حوار هادئ مع الرئيس – د. سيف عبدالقوي*

حوار هادئ مع الرئيس – د. سيف عبدالقوي*

“إن الرئيس الذي لا يقف على مسافة واحدة وواضحة وشفافة من كل مواطنيه يفقد مصداقيته”.
في البدء ألفت نظر القارئ الكريم إلى التمييز بين معنيين للرئيس: الأول: الرئيس بوصفه دورا وظيفيا في الهرم التنظيمي للدولة المدنية، وهذا هو المعنى المجرد والأساسي للرئيس المنصوص عليه في دستور الدولة وقوانينها النافذة، فهو عنصر في بنية المؤسسة الدستورية، وأهم وأخطر وظائفها العامة المحددة بجملة من الشروط والقواعد الملزمة، وهذه المؤسسة الدستورية التي هي الدولة- وهي حصيلة ما نطلق عليه في الفكر السياسي العقد المدني أو العقد الاجتماعي المدني، الذي بمقتضاه يتعاقد جميع أفراد الدولة المعنية الراشدين منهم على أنهم مواطنون أحرار ومتساوون في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص وليس لأحد فيهم قوة أو نفوذ أكثر من الآخر إلا بالقانون والدستور سيد الجميع، الرئيس والمرؤوس، الحاكم والمحكوم، السلطة والمعارضة. بهذا المعنى المجرد يمكن القول إن الرئيس هو مؤسسة أو دور ووظيفة مؤسسية دستورية قانونية سيادية سياسية تستمد مشروعيتها وتمارس مهامها من قوة العقد الاجتماعي المدني، وليست حقا مكتسبا لفرد أو جماعة، وهي وظيفة إدارية سياسية مهمتها السهر على المصلحة العامة لجميع المواطنين مقابل أجر وبدلات مالية وحوافز كثيرة ومغريات ونفوذ وجاه يسيل لها لعاب كل الإنسان.
هكذا لا بد لنا من النظر إلى الرئيس من حيث هو موظف عام في إدارة الشركة السياسية المساهمة من قبل جميع مواطنين الدولة “الديمقراطية” اليمنية، التي يمتلك فيها كل مواطن حصة متساوية من الأسهم الوطنية والسيادية. بمعنى أن كل مواطن هو سيد في دولته مهما كان وضعه أو عمله أو مستواه، وليس هناك عبيد على الإطلاق. وكل فرد مواطن يمتلك حصة متساوية من الوجود السياسي والقوة السياسية والحرية والكرامة والأرض والثروة وكل شيء. وبهذا المعنى يكون الرئيس حقا عاما يهم جميع المواطنين ويحق لهم كأعضاء أساسيين ومساهمين في الشركة أن يقيّموه ويقوموه وينتقدوه ويحاوروه ويعربوا عن غضبهم من أعماله التي لا يرون أنها تتفق مع مصالحهم وأهدافهم وأن يعبروا عن آراهم بكل الطرق الممكنة وفق العقد الاجتماعي المدني.
أما المعنى الآخر للرئيس فهو المعنى الشخصي الذي يرى أن الرئيس هو المولود في سنحان في محافظة صنعاء والذي ينتمي إلى قبيلة حاشد اليمنية العريقة والذي مضى على تحمله المقاليد الرئاسية قرابة ثلث قرن والذي وقّع اتفاقية الاتحاد السياسي بين الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، مع الرئيس علي سالم البيض رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، في مايو 1990.
إنني أفرق بين المواطن اليمني على عبد الله صالح الذي لا تربطني به غير روابط عامة إنسانية ودينية وقومية وسياسية مواطنية في دولة اتحادية هي “الجمهورية اليمنية” التي اتفقنا على البدء بإنشاء مشروعها في 22 مايو 1990 في عدن. وهو، بما هو مواطن يمني من سنحان أو من أي مكان، مواطن عادي مثلي ومثلك ومثل ملايين المواطنين الذين لا أعرفهم، بما هو مواطن عادي مثل أي مواطن آخر لا شأن لي به ولا يهمني أمره وربما قد لا أعرفه، ومن ثم فلم يكن لي التفكير بالكتابة والحوار بشأن الرئيس والرئاسة معه.
إن ما يعنيني هنا هو الرئيس، رئيس بلادي، الذي يستمد مشروعيته ووجوده ونفوذه واستمراريته مني ومنك ومنها ومن جميع أعضاء الشركة السياسية، التي هي نحن أولاً وأخيراً، أي الدولة المؤسسة السياسية.
إنه رئيسي أنا وليس رئيس توم مان الفرنسي أو فيشر لورد الألماني أو يان ينج الصيني. إنه رئيسنا نحن جماعة المواطنين اليمنيين في الجنوب والشمال. وهو بدوننا، نحن المواطنين، يستحيل أن يكون رئيساً لأحد إلا في مملكة الأحلام.
