عبدالوهاب المسيري.. أغاني الخبرة والحيرة والبراءة

عبدالوهاب المسيري.. أغاني الخبرة والحيرة والبراءة

في 1969 عاد عبدالوهاب المسيري إلى مصر بعد حصوله على الدكتوراه في الأدب الانجليزي من جامعة «رَتْجَرز» في الولايات المتحدة الامريكية. كان في ال31 من عمره. وقد أظهر إلماماً بالحركة الصهيونية وفاعليتها في الغرب، وصادف أن التقى محمد حسنين هيكل رئيس تحرير «الأهرام» حينها، والذي كان بعد هزيمة 1967 مشغولاً بالعجز المروِّع لدى النخبة السياسية في مصر والعالم العربي.
في المعلومات عن «العدو التاريخي»: إسرائيل والصهيونية العالمية، عبر صديق مشترك، التقى المسيري هيكل، وبحثا فكرة إنشاء وحدة بحثية عن إسرائيل.
واتخذ هيكل قراراً بتزويد الباحث الشاب ذي الميول اليسارية بالمال اللازم لتوفير نواة للوحدة تشمل كتباً وأبحاثاً ومعلومات.
في 1972 نشر المسيري كتابه الأول عن الصهيونية، وحمل عنوان: «نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني» وخلال عقدي السبعينات والثمانينات تابع نشر رؤاه النقدية للفكر الصهيوني والجماعات اليهودية، والتي جمعها لاحقاً 1999 في الموسوعة الشهيرة: «اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد». صدرت الموسوعة في 8 مجلدات، وقد التصق اسمه بها، على الرغم من إسهاماته المهمة في النقد والأدب والمعرفة، كما في أدب الطفل.
كسراً للصورة النمطية عنه في الصحافة العربية وعند النخب السياسية، قال المسيري في تصريحات صحفية إن اهتماماته تتجاوز الموضوع الصهيوني، معتبراً موسوعته مجرد دراسة حالة في إطار مشروعه النظري.. وللمسيري دراسات مهمة في إشكالية التحيز، والحداثة وما بعدها، والتفكيكية، فضلاً عن ابتكاره مفهومي العلمانية الجزئية والعلمانية الشمولية، معتبراً الأولى صالحة لحل مشكلة الدولة في العالم الاسلامي.
مقارباته للحركة الصهيونية، وبخاصة تعريفه لدولة اسرائيل باعتبارها استمراراً لدور الجماعة الوظيفية لليهود في أوروبا المعادية للسامية، جلبت عليه غضب دوائر صهيونية في إسرائيل والغرب، خصوصاً وأنه اعتمد منهجاً موضوعياً ينأى عن الخطابة والهجاء والتهويل. ومعلوم انتقاده الحاد لتورط بعض الدوائر العربية في الترويج لكتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، باعتباره دليلاً على وجود مؤامرة يهودية كاملة، ناصحاً بعدم الاتكاء على هذا الكتاب الملفق ضد اليهود، لنقد ممارسات اسرائيل.
ليل الاربعاء الماضي فارق المسيري الحياة بعد كفاح مرير مع مرض سرطان النخاع الشوكي، الذي لم يمنعه من مواصلة مشروعه الفكري، كما لم يقعده عن الانخراط في الشأن العام. وهو ترأس مؤخراً «حركة كفاية»، وتعرض لمضايقات أمنية في فعالية سلمية للحركة قبل نحو شهرين.
قدم المسيري سيرته الفكرية 2001 في كتاب بعنوان «رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمرة سيرة غير ذاتية، غير موضوعية»، وفيه يعرض صورة مفصلة عن كيفية ولادة أفكاره وتكونها، فضلاً عن المنهج التفسيري الذي يستخدمه، خاصة مفهوم النموذج المحرفي التفسيري.
وفي 2003 صدرت الطبعة الأولى من سيرته الشعرية: «أغاني الخبرة والحيرة والبراءة». وفيها ملامح عن شخصيته الثرية التي شهدت تحولات فكرية مهمة.
في رحيل المسيري اختارت «النداء» أن تقدم للقراء نماذج من هذه الأغاني.
أربعة سطور للكرة الأرضية
لو كان لي ألف ذراع
لو كان لي ألف قدم
لضممت الأرض إلى صدري
وأغمضت عيني في شغف.
1956
 
حكم من الفردوس الأرضي
 
< في الكهف كل الأسرار، في السطح كل العبث.
< من لا يدخل الجحيم، لا يرتادُ الجنة.
< كل رجل يحمل سيفاً يدخل الجنة.
< كل من يدخل الكهف يدخل الجنة.
< كل من يصعد الجبل، يدخل الجنة.
< كل امرأة تلبس ثلاثة خواتم في يمناها، وخمسة في يسراها، تدخل الجنة.
1969

حال لم تحن!
 
