تلقى تحذيرات عديدة قبيل اعتقاله، فقال: الصراحة بتزعل.. في عيد الوحدة ال18 نفذت السلطة جريمة اختفاء قسري جديدة – هلال الجمرة

تلقى تحذيرات عديدة قبيل اعتقاله، فقال: الصراحة بتزعل.. في عيد الوحدة ال18 نفذت السلطة جريمة اختفاء قسري جديدة – هلال الجمرة

أراد محمد مفتاح مساء 22 مايو المنصرم القيام بواجب اجتماعي. غادر منزله الكائن في ضاحية الروضة شمال العاصمة، مصطحباً طفليه: طه وأمير الدين. أدار محرك سيارته البالية من نوع زيزو موديل 1984. واتجه إلى قلب عاصمة الوحدة، العاصمة التي تحتفل بالذكرى ال18 للوحدة المباركة. كانت الوجهه أحد المساجد وسط العاصمة، والهدف المشاركة في دريس (قراءة سورة يس) بعد صلاة المغرب على روح أحد أصدقائه.
بعد دقائق من بدء رحلة الواجب، كانت السيارة تمر أمام مبنى الكلية الحربية. هناك اعترضت سيارتان (صالون وهيلوكس) سيارة مفتاح. وترجل أكثر من 10 مسلحين من السيارتين، وشرعوا برشق سيارة مفتاح بالرصاص الحي.
كانوا يرتدون أزياء مدنية، ونظارات سوداء سميكة.
على الارجح فإن محمد مفتاح لم يستعد لمشهد كهذا في عيد الوحدة. أما طه،14، الذي كان يجلس في المقعد الأمامي، وأمير الدين،12، الجالس في الخلف، فقد تجمدا في مكانيهما.
بعد ثوانٍ تقدم المسلحون نحو الأب وانتزعوه من مقعده، ومن الجهة الأخرى للسيارة نزل طه وأمير من السيارة، ولاذا بالفرار.
كانت أسرة مفتاح على موعد جديد على محنة الاختفاء القسري. وبعد 57 يوماً ماتزال زوجته وأطفاله وطلابه ومحبوه يبحثون عن «مفتاح» يقودهم إلى مكان وجوده.
***
صباح الأحد الماضي اعتصمت عشرات الأسر والعديد من الناشطين الحقوقيين، أمام مجلس النواب للمطالبة بإنهاء ظاهرة الإختفاء القسري وإطلاق سراح الضحايا ومحاسبة الأجهزة الأمنية المتورطة في جرائم الاختفاء القسري.
وبحسب منظمات حقوقية فإن نحو 60 يمنياً اختفوا قسرياً خلال الشهرين الماضيين، على خلفية حرب صعدة. وإلى هؤلاء رصدت المنظمة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات 4 حالات جديدة لأشخاص من أقارب المختفين قسرياً، شاركوا في اعتصام الأحد.
إلى أسرة محمد مفتاح، شاركت 20 أسرة أخرى في الاعتصام. وقد انتشرت قوات أمن في مداخل الشوارع المؤدية إلى البرلمان لمنع المعتصمين من الاقتراب من ممثلي الشعب. واضطر المعتصمون إلى التجمع في ميدان التحرير. وهناك اختاروا مندوبين عنهم لتسليم رسالتهم إلى النواب. وقد قرر البرلمان تشكيل لجنة برئاسة حمير عبدالله الأحمر نائب رئيس البرلمان، لتقصي الحقائق حول حالات الاختفاء القسري. غادر المعتصمون ساحة التحرير في انتظار ما ستفعله اللجنة البرلمانية الرفيعة لتحرير الضحايا من الخاطفين. كانت بعض الأسر ماتزال في الساحة بعد انفضاض الاعتصام. وقد اقترب 3 مدنيين من زوجة محمد مفتاح، وبنبرة وعيد نصحوها: «هذا الاعتصام على بلاكم… ليش بتعتصموا؟ انتم بتضروه أكثر من ما بتنفعوه». لم تكترث الزوجة الصابرة لوعيدهم، وغادرت بهدوء الساحة، لكنها تلقت لاحقاً اتصالاً من مجهول على تلفونها السيار، يحذرها من مغبة المشاركة في أي اعتصام جديد.
