دعوة الإعلام الرسمي لإقراض المستقبل.. استكشاف التحديات أولا – نبيل الصوفي

دعوة الإعلام الرسمي لإقراض المستقبل.. استكشاف التحديات أولا – نبيل الصوفي

السبت سيكون أول أيام مؤتمر لاستكشاف الفرص الاستثمارية في اليمن.
ذات التجربة خاضتها الأردن، ومصر وكثير من الدول، لكنها لم تفض إلى مايقوله لنا الخطاب الرسمي في بلادنا، “مفترق طرق” حد تعبير معالي وزير التخطيط.
الأمر مهم ولكنه لإضاءة نقطة واحدة، من ألف نقطة تحتاجها أي بلد تسعى لتغيير الظروف المعيشة.
وحينما يريد أي طرف أن يقول لك إن هذه النقطة ومغنية عن ال1000، فلك أن تدرك مباشرة أن الأمر إذا، حملة علاقات عامة للداخل، لعل ذلك يصح إذا كنا في حملة انتخابية، لكننا لسنا كذلك.
هنا أقول للقارئ، وأنا أجهد على تتبع سطور الخطاب الرسمي منذ بدأت تتخلق فكرة مؤتمر لترويح اليمن، إنني لم أجد من التفاصيل سوى أن 300 معني بالاستثمار سيجتمعون في فندق الموفنبيك في صنعاء للحديث عن فرص يمنية للإستثمار.
ولست أدري إن كان مهماً أن يعرف القارئ أن كل مشارك لم يفعل سوى دفع 200دولار رسوم التسجيل للمشاركة في الملتقى. وأنه حتى اليوم –الثلاثاء مساء- لم تعلم اليمن من هم المسؤولون الخليجيون رفيعو المستوى الذين سيراهم مستثمرو الخليج على منصة افتتاح المؤتمر لتشجيع رأس المالي الخليجي على التمدد نحو اليمن.
كما يمكن الإشارة الى أن المنظمين لم يوجهوا للإعلام غير الحكومي أي دعوة محددة الملامح.
قد يقال إن الأمر تجمع للقطاع الخاص، وهنا مدخل النقاش.
إننا حين نراجع تجربة مؤتمر الأردن، مثلا، سنرى أن الأمر كان عبارة عن نشاط للقطاع الخاص الأردني “الغرف التجارية”، والتي دعت ونظمت واستضافت مؤتمرا شبيها وتحدثت عن التحديات والفرص. حتى صار الأمر مطالب محددة أمام الحكومة، كلما لبت جزءا منها رأت استثمارا لايهمها أكان محلياً أم خارجياً يتدفق على منطقة المعالجة.
مؤتمر صنعاء ليس فعالية للقطاع الخاص. حتى وإن شاركت هذه الشركة أو تلك بهذا القدر أو ذاك من الرعاية والتي تولت تنسيقه شركة سعودية لبنانية.
ليس لدي علم بحصص التكاليف، ولكني أعرف أن الحكومة ومنذ وقت مبكر رفضت تسليم المؤتمر للقطاع الخاص، وما شركة اقتصاد وأعمال التي وقع معها ثاني عقد للتنظيم بعد إلغاء عقد سليفتها (كنزاي) دون أي أسباب لا للتوقيع أو الإلغاء مع الأولى أو الانتقال للثانية.
هذه الشركة ليست سوى مكلف للتنسيق وخاصة أنها سعودية الجنسية.
لقد كنت شاهداً منذ وقت مبكر على الجدل بين القطاع الخاص والمؤسسة الحكومية (مجلس الوزراء، ووزير الصناعة)، بشأن ترتيب الطرفين في سلم اتخاذ القرار الإداري بشأن أجندة المؤتمر. وكنت واحداً من الذين طُلبت استشارتهم من قبل القطاع الخاص في سياق ما كان يعتقد أنه سيتولاه من مهمة، قبل أن يعلن الأخير أنه لم يعد له من علاقة، إلا من حيث تولى مدير الاتحاد العام للغرف التجارية –وهو منصب إداري- رئاسة الجانب اليمني في لجنة الإعداد للمؤتمر، الذي ترأسه الأمانة العامة لمجلس التعاون، ولكن حتى ذلك بتكليف حكومي.
ولعل اختيار شخصية أكاديمية مقدرة كالدكتور الميتمي كان حلاً وسطاً بين قطاع خاص محلي غير معتبر مؤسسياً، وحكومة تدرك أنها لن يمكنها أن تلغي الطرف الآخر مع الإستثمار الخارجي.
فالشركات الدولية ما لم تكن مقامرة أو من ذوات المخالب كالشركات النفطية لن تستثمر في أي بلد ما لم ترى فيه شركاء فاعلين في السوق وليس خطباء وراء أسوار المؤسسات الحكومية.
قد يمكن القبول بالقول إن القطاع الخاص المحلي، عاجز حتى عن الإدعاء أنه مستعد لإدارة ملف التنمية اليمنية ومشكلاتها، ولكن هذا ليس مجالنا، حديثنا هنا يقرر أنه لأسباب عدة قررت الحكومة أن تحتل الكرسي الأول في سلم اتخاذ القرار، خاصة وأن الطرف الثاني، (أمانة التعاون) هو طرف حكومي أيضا.
 