حينما صعد الشيخ المنبر
وقف ثابتاً كالتمثال
مهيباً كالمئذنة،
فركزت كل حواسي ومشاعري
لكنك
يا طائر الفردوس الذهبي،
لمَ لمْ تحط على كتفي؟!
1972

أغنية الوصول والوصل والوصال
 
جاءني في حلمي، لابساً عباءته، ملتفاً بالسحب،
فشكوت إليه بؤسي وحزني، وأخبرته عن جرحي، وعن قلبي الذي لا يسأم الطيران والتحليق؛ فابتسم.. ولم يقل شيئاً!
وحينما جاءني النبي -صلوات الله وسلامه عليه- مرة أخرى، انفجرت باكياً؛ فابتسم، ثم سمعت هذه الكلمات:
«ابن آدم.. في مركز العالم فلتقفْ ثابتاً، لا تتزحزح، فقد استخلفك الله في الأرض».
فانفرجت أساريري، ولم أخرج من الحلم!
1975
 
في مديح الرسول
 
أجلسُ بين تلال الورق
وكثبان الرمل
يمتد أمامي السجادُ الصناعي البارد
والموائد العارية
وأحجار الجبال الجرداء،
فأرى الوجوه والعيون والآذان والأظافر،
وتلفحني موجات الصوت
والرياح الحارقة
حينئذ-وكأنني وصلت إليك.. أيتها الشجرة
الصوفية الغامضة
التي نبتتْ وحيدةً في الصحراء-
تنبجس في قلبي نافورة صافية،
قديمة قديمة،
ولا أرى إلا وجهك.. يا رسول الله!
1982

الاحتراق
(في صباح اليوم الأخير)
 
وثنياً كنتُ بالأمس
وثنياً كنتُ..
أعبد الأصنام والصور،
وأقف كبرق السماء القديم على حدود الزمن
(آه.. لو أمسك الكون في راحتي
وأدخل في قلب النواة والأسرار!
آه.. لو أمسك روحك بكلتا يدي!
لحلقنا سوياً كنسرين جارحين،
وعدونا كغزالين في الغابات والوديان،
ولغصنا كحوتين في أعماق المحيط
آه.. لو عشنا سوياً في اللامكان.. في الأزل!)
وثنياً كنتُ..
أجلسُ في فم البركان،
أمشي تحت الرعد،
أسير فوق الزلازل،
حتى أصل إلى حافة الموت والعدم
فتُقبلني ألسنة النيران
أما اليوم..
فسأقف يا ربي عند عتباتك خاشعاً
أحمل غصن صفاء المودة
وانتظر مشيئتك
أن تهطل رحمتك
فيكلل قطر الندى الزهر.
1988
 
عبرتُها وحيداً- عبرتُها جميعاً
 
عبرتها وحيداً
صحارى الظلام
يا سحابة الضياء.
ولكنني وجدتُك هناك،
تقفين شامخة حائرة،
تحملين بين يديك زهرة الحياة والبراءة،
كتمثال رخامي جميل،
دبت فيه الحياةُ فجأةً
فاستمر فيما هو فيه،
لا يلوي على شيء،
ينطق بالحكمة والأشياء الجميلة والرتيبة.
وحين أسمع كلماتك،
تحل فيَّ البركة، يا مليكتي،
وأحملك في لحظات الصفاء إلى السماء السابعة،
وأدس في يديك رسائل الحب
وقصائد الغرام
وكلمات العشق والهيام.
وأنت، كالتمثال الرخامي الجميل،
لا يلوي على شيء.
<<<
عبرتها وحيداً
عبرتها شريداً
عبرتها كسيراً
عبرتها أسيراً
عبرتها سجيناً
عبرتها حزيناً
عبرتها طليقاً
عبرتها سعيداً
عبرتها فريداً
عبرتها شريكاً
عبرتها جميعاً
صحاري الظلام
يا سحابة الضياء
وواحة الصفاء.
2002
 
