذرياً داخل حزب العمال البريطاني، ومع أننا في اليمن، بكل تعقيداته وتجاربه، وليس في بريطانيا فإن السؤال سيكون، ولماذا مشائخ القبائل وحدهم يحققون نجاحات متزايدة عكس الأحزاب.
إنني حتى الآن أتذكر تماما تلك الهالة التي رأيت بها تصريح الأستاذ عبدالوهاب الآنسي عقب انتخابات 1997م وهو يقول إن على الإصلاح البحث عن عوامل الهزيمة الانتخابية “في نفسه”، قارئا في مؤتمر صحفي، كان غضب قيادات الإصلاح فيه من السلطة واضحا للعيان، الآية القرآنية “قل هو من عند أنفسكم”.
غير أن الأمر لم يتجاوز المؤتمر الصحفي، أو لنقل الموقف الشخصي لقائله، وبمراجعة مواقف الإصلاح عقب كل انتخابات سنجد أن لاشيئ يحدث، بمافي ذلك ماتلى الخطوة الجريئة للأستاذ محمد قحطان حين رفع سقف الغضب نحو شخص الرئيس علي عبدالله صالح في المؤتمر الصحفي الشهير عقب انتخابات 2003 م، بل إن الإصلاح وعقب كل انتخابات يعود ليكفر عن تطور أدائه إبان الانتخابات، بانتظار صحوة جديدة قبيل انتخابات جديدة.
ولن نتحدث عن المؤتمر الذي في الحقيقة هو مجرد موقف سياسي تتحمل الدولة اليمنية عبئ العمل بدلا عنه في كل مرحلة ومحطة، والدولة هي المؤسسة الأنشط في هذه البلاد.
خلاصة القول أن الديمقراطية اليمنية، صارت اليوم على محك مهم لتتمكن من فتح “طريق نحو تراكم سياسي ومعرفي وسيكولوجي من شأنه أن يشكل ضغوطاً نحو تحول كيفي على صعيد الحياة السياسية برمتها” كما قال أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني، وبالتأكيد إن الأمر مرهون بالانتخابات المنتظرة، التي وإن شهدت خطابا معارضا عاليا ضد السلطة فإنها ستؤدي إلى انكشاف عورات السلطة والمعارضة داخليا لأن الصراع لايتيح مجالا لحماية الضعف الداخلي أو العور في الأداء الذاتي.
ومع إمكانية أن تكون هذه الانتخابات مجرد محطة عادية لاتشكل تحولا جوهريا، فإنها أيضا لن تقود لإضعاف الديمقراطية اليمنية، بل إنها ستحقق لنا إنجازاً في كل حالة منها، فإن أديرت برشد من قبل السلطة والمعارضة، فستحقق لنا ما لخصه بن نعمان وأوردته سابقا، نحو إعادة فرز الحالة اليمنية بمايتناسب والاحتياجات المستقبلية للبلاد، وإن عبر ذات الأدوات التي استخدمت لحماية الماضي حتى اليوم.
أما إن أديرت بأداء يسعى للثأر للماضي وليس التخلص منه، ويعيد ترتيب أوراق هذا الماضي ليتحكم بالمستقبل مرة أخرى، فإن من المتوقع أن تؤدي هذه الانتخابات إلى إضعاف قدرة وجهي العملة اللذين وإن تحدثا بلغتين مختلفتين ومن موقعين يسمى أحدهما السلطة ويسمى الآخر المعارضة، فإن أداءهما واحد كل في مربعه.
ولاشك أن هذا الإضعاف سيكون الطريق نحو تقوية أدوار أخرى محكومة بـ”التطور الهائل الذي يشهده عالم اليوم في المعرفة والاتصالات والمعلوماتية وتشابك المصالح” والذي يجعل التراجع عن “الديمقراطية” عملية مستحيلة.

[email protected]