***
ارتبطت ظاهرة الاختفاء القسري بدورات الصراعات السياسية في حقبة ما قبل الوحدة. وعلى الرغم من استمرار هذا الملف الخطير مفتوحاً بعد 18 سنة من الوحدة، فإن الأجهزة الأمنية وبعض الوحدات العسكرية لم تتردد في ردفه بحالات جديدة، كما حدث في حرب 1994، وفي الجولة الأولى من حرب صعدة 2004. وبخصوص حالة محمد مفتاح فإن الأمر لا يخلو من دلالات على اضمحلال وعود الوحدة، فقد اختار الجناة اخفاءه قسرياً مساء 22 مايو 2008.
***
خبرت أسرة مفتاح العيش في قلب المحن. وقد سبق أن تعرض للاختفاء القسري في سبتمبر 2004 لفترة أسبوعين، قبل أن تكشف الأجهزة الأمنية عن مكان وجوده، ثم تحيله إلى القضاء بتهمة الارتباط بدولة أجنبية والتأمر على الدولة. بعد محاكمة شكلية أمام المحكمة الجنائية المتخصصة قاطعها محاموه، حُكم على مفتاح، المولود في الحيمة عام 1969، بالسجن عشر سنوات. في نهاية العام الأول غادر مفتاح وزميله يحيى الديلمي (المحكوم بالاعدام) السجن المركزي بناء على عفو رئاسي.
في 27 ديسمبر الماضي أُعتقل مجدداً إثر مشاركته في احتفال ديني في مديرية بني حشيش بمناسبة يوم الغدير. في كلمته في الاحتفال انتقد مفتاح العنف، وقال: «نحن نرفض المظاهر المسلحة، ولا أحد فارح يتحمل بندق». وإذ شدَّد على أن النظام الجمهوري مسألة محسومة، لفت انتباه الحضور إلى «إننا الآن أبناء اليمن الواحد». على أن الأجهزة لا تؤمن، كما يبدو من سلوكها، باليمن الواحد، وقد سارعت إلى اعتقاله وهو في طريق عودته إلى صنعاء. وكذلك فعلت في يوم الوحدة.
***
بالنسبة للضحايا الحاليين لجرائم الاختفاء القسري فإن الوحدة مكنتهم من البوح بمعاناتهم، خلاف أسلافهم الذين مال أغلبهم إلى الصمت لتفادي وحشية الأجهزة في غياب صحافة حرة، وحركة حقوقية مستقلة.
لاذت أسرة مفتاح بالنائب العام. وقد أصدر توجيهات بشأن حالة اختفاء مفتاح قسرياً. وبحسب مصدر قانوني فإن مسؤولاً رفيعاً أبلغ أسرة مفتاح، عبر مسؤول قضائي، بضرورة التزام الصمت والابتعاد عن الصحافة وتجنب المشاركة في اعتصامات، فذلك كله- حسب المسؤول الرفيع- لن يجدي نفعاً.
***
عُرف مفتاح بصلابته، هو الذي اختار بمحض إرادته العمل السلمي في مواجهة الانتهاكات. وهو تلقي تهديدات عديدة قبيل عيد الوحدة المباركة. وكثيراً ما كانت زوجته واقاربه ومحبوه يسمعونه بعد كل انتهاك أو تهديد، يردد: «الصراحة بتزعل». وحسب زوجته، فإن آخر وعيد تلقاه مفتاح كان مفاده: امتنع عن الكتابة في الصحف، والالتقاء بالناس، وإلقاء الخطب، ومغادرة بيتك، ومن الأفضل أن لا يزورك أحد.
ما كان لمفتاح أن يذعن لرغبة مجنونة تصادر حقوق السياسية والمدنية، هو الناشط الحقوقي والخطيب المفوه، ورئيس مجلس شورى حزب الحق.
وفور مغادرته منزله في يوم الوحدة، تحقق الوعيد في مشهد مروِّع، صيَّر الرصاص خلاله أجزاءً من سيارته غربالاً. ولا تعرف زوجته وأطفاله ما إذا كان أصيب خلال اعتقاله أم لا.
وحسب مصدر معارض، فإن مسؤولاً رفيعاً في الدولة أبلغ مؤخراً قياديين في المشترك بأن مفتاح في المعتقل لأنه لم يحترم العفو الرئاسي الذي صدر قبل 3 أعوام. وإذا صحت هذه الرواية فإن السؤال الذي يتولد عنها مباشرة، هو: «إذا لم يحترم مفتاح قرار العفو، وانتهك القانون، فلماذا لا تحيله السلطات إلى القضاء؟».
[email protected]
 

