لا انتخابات دون انفراج سياسي ونظام إنتخابي – محمد عبدالملك المتوكل

لا انتخابات دون انفراج سياسي ونظام إنتخابي – محمد عبدالملك المتوكل

إذا كان أبغض الحلال عند الله هو الطلاق فإن أبغض الحلال إلى نفسي هو مقاطعة الانتخابات، ولكن حين تصبح الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق وتصبح الانتخابات كارثة وطنية فإن الطلاق والمقاطعة تصبحان نعمة وتفادياً لما هو أخطر وأعظم وأشد وأنكى.
كان الاتجاه لإنهاء الصراع المسلح في شمال الشمال خطوة في الطريق الصحيح لتحقيق إنفراج سياسي لكنها غير كافية لإحداث الانفراج السياسي الذي يهيئ المناخ لانتخابات برلمانية حرة ونزيهة ومتكافئة وأمنة تحظى بمشاركة شعبية واسعة وترحيب دولي.
السجون المملوءة بالأبرياء- من رجال السياسة والفكر، والقلم، وجازعي الطريق والمناضلين بالوسائل السلمية والديمقراطية من جنوب اليمن وشماله تضفي على المناخ السياسي توتراً حاداً يجعل من الصعب على أحزاب اللقاء المشترك ومؤسسات المجتمع المدني وكل القوى الديمقراطية أن تدعي أنها تمارس الديمقراطية في مناخ غير ديمقراطي ولن تكون أكثر من قطيع يتقاطر على صناديق مفعمة بالكذب وشهادات الزور لتفرز برلماناً بينه وبين الديمقراطية ما بين السموات والأرض.
ولنا أن نتصور ماهي مشاعر هؤلاء المساجين في كهوف الأمن السياسي ومشاعر أهلهم وأحزابهم وأنصارهم وهم يسمعونا من كهوفهم المظلمة الظالمة ننشد نشيد الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان ونتيجة إلى الصناديق التي يحرسها سجانو الأمن السياسي، ويتحكم فيها أشاوسة الأمن القومي، ويزينها ممثلو أحزاب اللقاء المشترك الذين يسيرون كالأطرش في الزفة لا شبيه لهم إلا أم العروسة التي تدور وتطلع وتنزل، وتعرق وتتعب وهي لا تعمل شيئاً.
 وبشكل خاص إذا ما تمت الانتخابات في ظل النظام الانتخابي القائم وفي ظل الهيمنة المطلقة لحزب الحاكم على كل مقدرات الدولة وسلطاتها وجيشها وامنها والتي تجعل من ممثلي الاحزاب في اللجنة العليا (للانتخابات) واللجان المتفرعة عنها مؤدبين عقلاء، يراعون الظروف ويتقرصون العافية، ويتفادون اصوملة ويقرون في النهاية بالأمر الواقع كما كان الحال في الانتخابات الرئاسية.واذا ما قرروا أن يتمنطقوا بالسلاح لحماية ارادة الشعب والدفاع عن الصندوق سوف يدخلون لعبة السلطة. وحين تسفك الدماء دون استعداد أو توازن في القوى ينفض السمار ويلغى الهامش ويثخن المجتمع المدني بالجراح وندخل مرحلة جديدة في ظل قانون الطورائ وقانون الارهاب، ونجهض مرحلة تتنامى في ظل النضال السلمي والديمقراطية.
 وهناك محذور لابد وأن نتنبه له فحين لا يكون هناك استكمال للانفراج السياسي على مستوى القضية الجنوبية فسوف نواجه ما أشار إليه الاستاذ محمد باسندوه في مقابلته في صحيفة «الوسط» (الأسبوع الماضي) حيث يقول: «إذْ يمكن أن يؤدي استمرار الحراك الشعبي الجاري في المحافظات الجنوبية والشرقية الناجم عن الشعور بالغبن والاقصاء والتهميش إلى مقاطعة معظم المواطنين فيها لعملية الاقتراع ما قد يعتبر دليلاً على أنهم يرفضون الوحدة»، ويضيف الأخ باسندوه: «حتى لو شاركت أقلية من المواطنين في الادلاء بأصواتهم فإن امتناع الأكثرية سوف يعطي إنطباعاً بأنهم ضد الوحدة باعتبار الانتخابات العامة نوعاً من الاستفتاء الشعبي».
ما يقوله الاستاذ باسندوه صحيح، وبالتالي فإما وأن يستكمل الانفراج السياسي ليشمل الشمال والجنوب وإما وأن تقاطع الانتخابات في مظهر وحدوي يشمل الشمال والجنوب مما يؤكد أن الازمة أزمة سلطة لا أزمة وحدة.
لقد كنت دوماً أميل إلى المشاركة في الانتخابات تحت أي ظرف بهدف ترسيخ النهج الديمقراطي، وتنمية الوعي الشعبي، وتدريب الكوادر الحزبية على مخاطبة الناس وكسبهم وتعبئتهم وفرصة للأحزاب لتقديم نفسها وبرامجها للناس كبديل لما هو قائم. لكن حين تصبح الانتخابات في ذهن الناس قاعدة لإعادة إنتاج الفساد والمفسدين وأداة لتزييف الوعي، سوف يصل الناس إلى أن الديمقراطية كلام فارغ والانتخابات وسيلة فاشلة لصناعة التغيير، وبذلك لا نرسخ النهج الديمقراطي وإنما ندمره ولا نساهم في رفع الوعي وإنما نزيفه، ولا ننمي الأحزاب وإنما نجعل الناس تراها أداة السلطة للضحك على الناس في الداخل والخارج. وبذلك فإن الأحزاب بالمشاركة في مثل هذه الانتخابات لا تقوم سوى بالاحتفال بإعادة إنتاج الفساد في شكل ديمقراطي زائف، وعليه تصبح المقاطعة الايجابية هي الخيار الأفضل.
لاخيار سوى الضغط على النظام لتحقيق إنفراج سياسي كامل على مستوى الشمال والجنوب ابتداء بإطلاق جميع المعتقلين على ذمة حراك الجنوب أو حرب الشمال وإصلاح النظام الانتخابي وآلياته بما يضمن التعبير عن الارادة الحرة للشعب، أو لندع الحصان يتنافس مع ذيله وتتجه الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وكل القوى الديمقراطية للالتحام بالجماهير في مسيرة نضال سلمي متصاعد يفقد نظام الفساد كل مبررات وجوده.
وإذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
وصدق الله القائل: «وما كان ربك يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون».
4/8/2008.