«حرية التعبير» في مأزق الصحافة اليمنية – محمد الظاهري

«حرية التعبير» في مأزق الصحافة اليمنية – محمد الظاهري

– أكثر من 50 حالة اعتداء تعرضت لها الصحافة اليمنية عام 2005، حسب عدد من التقارير المحلية والدولية، والأكثر قسوة أن عددا كبيرا من هذه الاعتداءات كانت قاسية ولا أخلاقية. وتبشر الأرقام الأولية التي تم جمعها عن العام الماضي برقم قياسي جديد. ومرحبا بكم في 2007.
يؤمن كثيرون بأن الأشياء التي نملكها لا تثير شهوة الحديث أو الاهتمام بها، وخلال السنوات الأربع الماضية، لا شيء يستحوذ على اهتمام الوسط الصحفي والسياسي في اليمن أكثر من موضوع “حرية التعبير”. إنها بؤرة كل المشاكل وعنوان كل الحلول.
حتى الاختلاف في تقييم مستوى “حرية التعبير” مجرد اختلاف في وجهات النظر لا يحدث فرقا كبيرا هنا. مجرد جزء من صخب يتعالى كل يوم حول موضوع الحرية، صخب يعتبره البعض مطالبة بحق افتقد أكثر منه حرية الصراخ ضد محاولات القمع.
العام 2005 كان عام النكسة بالنسبة للصحفيين وأنصار الحريات المدنية، لقد سجل رقما قياسيا لحالات اعتداء بشعة تعرض لها صحفيون، وسادت أحكام تقضي بحرمانهم من الكتابة، وتعملق مشروع قانون يريد بسط نفوذه حتى على الانترنت.
وكأن الحرية مطلع مفارقات. فبنفس القدر زادت جرأت الكتابات الصحفية، وشراستها، وكلما تضخمت هراوة القمع تجاوزت الأقلام حواجز جديدة، لم يعد هجومها وتقريعها يستثني حتى رئيس الدولة، الذي “انتزعت منه الصحافة رداء القداسة” كما يحلوا للبعض وصف ما يجري.
وشكل نبش قضية “توريث الحكم” سقوط آخر المحاذير، ويسميها أنصار ارتفاع سقف الحرية في اليمن بـ”محاكمة نوايا الرئيس”. فهو إلى وقت قريب نصير الديمقراطية فلماذا قد يفكر بتوريث الحكم.
ورغم أن الصحفيين اللذين أثاراها بشكل مباشر للمرة الأولى في 2004 ما زالا يعانيان حتى اليوم، إلا أن القضية التي ظلت حكاية حمراء يحميها سياج أسلاك شائكة موصلة بخطوط “الضغط العالي” غدت مشاعا بعد حكر.
بالنسبة لنائف حسان، وهو أحد الصحفيين اللذين أثارا القضية: “كانت تلك أزهى فترة عاشتها الصحافة اليمنية”، على الأقل وجدا رئيس تحرير لديه الجرأة لنشر موضوعهما. ورغم ما تعرض له ثلاثتهما بعدها يرى حسان أن “لدينا فسحة من الحرية”.
عندما بدأوا بنشر تحقيقاتهما عن “التوريث”، حسب تعبير حسان: “فوجئت أن السلطات كانت أكثر مرونة في تعاملها مع الأمر من كثير من الصحفيين والنخب السياسية المعارضة”.
وقال: “لقد هاجموا نشرنا تلك الموضوعات وتطرقنا لقضية التوريث أكثر مما فعلته السلطة”
شريكه نبيل سبيع يرى أيضا أن “هناك مساحة حرية، لكن العواقب التي تنتهي إليها هذه الحرية أكبر بكثير من هذه المساحة”.
إنه مع المقولة: “حين تكون الحرية سببا لتعرضي للإعتداء، لا يمكنني تسميتها حرية”، وضد فكرة “التضحية من أجل نيل الحقوق”. وقال: “لماذا أضحي من أجل الحصول على حقي، إن فكرة التضحية متخلفة”.
فيما بعد تم التنصت على مكالمات نبيل سبيع مع صديقة فرنسية ونشرها، وتعرض لاعتداء في أحد الطرقات ومحاولة لتلفيق تهمة مخلفة بالشرف، وتطارد الاثنين أحكام قضائية تتراوح بين الامتناع عن الكتابة لمدة ستة أشهر، والسجن لعام كامل وغرامة ماليه تتجاوز قيمتها المبلغ الذي قد يدفع سبيع للتفكير في الزواج.
ومع تعالي الصخب بشأن “حرية التعبير” أصبح إصدار تقارير دورية متخصصة في رصد كل ما يتعلق بقضية “الحريات” –كل من وجهة نظره- فجأة، نشاطا يزاول في اليمن.
وربما يمثل عام 2005 بلوغ هذه المراصد مرحلة متقدمة بالنسبة لنشاط يمني جديد غدا محل اهتمام أشخاص ومؤسسات مدنية وحتى حكومية.
ومن المفارقات أن بعض هذه التقارير التي تتبنى الدفاع عن الحرية لم تكترث كثيرا لقضيتها، عدد منها كان نشاطا شخصيا تم الاستحواذ عليه دون الاكتراث لصاحبه، وأخرى تعاملت وكأن الحرية هي الاستثناء، والقاعدة مصادرتها.
 
