نبيل الصوفي يكتب عن هيئة الفضيلة: مع قدسية الإختلاط وضد رذيلة الرقابة والغرف المغلقة

نبيل الصوفي يكتب عن هيئة الفضيلة: مع قدسية الإختلاط وضد رذيلة الرقابة والغرف المغلقة

-1-
رفقة البحث الجنائي، الشهر الفائت دخل “أفراد” -تنفي هيئة الأمر بالمعروف والمنكر علاقتها بهم- مطعما صينيا في العاصمة صنعاء. كان ثمة طاولة وسط المطعم لشركة أميركية اصطف حولها مدعوون في احتفال (خاص). يكفي أن المطعم صيني، وأن الحفل أميركي. لنكف عن البحث عماذا كان على الطاولة من مشروبات، فغير المشروبات لم يجد أشاوس البحث شيئا (ولمن لا يعرف فإن القانون اليمني لا يتدخل بين غير اليمنيين وما هو مباح في شرائعهم ومنها الخمور (وهو موقف شرعي لا غبار عليه؛ إذ لا يلزم الدين غير المؤمنين به بأي التزامات). ولمن سيتحدث عن الستر فإن قوانين كل الدول الأوربية تمنع المخمورين من ممارسة أي نشاط عام).
-2-
في بيانها المكون من ست صفحات زاهية الألوان، تتحدث “هيئة الفضيلة” عن: “الاختلاط، الرقص، إمساك الشباب أيدي الشابات، سفر النساء، رياضة المرأة، المهرجانات الفنية بل حتى الشعبية كمهرجان البلدة في مكلا حضرموت…”. وسأكف مطلقا عن الحديث على مقالة الشيخ الجليل عبدالمجيد الزنداني في مؤتمر الهيئة عن “الدعم الدولي ليُزنى بنسائنا”، فهذا حديث على مسؤوليته.
صفحات الهيئة مفرطة الصرامة، لا تختلف مطلقا عما تقوله تنظيمات “القاعدة” تبريرا لعملياتها، وعما قاله علي السعواني -رحمه الله- كتبرير لاغتيال المناضل الوطني جارالله عمر تغمده الله برحمته.
الهيئة في بيانها لا تفتي بالحرمة المبدئية، بل هي تتحدث عن وقائع بالتواريخ والأرقام، وتقرر صفة هذه الوقائع وتصدر عليها الحكم. وهذه مهمة سياسية وليست تربوية، أمنية وليست إرشادية، قضائية وليست مبدئية.
-3-
البحث الجنائي هناك كان ينفذ قانونه الطبيعي. ففي اليمن من الأمن السياسي إلى الأمن المركزي وحتى الصاعقة (مع اختلاف نوعي في تعاملات أفراد الحرس الجمهوري، ومجندي المحافظات الشرقية والجنوبية في محتلف الوحدات) معنيون بالرقابة الاجتماعية على كل الناس، عفوا! على البسطاء من الناس، من لا تحميهم أطقم ولا بجيوبهم أموال.
أفراد الأمن السياسي المبثوثون في كل فندق ومرفق يتحرون عن عقود الزواج بين الرجال والنساء (غالب اليمنيين يعقدون في المساجد أو في المنازل، وقليل منهم ينجزون مهمة التسجيل القانوني، إلا إذا احتاجوا لمعاملات خاصة. وغالب اليمنيات ليس لهن بطاقات شخصية. واليوم هناك أشكال من الزواج الشرعي الذي لا ينقض مشروعيته خلاف الفقهاء، من الـ”زواج فريند” إلى المسيار… وغيره).
ويمكن حتى لضابط الأمن في المطار، أو أفراد في نقطة بين محافظتين، أن يسألوك: “هات بطاقتك العائلية!”.
الأهم –حتى يكف أهل الفضيلة عن اعتبار دور هؤلاء الأشاوس حمية دينية، عدى بعضهم طبعا- هو أن غالب عمليات الحماية الأخلاقية تنتهي بدفع مبالغ مالية “رشوة” تكون بعدها الفضيلة “تمام التمام”!! وأفعل ما شئت.
