شبح نضوب النفط وصعوبة إحلال البدائل – عبدالكريم سلام

شبح نضوب النفط وصعوبة إحلال البدائل – عبدالكريم سلام

مع تزايد تحذيرات المؤسسات المالية الدولية من نضوب النفط اليمني في أفق العشر السنوات المقبلة، أصبحت الموازنة اليمنية عرضة للتكيف مع تراجع الصادرات النفطية التي تمثل 70% من موارد الموازنة العامة. إلا أن التكيف المطلوب تواجهه صعوبات كثيرة.
 فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية حذرت تقارير المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، وكالة التنمية الدولية) من تراجع مخزون النفط اليمني، مطالبة في الوقت ذاته بتطبيق سياسة مالية تقوم على تعبئة الموارد غير النفطية التي مازالت نسبة مساهمتها لا تتجاوز 12 % مقابل هيمنة الصادرات النفطية التي تمثل 88 % من الصادرات اليمنية.
 وتشير التقديرات إلى أن الاحتياطي النفطي للبلاد يقدر بحوالي 750 مليون برميل. علاوة على أن المؤشرات المتاحة طبقا لما يؤكده الخبراء والمختصون في هذا الميدان، غير مشجعة على استكشافات مهمة. وفي أحسن الأحوال فإن اكتشافات جديدة من المرجح أن ترفع الاحتياطي النفطي لليمن إلى 1.4 بليون برميل. وفي أحسن الأحوال هذا الاحتياطي سينفد خلال 10إلى 12 سنة قياسا بحجم الإنتاج السنوي المقدر ب 146 مليون برميل في العام.
 ومع أن الاقتصاد اليمني كان يعاني من اختلالات بنيوية إلا أنه مع بدء تصدير النفط منذ العام 1986 زاد اعتماد الموازنة على عائدات الصادرات النفطية وتعاظم تبعية الموازنة اليمنية للصادرات النفطية منذ العام 1990م بعد عودة حوالي مليون مغترب على إثر الغزو العراقي للكويت، الأمر الذي قلص من تحويلات المهاجرين، وتراجعت المساعدات الخارجية ثم ارتفعت الصادرات النفطية إلى الضعف بعد بدء شركة كنديان نكسون انتاج النفط من المسيلة في حضرموت مما أدى إلى ارتهان الموازنة للصادرات النفطية وتذبذب أسعاره في السوق الدولية.
مع تعالي الأصوات المحذرة من نضوب الاحتياط النفطي اليمني في السنوات الأخيرة أصبح شبح الخوف يهيمن على السلطات اليمنية ويحثها على تبني بدائل عملية لمواجهة كل الاحتمالات الممكنة، سيما أن موازنة العام 2007 قدرت سعر برميل النفط ب 55 دولاراً، مما دفع العديد من المسؤولين اليمنيين إلى التحذير من عواقب ذلك على ارتفاع العجز في الموازنة العامة.
 وفي هذا السياق كشف تقرير للبنك المركزي، صدر مؤخراً، أن حصة الحكومة من العائدات النفطية تراجعت في شهر يناير 2007 بمقدار 146 مليون دولار نتيجة لانخفاض حصة الحكومة من إنتاج النفط الخام خلال الشهر ذاته 2007 إلى 3.32 ملايين برميل من 5.11 ملايين برميل في الشهر نفسه من العام السابق. واعتبر ذلك التراجع مؤشراً على مدى جدية التحذيرات من نضوب النفط في أفق العام 2016 مع أنه كان من المقرر أن تحقق اليمن ارتفاعا كبيرا في الصادرات النفطية نتيجة تسلمها أهم الحقول النفطية اليمنية في القطاع 18، من شركة هنت أواخر العام 2005 بعد انتهاء عقد الاستغلال الممنوح لها مما رفع حصة الحكومة إلى 100 % من إنتاج ذلك الحقل الذي يتراوح مابين 70 إلى 77 ألف برميل يوميا بعد أن كانت حصة الحكومة 50 % فقط. واللافت للانتباه أن زيادة حصة الحكومة لم تنعكس في ارتفاع العائدات النفطية إلا بشكل طفيف للغاية خاصة خلال العام 2006 حيث ذكرت النشرة الإحصائية الصادرة عن البنك المركزي اليمني أن الصادرات النفطية ارتفعت خلال العام بنسبة 5.39% في كميتها وبنسبة 8.85% في قيمتها. هذا في الوقت الذي كان يفترض أن ترتفع حصة الحكومة اليمنية من الإنتاج بنسبة 100% في هذا الحقل الذي ينتج 25 % من إجمالي النفط اليمني المقدر بحوالي 380 ألف برميل يوميا.
