البلاد التي يخيفها ضحك أبنائها – أروى عثمانإ

البلاد التي يخيفها ضحك أبنائها – أروى عثمانإ

لى سيد الضحك/ الفنان فهد القرني في بحثه عن الله
“… أخبريهم أني أحبهم وأشتاق إليهم، وأنهم لا يغيبون عن خاطري لحظة. علميهم كيف يتمردون على نفسية العبيد بالإيمان. ازرعي الحرية فيهم واغرسي فيهم حب الوطن، واخبريهم أين يجدون الله… لتستمر الحكاية”.
< فهد القرني في رسالة إلى زوجته – صحيفة “الصحوة”.
وأنا أتابع المشهد الغرائبي للزمن الخرافي، للوطن الأكثر خرافة، الأكثر أسطرة مجنونة، الأكثر وخزاً وإيلاماً، الأكثر باقتدار أن يطفئ بلمح البصر كل ما هو باسم وضاحك… هذا المشهد المتعاظم غرائبية لما تعرض له الفنان الساخر فهد القرني، جنحته أو جريمته أنه يَضحك ويُضحك فقط، لا غير، في بلاد تتعشق المآتم والندب، والثارات، والانتقامات، كدورة دموية تسري في شرايينها، ففي كل طريق ضربة، قتلة، لطمة، دكمة، دهفة، زبطة، طعنة… وكلها تحدث “من غير عنا”، أو مقدر ومكتوب، فيهمز حارس الضربات ببندقيته زاعقاً وبسادية: “ما تدري” موته مُسجل باللوح المحفوظ، من يوم ما كان الآدمي مضغة”!
هذا البلد، بلدنا، وبلد فهد، وأنس وأويس وأمهما، يغتاظ من انفراج الشفاه وإطلاق نهدة التنفيس. بلاد تخذل الفرح، وإن بدأ من الكوى والنوافذ المواربة. وطن ينهزم من أول ضحكة، يتكسر من إطلاق نكتة. بلد لا تفتح فيه الأفواه إلا “بالروح بالدم”، أو تتغنى بـ”المعجزات”. وطن تخافه دموع الفرح، وتريحه دموع الثكالى، وشهوة الانتقام والقوارح. إنها بلاد لا تتنفس إلا بالدموع والحزن. وطننا سيد البؤس والشقاء بامتياز، نعشقه ولا يعشقنا، ندغدغه بأشجاننا فيخزق بأصابعه عيوننا، نسكب أحرف قصائدنا لهوائه وترابه وذاكرته، ويذيبنا بانصهارات معادن “التقوى”، ويشوينا بجحيمه. إنه لا يحبنا، بل ولا يدري حتى “أين… الكلابـ” على حد التعبير الشعبي.
أظنه لو كان (فهد) مسلحاً مثل طواويس، و”طهوش” الوطن، متأبطا ومزينا ومتقفزا بعُدة الدولة من الأسلحة الفتاكة وبوارج حربية، وبوازيك، وطيران… فلن يعتّب باب السجن، بل سيتقلد المناصب طريق طريق، و”عر” لواحد مظلوم يقرب نحوه، فالحراسة المفخخة تشتغل 24 ساعة، ثكنات عسكرية مكوكية، ثكنة مزنجرة في مقيله، وثكنة أخرى بسلالم ودهاليز قصره، وأخرى داخل تنور مطبخه، وثكنات متفرعة بالبوابة، وعند الشذروان والمسبح، وفيالق وكتائب تحرسه في أول الشارع ومنتصفه، وعلى أسطح الجيران، وعشرات الثكنات المفخخة بأحزمة ناسفة تحت وسائده.
هذا الرعب المسترسل الذي أصبح هوية “الوطن”، وهوية “الأمة” والوحدة والديمقراطية. فكيف لا نضحك؟! وكيف لنا إلا أن نسخر، ونسخر…؟!
ولأنه (فهد) لا يملك إلا الضحك، فإن ما يقوم به يعد هتكاً لروح الوطن، والعبث بسيادته، وأمنه واستقراره، وأخطر مهدد للهويات، وربما يكون عميلاً للعديد من الدول التي تريد الفتك بالوطن!
ستكون النكتة القادمة في وطن الميليشيات العاصفة: “واحد ضحك، حبسوه”.

البحث عن الله
رسالة قوية، بل من أقوى الرسائل التي قرأتها، وتأثرت بها حد البكاء والألم، وهي رسالة الفنان فهد القرني إلى زوجته. رسالة وجدانية تهز النفوس، يقول إن الله ليس هو ذاك المطلق؛ الله يجده في إطعام المساكين، وإقامة العدل، ودحض الظلم، حيث الانكسار والمعسرين. هناك الله.
فعار على نظام وحكم يدلف بعد أيام إلى عقده الرابع (!) أن تخيفه ضحكة، وتخيفه نكتة ساخرة، لا يملك القرني سواها! عار أن يسجنه ويشرده عن أنس وأويس وزوجة ملتاعة لا تعرف مصير زوجها.
كيف سيكون حال أسرة تقتات على الضحك، حتى لا تتورم وتنفجر، وقد ذهب عنها سيد الضحك، معلم الضحك، في كيف يضحك الفقراء والبائسين؟!
إن لغة المؤانسة، والأُنس لا تتفق مع أجندة ودساتير “اليسكـ”، يسك المليشاويات القابضة على الروح، والشفاه ومجرى العيون.
كيف نبدد عتمة هذه البلاد التي فجرتم كبدها؟ أن نبدد كمدنا بالضحك، ولا نملك سواه. قطر حديد المعدمين 22 مليون إلا… الملاحقين بالفواجع المباغتة والمباشرة من حكومة لا تجيد إلا الرقع.
حكومتنا! أوقفي سعار الكتمة، واجعلينا -وذلك أضعف الإيمان- نضحك، هو أجدى لك، ولنا.
أوقفي حصار وخنق الضحكات.
أوقفي مسلسل اعتقال فنانيك، ومثقفيك، وكُتّابك؛ فهم الوحيدون الوجه الأجمل لبلاد اسمها اليمن (…) لا أستطيع أن أكتب كما عودتنا كتب المدرسة، وحصص التعبير: اليمن السعيد. فعفواً!
افرجي عن سيد الضحكات والأعين المشرورغة بدموع الضحك: فهد القرني.
(…)

• “معركتي ليست مع محرمي الموسيقى. معركتي مع من يحرمون الحياة على البسطاء”.
• “أعلم الناس عبر مدرسة الضحك معنى الحرية”.
• “ليس هناك مجون أكثر من الفساد، ومصادرة حرية الناس”.
التوقيع: سيد الضحك
فهد القرني
كيف تشوفوووووووووووووا؟!
[email protected]