-4-
هيئة الفضيلة تجمع أشتات، فمنهم من يشعر بالقلق من الجريمة المنظمة وبخاصة في قضايا الدعارة، ومنهم من لديه قناعة كاملة بأن تديّنه ناقص ما لم يقم بحماية الناس من أنفسهم الأمّارة بالسوء (يقتصر الأمر على معاصي العلاقات الجنسية وشرب المسكرات، أما الرشوة والظلم والإكراه وغيرها من المعاصي فالله حسيب أربابها)، ومنهم من يبيح لنفسه “كل شيء”، ويخاف من أن يكون الناس مثله حفاظا على اتزان المجتمع، ومنهم من يخاف على طريقة رؤيته للحياة (لا يستطيع مدرك أن يقول إن الرؤية لحركة المرأة وللفنون وللأزياء وحتى للتسوق تستوي لدى ساكن مدينة كعدن أو المكلا أو حتى ذمار وصعدة مع رؤية ساكن خَمِر أو مريس أو سامع، ناهيك عن خولان أو القفر؛ هذه هي قوانين العمران). وحين كانت المدن (نذكر عدن بالتحديد) مكان القرار الأول، كانت الأوضاع مختلفة عن حاضرنا الذي آلت الأفضلية فيه لنقيض المدينة.
ومنهم من صار لديه “تتبع عورات الناس” فضيلة مشرف التباهي بها، مع أن في الشرع نهي وزجر عن ذلك. ولعلهم لم يسمعوا يوما بحديث رسول الإسلام لمن جاء يتحدث عن علاقة جنسية لصحابي بغير زوجته: “والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرا مما صنعت به”، والحديث الذي رواه معاوية رضي الله عنه: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك إن اتّبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم”.
-5-
باستثناء المؤسسة الرسمية، فلمن يشاء أن يدعو لما يشاء، ناهيك عن أن يمارس ما يشاء في مكانه وزمانه. ومن هؤلاء فرقاء هيئة الفضيلة. والذين عليهم، وعلينا نحن الرافضين لهم، سواء سياسيا أم فكريا، أن نحمي اختلافاتنا من هوسنا بادعاء الكمال النظري، سواء رأينا نحن أنهم ضد الحياة، أو رأوا هم في نشاطنا مخالفا للشريعة (يتحدثون عن الشريعة كأنها حكم واحد ورأي واحد وكأنها كلام منزل من السماء، مع أنها ليست سوى قواعد إدارة الحياة وفقا لتفعيدات البشر، وفي طياتها تجد اختلافات لو أن أهلها وجدوا في زمن هيئة الفضيلة لاعتبروا زنادقة وكفارا).
بقي معنا حساسية الاختلاف مع “علماء” يربون أتباعهم على “إن الله يحب الغيور على دينه” (والغيرة هنا لا تمر من وادي من أحيا الناس)، ويتركون بعد ذلك الغيورين ليعيثوا في الأرض الخراب، طالما أن غيرهم هم من سيعدمون كالسعواني، أو يعتقلون في جونتانامو، أو يقتلون في جبال صعدة وبني حشيش، أو تتخطفهم أجهزة المخابرات في غير مكان. فيما أكثر ما قد يضطر له حُجّة الدين بعد كل فاجعة كلمتان، أقلها عنفا ما قاله الشيخ محمد الغزالي عقب مقتل فرج فودة. يومها شهد بأن القاتل يستحق العقوبة، ولكن ليس كمجرم بل “مفتئت على الدولة”. ولا أجد مبررا للشيخ الغزالي تغمده الله برحمته وأكرم جهده، والذي عانى مثله مثل فودة من التنكيل، إلا أنه تعامل مع نفسه كأنه عضو في هيئة محكمين حيث دعي للشهادة القانونية رغم أن القضاء المصري لا يدار بتلك الطريقة التي يدار بها القضاء الأميركي مثلا والتي تجعل المواطنين في هيئة المحلفين هم من يقررون أولا ما إذا كانت حالة متهم ما ينطبق عليها وصف التجريم القانوني، ليبدأ القاضي بعد ذلك محاكمته وفقا للنص (ربما حبي للشيخ الغزالي يدفعني لهذا التبرير).
حساسية الاختلاف مع أمثال هؤلاء لا شك تستحق منا كثيرا من التضحيات، ولا بأس، فلندفعها طالما وبيننا حركات سياسية تلتزم برنامجيا بحماية “الدين”، أكثر من التزامها بقولها إنها سياسية مهمتها إدارة الدنيا (هي أكثر حساسية على النص من حساسيتها على الإنسان الذي من أجله أنزل النص ومن أجله يجوز تعطيله).
