الرجل السبعيني الذي يحتفي بالثورة كل عام ولا يُحتفى به إلا بكونه «خزنة» عليها أن تدفع.. علي محمد سعيد.. قصة الأعمال والإستثمار الأكثر رواجاً في البلد – فكري قاسم

الرجل السبعيني الذي يحتفي بالثورة كل عام ولا يُحتفى به إلا بكونه «خزنة» عليها أن تدفع.. علي محمد سعيد.. قصة الأعمال والإستثمار الأكثر رواجاً في البلد – فكري قاسم

إنسَ أنه من ذوي البلايين، فهناك الكثير من الأسباب الجيدة للكتابة عنه؛ فهو -مثلاً- كان عضو مجلس قيادة الثورة، وأول وزير للصحة في أول حكومة يمنية تشكلت بعد ضرب دار البشائر العام 1962م.
وفضلاً عن كونه أسهم في دعم مسيرة الثورة «سبتمبر» وكذا الخطوات الجنينية لتحقيق الوحدة اليمنية صبيحة 22 مايو 1990 المجيد. أسس «علي محمد سعيد» مدينة النور الطبية بتعز. هي الآن مهملة كما تاريخ الرجل تماماً.
وكعقلية تجارية، أسهم أيضاً في تأسيس البنك اليمني للإنشاء والتعمير، وشركة النفط اليمنية، وكهرباء تعز.
منذ فترة -بصدق- أحاول الكتابة عن «علي محمد سعيد» ثم أتراجع لأسباب -أظنها أحياناً- منطقية.
وفي أحايين أخرى لا أراها أكثر من سذاجة خصوصاً وأن تاريخ الرجل، الذي لا يمكن نطق اسمه إلا ثلاثياً، مكتنز بما يمكن اعتباره نقاط تحول في حياة بلد.
وهو بالنسبة للكثيرين لظروف صعبة ومعقدة سبقت الإعداد للثورة قبل 45 عاماً، يبدو كذلك فعلاً، وأيامها طبعاً، لم تكن «صلعته» قد أصبحت ثلثي دائرية، أو شعره الأجعد -القصير أصلاً- قد أصبح بلون الغيم، كما لم تكن أعراض الروماتيزم -حسب ظني- قد تسللت إلى عظمه كما فعلت الآن وجعلته يجلس متكئاً على عكاكيز من الوجوه المرتعشة أصلاً، وعلى الذكريات، الذكريات التي كلما جاء موسم رسمي للحديث عنها تنط من فوق اسمه، كما لو أنها لاعب يجيد تماماً رياضة الوتب العالي.

 النسيان، بلا مروءة أحياناً والمال كذلك
و«علي محمد سعيد» الذي التحق بالعمل الوطني في عدن وهو لم يتجاوز ال(20) من عمره، والتقى هناك بالشهيد محمد محمود الزبيري، وبالأستاذ النعمان -رحمهما الله- وأسس معهما النشاط الثقافي، «وثمة عتب حول حالة الموات الثقافي التي تعاني منه تعز الآن»، وعمل بصحبة الرجل المنسي هو الآخر «عبدالغني مطهر» عملا -معاً- على تأمين مطار تعز (وهذا الأخير -المطار- بعد 45 سنة من عمر الثورة، يبدو بائساً جداً، كما لو أنه يتلقي عقاباً لاشتراكه في دعم الثورة).
النسيان بلا مروءة أحياناً. والمال كذلك. و«علي محمد سعيد» الرجل الذي دعم الثورة مادياً وعملياً، هو نفسه الرجل السبعيني الذي يحضر الآن بقميصه الأبيض -كل عام- محتفياً بالثورة، ولا يحتفى به كمناضل حسبما ينبغي بل كـ«خزنة» عليها أن تدفع!!

وكم هذا مؤلم!
كثيرٌ هم الذين استفادوا من الثورة، حتى اولئك الذين حملوا السلاح ضدها في غير وقت، لكن ومع هذا للوطن عليهم حق، هذا صحيح، شركات هائل سعيد أنعم -رحمه الله- استفادت كثيراً من الثورة، أصبحت إمبراطورية اقتصادية على مستوى الداخل، كما أن «علي محمد سعيد» الذي عمل على تطوير العمل الإداري، ويرأس الآن مجلس إدارة المجموعة، أصبح هو الآخر قصة الأعمال والإستثمار الأكثر رواجاً في البلد.
غير أن أحد الأشياء المثيرة للإهتمام، أن الجاذبية لدينا ليست في قوة الأداء أو في الحضور الفاعل بالأمس واليوم، وغداً أيضاً، قدر ما هي في قوة :«خلينا نِنْتَعُه، من ظهره حلال؟!».
وإلا ما الداعي -مثالاً فقط- أن تستضيف إحدى الصحف الرسمية في احتفالات الثورة قبل عام تقريباً علي محمد سعيد في حوار عن الذكريات، تماماً كما تستضيف غيره من الشخصيات الوطنية في حوارات مماثلة، يتحدثون فيها عن أدوارهم، وبطولاتهم ، وعن الثورة؛ كحدث نقل البلد إلى آفاق أوسع من الحياة واحترام ذات الإنسان دون تمييز.
غير أن حوار «علي محمد سعيد» لوحده ظهر، آنذاك في صفحات توزعت على غير صحيفة رسمية، حواراً مدفوع الثمن!! إذ كُتب أعلى الصفحات بخط أنيق: «ريبورتاج إعلاني». لرجل نشرت صورته وهو يبتسم. كما لو أنه يعلن عن منتج جديد -قديم- اسمه الثورة!!
المضحك فعلاً ، هو أن ذلك أمر محزن، وقاس بجد.
عبارة «ريبورتاج» في حديث لآدمي، أسهم مادياً وعملياً في إدارة العجلة، هي ليست أكثر من تدليك سيئ للصمت. الصمت الذي يختبئ خلفه رجل ربما أدرك جيداً أن أصعب مهمة بالنسبة إليه، هي إفهام الرجال الآليين كلام البشر.
هل بالإمكان -مثلاً- أن تطمح الجهات المختصة في مصر من ورثة رائد الحركة المصرفية (طلعت حرب) مبالغ مالية نظير ارتكاز تمثاله الشامخ والأنيق في ملتقى أكثر شوارع القاهرة ازدحاماً وسط البلد؛ ومهما بلغ السُخف، فإن شيئاً من ذلك لا يمكن له أن يحدث.
إن قوة الفكرة الجيدة عموماً، تكمن في أنها تُبدد الخلط بين «الصابون» كمنتج، و بين الثورة كصابون لتنظيف الذهن والعقلية معاً.
لكن جزءاً من تحييط الإعتبار إلى حين في ظني يتحمله الرجل الغيمي ذاته.
هل هي الطيبة المُفرطة مثلاً؟ أم الترفع عن الصغائر، والصُغار أيضاً، لتحقيق هدف أكبر؟
أم لا هذا ولا ذاك. هي القناعة بأن يبقى لاعب احتياط، رغم ما يتمتع به من عديد مواهب وملكات، ناهيك عما تتمتع به عائلة طيب الذكر (هائل سعيد أنعم) من حضور كأقوي مجموعة اقتصادية في البلد.
وأياً يكن..
فإن الأشخاص المؤثرين في حياة الناس «هم قلة» إن تحدثوا لهم صوت مسموع طبعاً، وإن صمتوا، لا يورثون للناس دونهم سوى الخيبات.
[email protected]