معارضة تحاور وتناور، وحاكم يشتم ويهدد ..قراءة في مشهد انتخابي غامض

معارضة تحاور وتناور، وحاكم يشتم ويهدد ..قراءة في مشهد انتخابي غامض

يحيى اليناعي
[email protected]
 
> الإهداء: إلى الكاتب القدير جمال أنعم..
 
أقل من خمسة وعشرين أسبوعاً فقط تفصلنا عن الاستحقاق الانتخابي القادم، للرئاسة والمحليات، والمشهد السياسي في اليمن ما يزال غامضاً غير واضح المعالم، فلا جديد تحت الشمس سوى الغموض والارباك والشتائم المتبادلة، والحيرة التي تعتري الجميع: سلطة ومعارضة، وهو ما يدفع باتجاه التنبؤات أو الشعوذة السياسية، حد وصف قيادي مؤتمري لما ستكون عليه الإنتخابات الرئاسية القادمة.
اللاعبان الأساسيان اللذان سيتحدد على ضوء قراراتهما وضوح المشهد الإنتخابي القادم، أحدهما لم يفق بعد، أو بالأصح لم يصدّق إعلان الرئيس عدم ترشحه، والآخر (الرئيس وحزبه) تتأرجح تصريحاته بين التأكيد والنفي أو في منزلة بينهما، فيما الجميع قاب قوسين أو أدنى من المعترك الإنتخابي المرتقب.
هذا الغموض وهذه الحيرة جعلت وتجعل الكثير من المراقبين والسياسيين المحليين والخارجيين أشبه بمنجّمين في تحليل الوضع الذي سيكون عليه الاستحقاق الانتخابي القادم، فأحزاب اللقاء المشترك تنتظر كما يبدو جدية الرئيس صالح في الترشح من عدمها في ظل تضارب تصريحاته، لتقرر على ضوئها موقفها. والرئيس صالح قد يبدو في موقف حرج من التراجع عن قراره بعدم الترشح، أو أنه جاد فعلا، وهو احتمال ضعيف، لكنه يواجه ضغوطاً كبيرة من المتزلفين حوله للتراجع عن قراره لارتباط مصالحهم بوجوده على رأس السلطة.
يستطيع المراقب للشأن اليمني أن يسرد العديد من الاحتمالات والتنبؤات، غير أن استقراء متأنياً وحصيفاً لما يجري على أرض الواقع يكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن نية السلطة في استمرارا الوضع بعد سبتمبر 2006م كما هو عليه اليوم، فالوضع القائم والممارسات الحالية تفصح عن هذه النية، وإلا لكانت السلطة قد اتخذت سلسلة من الإجراءات والقرارات التي تعبر عن حسن نيتها في ترك منصب الرئاسة شاغراً للتنافس الحر والنزيه عليه، أو قامت بخطوات عملية تسهل عملية التداول السلمي للسلطة وتسوي أرضية الملعب السياسي أمام الجميع، فما يلوح في الأفق أن السلطة غير جادة أصلاً ولا تفكر البتة كما يبدو سوى في تكريس الهيمنة الاستبدادية التي تجعل كل صلاحيات السلطة والبلد في يد شخص واحد.
قبل كل استحقاق انتخابي، يمارس الحاكم لعبته المقرفة في الجلوس على طاولة الحوار مع المعارضة التي تُخدع كل مرة، لبحث تسوية الملعب قبل دخول العملية الانتخابية. غير أن الوضع هذه المرة اختلف، فلم تعد المعارضة قابلة لتكون ضحية جديدة للوقوع في شراك فخ الحاكم، ولا الحاكم يقبل بتسوية حقيقية للملعب السياسي باعتباره خطاً أحمر يتجاوز السقف المرسوم في ذهنه للهامش الذي ينبغي أن يتاح للديمقراطية والحرية التي تجعل الناس يدورون في حلقة مفرغة لها أول وليس لها آخر.