كان ذلك موجز الأنباء، وفيما يلي التفاصيل
أكثر من 50 حالة اعتداء تعرضت لها الصحافة اليمنية عام 2005 حسب عدد من التقارير المحلية والدولية، بالإضافة إلى أخرى رحلت من العام السابق، والأكثر قسوة أن عددا كبيرا من هذه الاعتداءات كانت قاسية ولا أخلاقية.
قائمة بالأحكام الجائرة، تتراوح بين المنع من الكتابة وإقالة رؤساء تحرير من مناصبهم كما حدث مع رئيس تحرير صحيفة “الثوري” خالد سلمان، المطارد باثنتي عشرة قضية رأي أخرى، وأعلن مؤخرا لجوءه السياسي في بريطانيا بعد تلقيه معلومات عن “محاولة لتصفيته جسديا”، كما أعلن.
ورغم إعلان رئيس الدولة وتوجيهه بمنع سجن الصحفيين إلا أن قائمة بالأحكام صدرت بعدها ضد صحفيين تقضي بالسجن لمدد تتراوح بين نصف عام وعام كامل، وغرامات مالية هائلة، ومنع من الكتابة، وغالبا اجتمعت العقوبات الثلاث دفعة واحدة.
حدث ذلك مع فكري قاسم وصلاح الدكاك ونائف حسان ونبيل سبيع وخالد سلمان وآخرين.
بالإضافة إلى ذلك طالت الاعتداءات الأعراض عبر صحف صدرت خصيصا للقيام بهذه المهمة ويستثنيها القانون من سلطته، فقد عجز أمين عام نقابة الصحفيين حافظ البكاري وزوجه رئيسة منتدى الإعلاميات اليمنيات، رحمة حجيرة،من مقاضاة جريدة اتهمت الأخيرة في شرفها. وواصلت نشر تهم مختلفة بحق الاثنين.
وتشمل قائمة الاعتداءات تلفيق تهم جنائية، فما زال الصحفي محمد صادق العديني، المشغول برصد الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون، مطاردا منذ 1997 بتهمة قتل دون أدلة، وبأحكام غيابية يقف خلفها نافذون في منطقته “العدين” بعد تناوله قضية “السجون الخاصة”.
وأصيب مدير تحرير أسبوعية “النهار” هاجع الجحافي، أثناء فتحه طردا ملغوما، وصله بعد نشره تحقيقا صحفيا عن سجون خاصة واضطهاد يمارسه أحد الشخصيات الاجتماعية النافذة في محافظة إب على السكان.
ولم تكن آخر حكايات عام الصحفيين الأسوأ أقل قسوة. في 23 أغسطس تبول مسلحون على رئيس تحرير جريدة “الوسط” جمال عامر، بعد ضربه وتهديده بالقتل طوال ست ساعات في منطقة نائية نقل إليها معصوب العينين في سيارة تحمل رقما عسكريا.
اختطاف عامر جاء بعد نشر جريدته تحقيقا تضمن قائمة بأسماء أبناء المسؤولين الذين حصلوا على مناصب عليا دون أي معايير قانونية. وقد طالبه الخاطفون وهم يطلقون نيران بنادقهم حوله بالإمتناع عن تناول “رموز البلاد” في صحيفته.
كشفت حادثة التبول فوق رؤوسنا أن في البلاد رموزاً، يقبلون العيش مع كائنات أخرى يمكن التبول عليها.
في العام نفسه تعملق مشروع قانون جديد في وزارة الإعلام يريد بسط نفوذه حتى على شبكة “الإنترنت”، ويصر على تحريم امتلاك غير الحكومة تلفزيونا أو راديو. لهذا يفضل الصحفيون تسمية عام 2005 بـ”عام القمع” ليتوجوا به مرحلة تولي صحفي منهم منصب وزير إعلام.
ويرى كثيرون أن وزير الإعلام الحالي والذي تولى المنصب نفسه في الثمانينيات وحكم الإعلام يومها بالحديد والنار، أعيد إلى المنصب نفسه مؤخرا بسبب دعمه مشروع القانون الجديد في كتاباته، وليس بسبب نزاهته التي لا يستطيع أحد، حتى الآن، التشكيك فيها.
 