وللعلم فإن حماية الدين مهمة مقدسة لكل الحركات ذات المنشأ الذي يسمى دينيا، سواء في المجتمعات الإسلامية أو حتى اليهودية والمسيحية وفي مختلف الديانات، وداخل الإسلام في مختلف المدارس والمذاهب. والأصح تسميتهم بأصحاب المدرسة الطبقية التي تحول علماء الوعظ إلى طبقة وصاية، وهي تمارس الوصاية حتى على علماء الشريعة (الأخيرون برأيي هم القضاة أولا والفقهاء المجتهدين ثانيا).
وهذه المدرسة أحد تجليات الصراع مع غيرها من اشكال التعبير الاجتماعي والثقافي، وخطورتها أقل داخل المدرسة السنية في إطار الإسلام، بالنظر إلى أنه مهما علا صوتها تظل عالة على بقية التعبيرات الاقتصادية، حيث يظل أفرادها بعيدين عن النشاط المادي، ومن ثم تجد مثلا الحركة السلفية السعودية أو جامعة الإيمان في اليمن أو غيرهما عالة على مؤسسات اقتصادية تتناقض أهدفهما كلية، ولا يمكن لأحد أربابها أن يمارس دوره على الآخر. وهذا خلافا للمدرسة الشيعية التي يمنح “الخمس” طبقة الوعاظ والفقهاء قوة مضاعفة للسيطرة.
-6-
في خلافنا مع علمائنا الأجلاء من كل مذهب ومدرسة، نقول لهم إننا ضد أفكارهم جذريا، فليس علينا الالتزام بأولوياتهم. لسنا نقدح في خطورة انتشار الخمور والدعارة، والأمران يكافَحان حتى في أكثر الدول ليبرالية، فهناك جماعات مناهضة لانتشار الخمور حتى في أميركا وهولندا والدنمرك. وفي فرنسا يمنع الترخيص لمحلات الرق الجنسي. فهذه مسائل تتعلق بالنشاط العام للبشر، أيا كان دينهم. ولا فرق بين سلوكيات كاهن أو قسيس ومن يسميهم خصومهم برجال الدين في المجتمع المسلم من هذه الأشياء، نظريا على الأقل.
نعم، لنقل بصريح العبارة (هذا للمتدينين، أما غيرهم فلايهمهم هذا القول) إنه طالما لم ينقل لنا أن محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم)، أرسل عسسا في المدينة لتتبع حركات النساء اللاتي كن يخرجن بغطاء واحد للجسد (أحيانا هو رقعة النوم)، ولم يُعلم أنه فعل أكثر من قراءة آيات تحريم الخمور، فلا حق لكم في إلزامنا بطريقة حمالة الحطب في اللبس والحركة. ومكافحة الخمور ليست أولوية عندنا، ومع التزامنا الشخصي بتحريمها شرعا وعقلا، فإننا نعتبرها شأنا شخصيا ما لم يظهر شاربها سكره. وهذه قضايا لم تكن مثار جدل في أي عهد من عهود الدولة الإسلامية منذ عهد الإسلام الأول، وظل الاهتمام بها شأنا للعلماء والوعاظ، وهو اهتمام دعوي تربوي وليس عرائض ووقائع تستخدم في إطار الصراع على المرجعيات الاجتماعية بحيث يعرض بفلان في محاولة لإضعاف مكانته الاجتماعية. أما العقوبات فتتعلق بمن أظهر “سوأته”، وإلا “درئت الحدود بالشبهات” وليس كمايحدث الآن: يُبحث عن الحدود بالشبهات.
ولم تبدأ حمى الانشغال بأخلاق الناس الخاصة إلا في عصر فقهاء الدول التي كانت تدفع الناس للانشغال ببعض لتنعم هي وأمراؤها بممارسة كل شيء يحرمه الخطباء على بسطاء القوم، ثم يجالسون الأمراء ويقبلون أيديهم وهم يعلمون أن تلك الأيدي تناولت الخمور ومارست كل أنواع العبث وبالقوة وليس نزوات أو رغائب.
ونحن مع دفع الناس للحياة في البيوت والشوراع والأندية والحفلات، ومع أن يحيا المراهقون حياتهم، كما هو للطفولة، وأن يتحمل الراشدون مسؤوليتهم، وأن يتحمل الكبار واجباتهم.
نحن ضد تضخيم مشكلات على مشكلات (فحتى الشريعة لم تزد على معاقبة زنا غير المتزوجين بالجلد، ولم تركز فيما يخص الأزواج إلا على وضع المؤسسة الزوجية وإنهائها باللعن لحماية طرفيها، وهي عقوبات تأديبية لحماية الحقوق الجماعية حتى لا يتعدى عليها من لا ضمير لهم ولا ذمة وأولهم تجار جرائم الشرف).