ولما كان الرئيس يمثلني أمام العالم الخارجي ويعقد الصفقات والاتفاقيات والعلاقات باسمي أنا المواطن ويحكمني في الداخل ويتحكم بمقدرات وجودي وحياتي ومعيشتي وحريتي وأمني وأماني وحاضري ومستقبلي وحقوقي وواجباتي، ويتقاضى مقابل قيامه بتلك الوظيفة العامة أجره اليومي عداً ونقداً من كدي وعرقي وكدحي وثروتي وأرضي ومصالحي وخيرات وطني، فإنني معني قبل غيري في تقويمه ونقده وتعديل سلوكه ورفضه وتغييره وهذا حق مطلق لي عليه. كما أن واجبه القانوني أن ينصت لي ويفهم ما أقوله، علماً بأنه  يمتلك الحق في جعلي أنصت إليه وأستمع كلامه كما هو حقي عليه، ذلك مدير عام شركتي السياسية التي يعنيني أمرها وسير عملها وصيانتها ونجاحها وازدهارها.
وكما قيل، عن حق: إذا أخطأ المواطن العادي يضر نفسه، أما إذا أخطأ المسؤول السياسي (الرئيس) فيضر شعبه. ولما كنت أحد أفراد هذا الشعب الذي أنهكته أخطاء حكامه من الأولى بي أن أمارس وظيفتي وأنبه رئيس دولتي إلى ما أعتقد أنه الحق.
أخي الرئيس، إني أرى أن الأمور تسير في منزلقات خطيرة ودروب وعرة يصعب التكهن بنتائجها المؤلمة وذلك على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية… الخ.
في حين أنني من خلال متابعة خطابكم السياسي وإداراتكم اليومية للأمور، أي شؤون البلاد، لم أرَ أي بادرة جدية لاتخاذ مواقف أو قرارات استراتيجية لإيقاف عجلة التدهور التي تسير عليها البلاد والعباد. فهاهي “الوحدة” التي تحققت سلمياًً عام 1990 تنقلب بعد ثلاث سنوات إلى احتلال الشمال للجنوب، ويتم إخراج الشريك الأساسي في (الاتحاد) من المشهد السياسي وكأن شيئا لم يكن. ومهما حاولت ومهما ساعدتكم الظروف ومهما التمستم التبريرات باسم الانفصال أو الديمقراطية أو الانتخابات أو القوة العسكرية، فإن كل ذلك لا يقلل من شأن الحقيقة القاسية التي لا حقيقة أسطع منها، وهي أن الاتحاد السياسي الذي تم في 22 مايو 1990، والذي مر عليه 18 عاما بين الشمال والجنوب كان اتحادا سلميا رغم أنه مر على عجل، وأن الحرب في صيف 1994 قد أنهت هذا الاتحاد، فإن الشمال انتصر على الجنوب واستباح أرضه ودولته، وأن الجنوبيين تحولوا من شركاء سياسيين بالوحدة السياسية السلمية إلى أقلية مضطهدة ومهمشة وبضع موظفين مأمورين ليس لهم سلطة ولا نفوذ في بلاطكم السلطاني الحاكم، وأنكم تقاسمتم ثروات وخيرات وممتلكات دولة الجنوب بدون أي وازع من ضمير أو أي إحساس بأن هذا الأمر لا يدوم.
وبدون أن تعترفوا بأن الجنوب شريك أساسي في الاتحاد السياسي وأن الحرب باطلة وظالمة وإعادة الأمور إلى نصابها فليس هناك من ضمان لبقاء الاتحاد. ونتيجة لما سبق ذكره برزت “القضية الجنوبية” إلى الوجود كقضية سياسية وحقوقية بامتياز، وبدون أدنى شك، ووضعت الجنوب في موقعه السياسي ووجوده التاريخي كطرف، وليس ملحقا، في الوحدة.
إن الوحدة هي كيان معنوي نابع من إرادة مشتركة  بين دولتين سياديتين هدفا إلى توحيد قوتهما السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية في دولة اتحادية واحدة تصون وتحفظ حقوقهما وتنميها وتكبرها وتعمق التضامن والتعاون والاندماج الاجتماعي بين المواطنين. وكانت الحرب الهمجية في 1994 كارثة حقيقية عصفت بالوحدة ومشروعها، وبدون أن يشعر الجنوبيون بأنهم شركاء فعليون وفاعلون في “الوحدة”، فليس هناك قوة في الأرض تجبرهم على إرادة ما لا يريدون، ويستحيل أن تستمر “الوحدة المعمدة بالدم”، لا بد أن قوة الوحدة هي الحق والاعتراف ووحدة القوة هي الباطل والانحراف.
* أستاذ علم الاجتماع والانثروبولوجيا المساعد – جامعة عدن.