 وحسب تقرير لبعثة صندوق النقد الدولي فإن تراجع النفط ستزداد وتيرته من سنة لأخرى حيث سيتراجع من 25 % كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2004 إلى 8.5% عام 2009 مما سيرفع العجز في الموازنة العامة إلى 21.9 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2009م، وسيترتب على ذلك استنفاد الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة في غضون خمس سنوات والمقدرة ب 7.5 مليار دولار حتى متم العام 2006 طبقا لإحصائات البنك المركزي اليمني.
 أمام هذا الوضع البالغ الصعوبة سيغدو اليمن عاجزا عن الوفاء بالتزاماته تجاه دائنيه فيما سيزداد ضغط المؤسسات المالية الدولية على الحكومة اليمنية بغية ضمان ملاءتها تجاه الدائنين، وبالتالي الاستدانة من اجل مواجهة خدمات الدين الخارجي، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن مستوى الدين العام إلى الناتج المحلي سينتقل من 45% عام 2004 إلى 69 % عام 2009 وإلى 118% عام 2014 و إلى 229% كنسبة من الناتج المحلي عام 2025 وسيرتفع عجز الموازنة إلى 21,9 % من الناتج المحلي عام 2009 م.
 ويتعين على الحكومة التعجيل بالبدء بصادرات الغاز المسال في أفق العام 2009 وتنشيط بقية القطاعات مثل الأسماك والسياحة وتبني مجموعة من الإصلاحات الضريبية ورفع وتيرة الاستثمارات الخارجية وحشد الدعم الخارجي والحد من انتشار الفساد في الإدارة العمومية الذي يعمل على تبديد الموارد الشحيحة أصلا.
 ويرى المراقبون والمحللون الاقتصاديون أنه على الرغم من أن كل الدلائل التي تؤكد تراجع المخزون النفطي لا تسير عملية إحلال البدائل التي ستعوض تراجع العوائد النفطية بالوتيرة التي يمكن لها أن تحل معضلة الموازنة اليمنية بما فيها حتى صادرات الغاز المسال؛ إذ تشير المعطيات إلى أن اليمن سينتج 6.7 ملايين طن من الغاز الطبيعي سنويا ولمدة عشرين سنة قادمة. إلا أن العوائد المحققة من ذلك طيلة الفترة نفسها تتراوح ما بين 20 إلى 10 مليارات دولار وهي عوائد تقل كثيرا عن عوائد الصادرات النفطية المحققة والتي بلغت 4.14 مليارات دولار عام 2006 و3.113 مليارات دولار عام 2003. كما أن القطاع السياحي وحسب الطموحات المقدرة في أجندة وزارة السياحة تطمح إلى أن تتوفر اليمن على 47 ألف سرير في أفق العام 2010 م مع أن البلد لا يصنف كبلد سياحي طبقا لمعايير منظمو السياحة العالمية إلا إذا توفر على 96 ألف سرير. أما عائدات الصادرات السمكية لم تتجاوز 140 مليون دولار سنويا والكمية المنتجة من الأسماك والأحياء البحرية بلغت 250 ألف طن، فيما الطاقة الإنتاجية القصوى للبلاد تقدر ب 400 ألف طن سنوياً. وإذا ما أخذ في الاعتبار فارق الإنتاج فإنه لن يترتب عليه زيادة كبيرة. أما الرهان على استقطاب الاستثمارات الخارجية فإنها تبقى مرهونة بمدى توفير المناخ الملائم وضخ استثمارات ضخمة لتشييد البني التحتية اللازمة وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل تراجع عائدات النفط من سنة إلى أخرى.
 عموما يمكن القول أنه في ظل هذه المعطيات ومحدودية إمكاناتها في تعويض تراجع الإنتاج النفطي اليمني وفي ظل انتشار الفساد الإداري والمالي داخل الإدارة العامة يغدو نضوب النفط شبحا مخيفا للسياسة المالية اليمنية والحياة الاقتصادية برمتها طالما والكثير من المساوئ تنخر في عضد الدولة اليمنية وأكثرها سوءاً اللعب على أن ثمة تحولات أو استعدادات لها، بينما آليات اشتغال تلك التحولات لا تنبئ بما هو موعود، حيث تعمل ظاهرة تخصيص الدولة للأهل والأقارب وتوزيع مواردها من أجل شراء المواقف السياسية، التأسيس لما دون الدولة وبالتالي لا يمكن لها أن تؤسس لدولة عصرية ولا لاقتصاد قوي قادر على تجاوز الاختلالات البنيوية الدائمة ناهيك عن مواجهة التقلبات الطارئة.