-7-
نحن مع الفضيلة ضد خيانات الروح، فضلا على الاغتصاب والتغرير بالشباب، ذكورا وإناثا، مثلها كمثل الحديث عن مساوئ الخيانات، والزواج بالإكراه، والتناسل من غير مودة ورحمة. وكلنا نحتاج للتذكير والوعظ والإرشاد والتربية والدعوة.
وخلافا لها فإننا مع أن يفسح للثنائي الذي خلقه الله جناحي طير واحد هو الحياة، ليعيد بالاختلاط لهذا الطير قوته، ولهذه البلاد بعضا من جمالها. ونحن أولا، ضد تصوير الاختلاط على أنه “تشجيع للدعارة”، فالتنظيمات التي في الشريعة هي تخص مجتمع مختلط والألفاظ يجب ألاّ ترمى على عواهنها وإلا وجب جلد الذين يرمون المحصنات فكيف إذا كان من يرمى خطيب مسجد (أتذكر خطيبا كان يصيح ضد كاتبة قصيدة ناجت ربها: “لو نامت على جرحي ساحابات هواك…” في تسبيح يشد الملك، فكلنا ندعو الله أن يمنحنا السكينة والطمأنينة، غير أن صاحبنا لم يفهم فقام على المنبر وشعرت بالغثيان وهو يصيح مرعدا ومزبدا: “تريد من الله أن ينام على صدرها”!!
إن العصر الأول كان مجتمعا مختلطا، من السوق، إلى المسجد، إلى المعارك العسكرية… كان صوت المرأة يرتفع في المسجد ضد ما رأته خطأً، كما فعلت من قالت لعمر رضي الله عنه وأرضاه: أخطأت. وتقول المرأة الشعر، وتجادل، وتشتكي، وحتى لو لم يكن ذلك حادثا في خير قرون الإسلام، فإن ذلك لا يعني التحريم. لا يعقل القول إن كا ما لم يكن حادثا في عصر ما محرم على عصر آخر.
 إن الاختلاط يقوي مسؤولية الرجال والنساء على حد سواء لأنهما معا، والاختلاط يتطلب تربية تدافع بعد ذلك مظاهر الإنحراف. الاختلاط لا يعني أن يظل الرجال مع من لا تعنيهم من النساء، والعكس. إن أسوأ آثار هذه الملاحقة للاختلاط أن المرأة وشريكها، أو حتى أخيها وأبيها وابنها لم يعد بإمكانهما البقاء معا إلا في غرفهم. لذا يعيش الرجل بعيدا عن نصفه، وكذلك المرأة، ومن أراد تجاوز ذلك عاقبه من لا دين لهم ولا فضيلة تهمهم، بالتلصص والفضول وقلة الأدب، وبحجة حماية الأدب!!
لو قررت يوما الخروج مع أختك أو زوجتك أو ابنتك، وحتى أمك، الكل يراقبكما، لا تتلامسان، لا تقربا من بعض، لا تضحكا، لا… لا… لا…. ولكم أن تلحظوا من تخرج من الأسر اليمنية للشارع العام، كيف يسير الرجل والمرأة متباعدين، مع أن هذا البعد هو المدخل الأول لإراقة الفضيلة والطهارة.
من يخرج في هذه البلاد مع أهله مشروع رذيلة تحيي قرن الشيطان في رجال ونساء مرضى في الشارع العام، لم يقل لهم العلماء إن التلصص رذيلة، وإن اشتهاء كل أنثى أو كل رجل مرض نفسي وانحراف تربوي ضد الله وفطرته، يفسد حتى الواقع بعد ذلك. فالملتهبة خيالاتهم بهذه الطريقة حين يجمعهما فراش الزوجية لا يقدران على شيء من كثرة الإجهاد النظري، فيلجآن للمنشطات الجنسية (المنتعشة بشكل ملفت في هذه البلاد) فيحولا الجنس إلى حمل أثقال لا علاقة للروح به، مما يسهل بعد ذلك ممارسته خارج مؤسسة المودة والرحمة.