الحاكم حريص على الديمقراطية كما يبدو من خلال تصريحاته وخطاباته الدائمة، ولكن أي ديمقراطية ؟! أعتقد -ويشاركني في هذا الغالبية- أنها كما في معظم دول العالم الثالث:الديمقراطية التي تعيد إنتاج ذاته وأدواته وحاشيته، التي تعيد نفس الوجوه ونفس السياسات والممارسات، بعد شرعنتها عبر صندوق الاقتراع، مع الحرص على صعود معارضين بعدد لا يتجاوز ولا يؤثر في صناعة القرار وإدارة البلاد، لزوم تجميل ديكور الديمقراطية الفجة، المفرغة من مضمونها ومحتواها.
ولأن الوضع كذلك؛ فقد انتهت لعبة الحوار بين الحاكم والمعارضة بنعيه ثم ببذاءات وسباب وشتائم. جرى نعيه لأن الطرف المحاور في الحاكم ليس مخولاً البت في قضايا النقاش؛ لأنه أساساً لا يملك القرار، الرئيس صالح وحده من يملك القرار داخل المؤتمر والسلطة، وأي حوار من المعارضة مع غيره هو للإستهلاك الإعلامي وتكراراً لتجارب سابقة تنتهي فيها الحوارات إلى الرئيس الذي يقول كلمته الفصل فيها.
وحدثت الشتائم والسباب لأن الحاكم لا يريد أن يصل إلى نتيجة تفضي إلى إصلاح حقيقي للملعب السياسي، كما أنه يسعى إلى ديمومة الوضع الحالي الذي يعتقد أنه إكسير حياة يساعد في تطويل عمره. فيما الشارع والمواطن يرى في البلد أفقاً بالغ الإنسداد لا يبشر بانفراج قريب.
وعقب كل فشل في الحوار تسعى المعارضة للمناورة في صحافتها الرائجة بتصريحات تكتيكية تبعث من خلالها رسائل عديدة للحاكم، كما أنها وللمرة الأولى هددت بتحريك الشارع وهذا يعد في قاموس الحاكم تجاوزاً خطيراً من المعارضة لأعراف العمل السياسي اليمني الذي يريدها أن تكون ناعمة، وتظل المعارضة على مناوراتها وتصريحاتها وتهديداتها التي لا ترقى إلى مستوى الفعل.
فيما الحاكم يمارس نفس اللعبة ويبادل المعارضة مناوراتها وتهديداتها بمناورات وتهديدات مماثلة عبر لجوئه لصحافته البائرة،التي لا تجيد باعتقادي سوى الشتم، وإطلاق العنان لعتاولته ممن يجيدون تدبيج الكلام وتفريغ عنترياتهم باتجاه المعارضة في تصريحات تخلو من الدبلوماسية واللياقة.
غير أن الحاكم حين يشعر بجدية موقف المعارضة أو تنامي دورها في الشارع يلجأ، كما يفعل عقب كل أزمة عاصفة إلى المؤسسة العسكرية. واختيار الجيش هنا فيه أكثر من رسالة للشارع وللمعارضة ولمن كانوا سبباً في حدوث الأزمة، حيث يعني ذلك التهديد بالسلاح، بالمواجهة، بما يعني أنكم تجاوزتم ما هو مسموح لكم، فيجتمع المجلس الأعلى للأمن الوطني، ومجلس الدفاع الأعلى، وتناقش تقارير جهازي الأمن السياسي والقومي، وكلها من قبيل التهديد الذي قد يرقى إلى مستوى الفعل.
كل هذا الغموض، كل هذه المناورات والتهديدات، لا تشي إلا بنتيجة واحدة وهي: الإصرار المتبادل: إصرار الحاكم على أن تكون الإنتخابات كما يريدها هو، وكما يرسم سيرها ونتائجها في مخيلته حتى يعيد ذاته، دون بروز أي مؤشر سوى التصريحات لجديته في عدم خوض الإنتخابات الرئاسية القادمة. وإصرار المعارضة على أن تكون في مستوى المواجهة والتحدي مع الوضع المتردي وعدم الوقوع –حتى اللحظة– في شراك فخ التوافقات الخارجة عن نص الدستور، غير أنها ما زالت تعيش حيرة الاستحقاق الانتخابي الرئاسي القادم وكيفية مجابهته والتعامل معه، عبر تقديم مرشح أو إعلان المقاطعة أو اللاموقف.