عن الفرص.. عن المعوقات..
كان الخلاف الجوهري بين المهتمين بالمؤتمر من القطاع الخاص من جهة، ومن الحكومة من جهة ثانية هو أيهما الأولوية: تسويق الفرص.. أم تقييم المعوقات.
ولقد كان الملف الأكثر حساسية هو وعد طائر من الحكومة للقطاع الخاص المحلي بأنها مستعدة لتلتزم لهم مبكراً ببرنامج زمني لمواجهة “المعوقات” التي يمكن أن يعدها فريق مشترك، كما أن الحكومة ناقشت قبيل التأجيل الأول للمؤتمر (من فبراير الى أبريل) مع اتحاد الغرف التجارية وغرفة صنعاء قبل عيد الأضحى “تأسيس مجلس أعلى للشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص”، يكون من مهامه تعزيز الدور الإستثماري والإقتصادي للقطاع الخاص، واستكمال خدمات البنية التحتية للإقتصاد، وتعزيز قاعدة البيانات والمعلومات التي يحتاجها المستثمر.
غير أن هذا المشروع اختفى مع تصاعد الخلاف بشأن ضريبة المبيعات. وبدء لالعد التنازلي لرئاسة الأستاذ عبدالقادر باجمال للحكومة.
ولذا فقد اختفى تماماً الحديث عن “المعوقات” واستمر فقط الحديث عن الفرص.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال “التقليلـ” من أهمية انعقاد مؤتمر كالذي تنظمه شركة “العربية للصحافة والنشر والإعلام مجموعة اقتصاد وأعمالـ” في فندق موفنبيك خلال الأسبوع القادم.
غير أنه لا يمكن مطلقاً القبول بهذه الضجة الإعلامية التي تريد أن تقول لنا أن الأمور بخير طالما عقد المؤتمر. وصار كل طرف حكومي يقلب في دفاتره ليؤكد لنا –معشر القراء اليمنيين- أن الاقتصاد في اليمن صار “خليجيا”.
علماً بأن الأخيرين، لن يكونوا مفتاح حلول لليمن؛ فالدول الخليجية حتى الآن لم تتقدم ولا خطوة واحدة تجاه توفير أي دعم لليمن، رغم وعودها في مؤتمر لندن، ولا أظنها ستفعل في ظل رؤيتها الأقل ماتوصف به أنها “لامسؤولة” تجاه اليمن واليمنيين.
أما القطاع الخاص الخليجي، الذي يزاحم الفساد والاختلالات في نيجيريا، بحثاً عن فرص للإستثمار لن يأتي إلى اليمن، لأسباب عدة منها، التجارب غير المشجعة له مع الإدارة اليمنية، وآخرها تجربة دبي وعدن، وثانيا لأن اليمن تظل أقرب إلى بطين السياسة في قلب الدولة الخليجية منها الى المحفظة الإقتصادية.
إلا إذا تحدثنا عن صغار المستثمرين الذين قد يجربون السباق مع الرغبة السياسية في اليمن، فيحققون طفرات خاصة لايمكن اعتبارها شيئا تجاه توقعات اليمنيين.
قصقصة المحلي.. وتبخير الخارجي..
أولاً يتوجب توجيه نقد خاص للقطاع الخاص المحلي والمحافظة على تفكيره الذي ما يزال بعقلية دكاكين الزمن الغابر، في زمن صارت التحويلات تجوب الدنيا باحثة عن فرصة لتعمل. إضافة إلى كثير من المعطيات كالشللية، وتغليب العلاقات السياسية ومصالحها.
غير أن هذا القطاع هو أول مفاتيح الحل في اليمن-فيما يتعلق بالاستثمار فقط-، سواء عقد مؤتمر أم لا.
ومن هنان فكم يثير الاستغراب هذا الإندفاع للحديث عن الإستثمار الخارجي، ونحن لانرى أي اهتمام بتطوير –ولو بالضغط- على هذا القطاع المحلي!
إن المراقب يتساءل خاصة إذا حضر الرئيس علي عبد الله صالح مؤتمر الاستكشاف، ترى ما الذي منع صالح من ترؤس اجتماعات مشابهة للقطاع الخاص المحلي، لمرات عديدة حتى تتحرك أشجار هذا القطاع، فتتساقط أوراقه اليابسة وتنمو وريقاته الخضراء.
لماذا التكبر الرسمي على القطاع المحلي، مقابل هذا التهافت على شخصيات لا رصيد لها سوى الإدِّعاءات؟!
إنه ومع تقدير أهمية تسهيل حضور شركات عملاقة للداخل اليمني، فإن السؤال ذاته يصبح ملحا.. هل ثمة مانع لمنح القطاع الخاص المحلي فرصة مساوية؟
إن إعطاء شركة “إعمار” امتيازات مهمة في مناطق كان ممنوعاً على المواطن، أو حتى كبريات الشركات اليمنية المحلية، الحق في الدخول لها كالجبال المطلة على أمانة العاصمة يجعلنا نقول للسلطة اليمنية إن “إعمار” عملاق تنموي في المنطقة، ولكنها مازالت تجوب اليمن فقط، فيما قد بدأت مشاريع عملاقة في غير بلاد، ولا نظن مجاملاتها دونما مشروع واضح المعالم سيغريها على الاستثمار في بلد لا يحكمه القانون.
خلاصة القول.. نتمنى النجاح لرجال المال والأعمال.. مع أمنيات خاصة للإعلام الرسمي أن “يدين” المستقبل أو “يضع عنده وديعة” حتى يستخدمها حين تتحقق، أما أن يستهلكها اليوم كاملة فإن حاله سيكون أسوأ من الإعلام المعارض الذي يرفض –في المقابل- أن “يسلف” المستقبل ولا حتى قضية واحدة. بحيث يقول إنها فشلت بدلا من الخطاب المقرر سلفا إنها س”تفشلـ”.
كما أن إلغاء القطاع الخاص المحلي وتحويله إلى مدان ومتهم، مقابل إطلاق الوعود للقطاع الخاص الأجنبي لن يحقق الكثير، خاصة أن القطاع الأجنبي ما لم يضمن كامل هدفه بغض النظر عن هدف المجتمع المحلي، فإنه لن يواصل أي نشاط.
[email protected]