أعلم أن البعض يستفز من الحديث بهذا الوضوح، وأعتقد أنه لو بيده لمحى من القرآن سورة يوسف. فهو يرى نفسه أدرى من الخالق بالخلق. وأعترف أني أكتب منفعلا. ومن لن ينفعل بعد أن يقرأ صفحات أهل الفضيلة “حفظهم الله”، هم حريصون على الفضيلة ولا شك، ولكنهم لا يعرفون أنهم إنما يؤسسون لنقيضها. والله يقول الحق.
إن علماءنا وخطباءنا لا هم لهم ليل نهار إلا الخطب ضد المرأة والاختلاط، كأنهم لا يشاهدون أي فصل للروح تعيشه هذه البلاد التي لا يعيش رجالها مع نسائهم (أتحدث عن الأسر الواحدة). فالرجل أو المرأة منا يقضي وقته مع مثيله جنسيا أكثر مما يقضيه مع أسرته (سواء مع الزوجة أم الأبناء أم الإخوة).
أهل هذه البلاد لا يقدرون على الاختلاط العلني الذي ينظر له بأنه من أساسه حرام، مع أن ذلك خرق شرعي وعقلي وتعصب وتطرف.
إن من الظلم أن تربيتنا الخاطئة أوصلتنا لحالة من الإنحراف صار فيها كل رجل يمكنه أن يشتهي كل امرأة والعكس صحيح. وهذا ضد سنة الله التي خلقتنا أرواح “ما تعارف منها ائتلف”. إننا بشر ولسنا حيوانات.
نحن أنصار للاختلافات الفقهية بشأن الغناء والاختلاط والرقص والرياضة، وبيننا من لا يهمه أصلا ما يقوله الفقهاء، ومع التفكير بشكل مختلف بشأن تحميل المرأة عبء الفضيلة، خوفا على فتنة أخيها الرجل الذي كلما ازداد ما يصفه ظلما بأنه انفتاح فيما هو تفاهة وقلة ادب، زادت ضغوطه على قريباته ونساء أسرته؛ لأنه يرى الرجل بعين طبعه.
والأسوأ أن يوصف تصدي نسائنا للدفاع عنهن وعن حقوق مجتعهن بأنه “دعوات للدعارة”.
أما الحديث عن مطالب المجتمع، فليتذكر الذين يقولون إن الشيخ فلان يحضر له عشرة آلاف مستمع، أن حفلا فنيا واحدا سيحضر له أضعاف ذلك، ومقابل انتشار أشرطة للوعظ الذي نحتاج بعضه ولا نحتاج بعضا آخر، هناك أضعاف مضاعفة لأغان بعضها تسمو بالروح وبعضها هابطة تثير الكراهية للصوت والصورة.
نعم، ليست هذه أولويات، ومع خطورة وسوء الدعارة المنظمة، فهي لا تستحق أن يحشد لها كل هذا الجهد العام؛ إذ يكفي بلاغ أمني لإغلاق الوكر، ويكفي إحياء أرواح الناس لتسير الطهارة على قدمين في الشوارع العامة، ويكفي إدراك معنى المودة والرحمة والتربية عليهما ليكون الواحد منا –رجلا أم امرأة- أكثر بعدا عن الرذيلة التي لا تحميها النصوص بل المشاعر التي ركن لها الأنبياء، فالتوبة مشاعر وليست قوانين.
-8-
بعد هذا، نريد أن نتعاون (أنصار الفضيلة وأنصار الهيئة) لإيقاف النفاق، والانشغال بتقييم الإنسان من كم جهد يبذل في عمله، كم ينتج، كم يؤدي، كم يطبق القانون، كم يرتشي… فالسلوكيات المتعدية هي الأكثر خطورة.
فسقوط دولة بني اسرائيل الأولى كانت بسبب أن مواطنيها “كانوا إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإذا سرق القوي تركوه”، كما قال رسول الرحمة، وإطعام باغية لقطة يدخلها الجنة، فيما نفاق حافظ للقرآن أو شهيد يقذف به للنار.
إننا نعلم أنه إن يتضمن الدستور وكل القوانين شرطا من قبيل “مستقيم الأخلاق والسلوك محافظاً على الشعائر الإسلامية”، لا يعني أن مسؤولينا يتزاحمون على الشعائر، بل أن من شرع هذه المادة يخلط بين شروط من يدخل الجنة ومن يتولى الإدارة في الدنيا.
إننا -أجلائنا في الهيئة- نريد أن نتحلف معكم لتطبيبق الآية: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب».
وللأسف فإن جهودكم ليس فيها شيء من ذلك؛ لذلك فنحن ضدكم. والسلام.
 
نبيل الصوفي
[email protected]