***
 
وصل طه وأمير إلى البيت مذعورين، وثبتا عيونهما
على الباب خوفاً من لحاق المسلحين بهما
براءة في حالة حصار

 
تتوزع أسرة مفتاح أعباء مواجهة الحرب التي اعلنتها السلطة ضد عائلها: تقاوم زوجته اليأس، ويقاوم أطفاله الخوف.
في العيد 18 لـ«الوحدة» كان طه، 14 سنة، يجلس في المقعد الأمامي إلى يمين والده. وجلس أمير الدين،12 سنه، في المقعد الخلفي. أطلق المسلحون الرصاص بغزارة على مقدمة السيارة، توطئة لاختطاف الأب، وربما قتله.
«خزقوا السيارة بالرصاص، وسحبوا أبي»، قال طه لـ«النداء». «هربنا أنا وأخي وإحنا نبكي، ونتلفت وراءنا»، أعاد تمثيل المشهد، وتابع: «وقفنا سيارة أجرة وروحنا البيت».
توقف طه عن البوح، فأكملت أمه القصة: وصلوا البيت وقدهم مصفرِّين، وحلوقهم ناشفة، ومتوترين».
جهدت الأم من أجل إعادة السكينة لطفليها، لكنها أخفقت. «جلسوا، وعيونهم ما تغمضش، ومصوبة على باب البيت». «كانوا خايفين لو يلحق بهم المسلحون إلى البيت»، استطردت قبل أن تستدعي جولات سابقة من محنة أسرة «معارض تحت التنكيل»: في المرات الأولى- تقصد اعتقاله في 2004 و2007- كانت أصوات الدقات على باب البيت تفزعهم كأنها أصوات مدافع».
يستعيد طه قدرته على البوح، ومعها يواصل سرد واقعة الخطف العلني التي تمت أمام مبنى الكلية الحربية في الروضة: «لما رموا الرصاص علينا مازد قدرنا نتحرك من الكراسي، ولما ابسرناهم سحبوا أبي من الكرسي، صيحنا عليهم: أين عتشلوا أبي… من أنتم؟ خفنا ونزلنا من السيارة».
***
خلال فترة زيارتي لأسرة مفتاح عصر الاثنين، لم تصدر عن أمير الدين أية عبارة، رغم محاولاتي المتكررة لاستدراجه إلى البوح. التزم الصمت، ماذكرني بمحنته عند الاعتقال الأول لوالده في الساعة العاشرة من مساء 16 سبتمبر 2004.
لحظتها كان أمير نائماً، وقد ايقظته أصوات مشادة أمام البيت. كان مسلحون ينفذون عملية اعتقال ضد والده، وقد شاهد أسلحة مصوبة إلى صدر أبيه. أصيب أمير بصدمة عصبية شديدة أفقدته النطق.
***
خلاف أمير، بدت أميرة، 13 سنة، ايجابية حتى أنها بادرت عدة مرات خلال اللقاء، لتقديم ايضاحات حول حياة الأسرة، أو لتذكير أمها بتفاصيل فاتت عليها.
أنهت أميرة الصف الثامن بتفوق، فقد حازت على الترتيب الثاني في المدرسة، تماماً كما شقيقاها طه الذي حاز على الترتيب الثاني في الصف الأول الثانوي، وأمير الدين الذي حاز على الترتيب الثاني في الصف السادس.
بعد اعتقال والدها بأيام، تقدمت إليها إحدى الطالبات في المدرسة، وبادرتها بتقديم العزاء في وفاة والدها. لم تأبه أميرة للطالبة الغريبة، وتجاهلتها تماماً لأنها «دارية أن الموضوع كذب».
تتشبث اميرة وشقيقاها بـ«البراءة» باعتبارها ملاذهم الغريزي من شياطين الخوف التي تطوق حياتهم.

***
 

 العزاء معكوساً على الطريقة الأمنية
 
 
 بعيد اعتقاله بأيام بدأت حرب نفسية ضد أسرة مفتاح. قامت نساء غريبات بزيارة إلى منزله لتقديم العزاء إلى أسرته. طرقن الباب، وطلبن الإذن بالدخول، ثم بادرن إلى تعزية الزوجة بوفاته. كذلك فعلت إحدى الطالبات في المدرسة التي تدرس فيها ابنته أميرة 13 عاماً.
حُرِّم مفتاح من أداء واجب العزاء و«الدرس» على روح أحد معارفه، وتولت جهات مجهولة تقديم واجب العزاء فيه!

***
 
حرب الأعصاب

في قصة مختف قسرياً في «العهد الوحدوي»، اقتباس مطول من قصة مختف قسرياً في عهود التشطير. فعلاوة على الشائعات، واللعب على الزمن، تفعل الأجهزة أشياء بغيضة أخرى.
في ساعة مبكرة من صباح 24 مايو 2008، أي بعد أقل من يومين على الاختفاء القسري لمفتاح، طرقت زوجته بوابة الأمن السياسي، وسألت موظفي الاستعلامات هناك عن مصير زوجها. لم تجد جواباً، وقد عاودت طرق البوابة 11 مرة خلال الشهر الأول على جريمة اختفائه، وفي بعض المرات أبلغها رجال الاستعلامات بأن زوجها موجود في ضيافة الأمن السياسي لكن زيارته ممنوعة، وفي مرات أخرى ينفون تماماً وجوده. وأخفقت كل محاولات الأسرة لمقابلة أحد المسؤولين في الأمن السياسي.
نشرت «النداء» على مدى أسابيع قصص مختفين قسرياً من حقبتي السبعينات والثمانينات، وسلوك المسؤولين في الأجهزة الأمنية، كما وسلوك كبار رجال الدولة، حيال واقعة إخفاء مفتاح، يبدو لنا مألوفاً جداً، ما يفيد بأن السلطة ماتزال تتعامل مع معارضيها وناقديها بروحية تشطيرية.
 
***

أمل… وتحية
 
 خرجت أسر المختفين قسرياً إلى المؤسسات الدستورية (قضاء وحكومة وبرلماناً)، تطالب بالكشف عن مصير الضحايا. ما يفيد بأن لديها بصيص أمل في إمكانية استجابة رجال الدولة لنداء المقهورين.
وفي انتظار ذلك، وجهت أسرة محمد مفتاح تحية تقدير وعرفان لكل من وقف معها في محنتها، وبخاصة المنظمات الحقوقية المستقلة التي تتابع قضية مفتاح وآخرين، والأختين انطلاق ورضية المتوكل، والعلامة المرتضى بن زيد المحطوري.