***

عن قصة أهداها إلى جمال حمدان*
 
ينهي عبد الوهاب المسيري كتابه “رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار” بقصة فنان مدينة كورو التي يهديها لجمال حمدان و”لكل فنان أو مفكر يتفانى في عمله ويُستوعب فيه حتى ينسى تمامًا الزمان والمكان والطبيعة/ المادة، ليبدع عملاً فنياً جميلاً. خامته مستقاة من الطبيعة، ولكنه في تناسقه وتركيبيته وجماله يقف شاهدًا على قوة النفس البشرية ومقدرتها على التجاوز، والقصة من كتاب ديفيد ثورو وولدن”، ولا يمكنني الآن إلا أن أهدي القصة نفسها إليه:
كان هناك فنان يعيش في مدينة كورو، دائب المحاولة للوصول إلى الكمال. وذات مرة تراءى له ان يصنع عصا. وقد توصل هذا الفنان إلى أن الزمان عنصر مكون للعمل الفني الذي لم يصل بعد إلى الكمال، أما العمل الكامل فلا يدخله الزمان أبداً.فقال لنفسه: سيكون عملي كاملاً من جميع النواحي، حتى لو استلزم الأمر ألا أفعل شيئًا آخر في حياتي.
فذهب في التو إلى غابة باحثاً عن قطعة من الخشب، لأن عمله الفني لا يمكن أن يصنع من مادة غير ملائمة. وبينما كان يبحث عن قطعة من الخشب، ويستبعد العصاة تلو الأخرى، بدأ أصدقاؤه تدريجيًا في التخلي عنه، إذ نال منهم الهَرَم وقضَوا. أما هو فلم يتقدم به العمر لحظة واحدة، فوفاؤه لغايته وإصراره وتقواه السامية أضفت عليه، دون علمه، شبابًا أزليًا. ولأنه لم يهادن الزمن، ابتعد الزمان عن طريقه، ولم يسعه إلا أن يُطلق الزفرات عن بعد، لأنه لم يمكنه التغلب عليه. وقبل أن يجد الفنان العصا المناسبة من جميع النواحي، أضحت مدينة كورو أطلالاً عتيقة، فجلس هو على أحد أكوامها لينزع لحاء العصا. وقبل أن يعطيها الشكل المناسب، كانت أسرة كاندهار الحاكمة قد بلغت نهايتها، فكتب اسم آخر أعضائها على الرمل بطرف العصا، ثم استأنف عمله بعد ذلك. ومع انتهائه من تنعيم العصا وصقلها لم يعد النجم كالبًا في الدب القطبي. وقبل أن يضع الحلقة المعدنية (في طرف العصا لوقايتها)، وقبل أن يُزَيّن رأسها بالاحجار الثمينة كانت آلاف السنين قد مرت. وكان براهما قد استيقظ وخلد إلى النوم عدة مرات.
وحينما وضع الفنان اللمسة الأخيرة على العصا، اعترته الدهشة حين تمددت العصا بغتة أمام ناظريه لتصبح أجمل المخلوقات طُرًا. لقد صنع نسقًا جديدًا بصنعه هذا العصا، عالمًا نِسَبُه كاملة وجميلة، وقد زالت في أثناء صنعه مدن وأسَر قديمة، ولكن حلت محلها مدن وأسر أكثر جلالاً. وقد رأى الفنان الآن وقد تكومت عند قدميه أكوام النجارة التي سقطت لتوها، رأى أن مرور الوقت في السابق بالنسبة له ولعمله كان مجرد وهم، وأنه لم يمر من الوقت إلا القليل.
“كانت مادة عمله نقية صافية، وكان فنه نقيًا صافيًا، فكيف كان يمكن للنتيجة ألا تكون رائعة؟”
رحم الله المسيري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
النص مقتبس من مشاركة أحد القراء في منتدى على شبكة الانترنت