الحصاد الآن.. 2006 أسوأ
افتتح العام 2006 بظاهرة التنصت على المكالمات وإعلان محتواها. ففي منتصف يناير العام الماضي فوجئ مراسل الجزيرة في صنعاء، أحمد الشلفي، بحديث دار بينه وبين زوجته عبر الهاتف، يصله عبر البريد الإلكتروني كما وصل إلى مئات العناوين في مقدمتها عناوين الصحفيين اليمنيين وبريد قناة الجزيرة.
كانت المحاولة الثالثة لانتزاع مصدر دخل غير المرغوب بهم، لذلك تم إرسال نص المحادثة إلى الجزيرة، لأن جزءاً من المحادثة التي جرت أثناء تقدم الشلفي للعمل مع القناة تتضمن مخاوفه من احتمال عدم قبوله، كانت مخاوف زوج على أعتاب مرحلة جديدة يبثها زوجه.
تم قبول أحمد في الجزيرة، وأثبت أنه جدير بالعمل مع وسيلة بهذا الحجم، وأثبتت الجزيرة أيضا فيما بعد أنها جديرة بهذا الحجم حين أعرضت عن آخر أساليب الاعتداء على الحريات.
قبل أحمد، نجح الأمر مع مراسلة “زهرة الخليج” رحمة حجيرة التي، تم الاستغناء عنها بسبب تقارير ومكالمات سياسية، وبعدها استغنت “عكاظ” عن حافظ البكاري للأسباب نفسها التي ظلت غير معلنة بشكل رسمي، وإن كان ثلاثتهم يحتفظ بما يكفي من وثائق.
وكما فشل حافظ ورحم في رفع دعوى قضائية ضد خصومهم في أكثر من حادثة اعتداء، وانتهى بهم الأمر بالبحث عن وطن جديد، فشل الشلفي أيضا في تحريك دعوى قضائية ضد من اقتحم حياته الشخصية وعبث بها.
وحين استدعى البرلمان وزير الداخلية لسؤاله عما تعرض له الشلفي قال إن أي شخص أو جهة قادرة على التنصت، وهو ليس مسؤولا عما تعرض له الشلفي.
وشكلت الأحكام القضائية في العامين الأخيرين كابوسا للصحفيين، فغالبيتها صدر بصورة تعسفية دون أي سند قانوني كما عبر عن ذلك عدد من المحامين الذين تبنوا قضايا الصحفيين. أصبحت الأحكام في الغالب تجمع بين عقوبتين.
آخر العقوبات المثيرة للجدل والتي بات إصدارها شبه دائم، هي منع الصحفيين من الكتابة لمدد تتراوح بين ستة أشهر وعامين، حتى وإن كانت الكتابة هي مصدر دخله الوحيد.
 
خسائر الحرية…
لقد خسرت اليمن الكثير بسبب تزايد حالات الاعتداء على الصحف باعتبار الصحافة ترمومتر حرية التعبير. لقد تراجع موقع اليمن في تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” (أكتوبر 2006) لتحتل المرتبة 149 من أصل 168، وصنفت بين أسوأ عشرين دولة في العالم في حرية الصحافة.
وقبلها رفض طلب اليمن الانضمام إلى صندوق الألفية لعدد من الأسباب على رأسها ترجع الحريات الصحفية، ووضعت أمامها سبعة شروط للإنضمام،ثلاثة منها متعلقة بحرية التعبير، ومعاقبة كل المتورطين في انتهاكات تعرض لها الصحفيون.
ورغم أن المتورطين في معظم الانتهاكات التي تعرض لها صحفيون وصحف معلومون إلا أن ساكنا لم يُحرك، ما تزال عدد من القضايا معلقة منذ سنوات. ويستغرب فكري قاسم الذي يعد بين صحفيي الصف الأول، عدم محاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات.
وقال: “هناك ميول للحرية، الأغبياء فقط يعتقدون أن الحرية تأتي على حسابهم، فلماذا لا يحاسبون؟”، إن ذلك أفضل من أن يدفع الوطن الثمن.
ويطارد قاسماً حكمان ابتدائيان، يتقاسم أحدهما مع زميليه صلاح الدكاك وخالد سلمان، ويقضي الحكم بسجنهم عاما، والامتناع عن الكتابة مدة ستة أشهر، ودفع غرامة مالية قدرها مليون ريال.
القضية رفعت بسبب كشفهم فسادا ماليا لأحد المسؤولين في محافظة تعز. وقال فكري قاسم: “بدلا من النظر في الوثائق التي نشرناها، رفعت ضدنا دعوى قضائية بتهمة الإساءة إلى المقدسات”، وبسخرية: “لا أدري ما وجه الشبه بين المقدسات ومسؤول فاسد”.
الحكم الثاني الصادر ضد فكري قاسم يقضي بسجنه عاما، بتهمة الإهانة العلنية للرئيس، ويرى قاسم أن من أهان الرئيس هي وزارة الإعلام التي رفعت الدعوى وليس هو، وقال: “الرئيس كفل لنا حرية التعبير ويتحدث عن ذلك كثيرا، فكيف أهينه حين أمارس هذا الحق!”.
ما يحدث على صعيد “حرية التعبير” في اليمن من وجهة نظر فكري يقتضي التفريق بين عملية “البحث عن الحرية والحرية نفسها”، وقال: “نحن في المرحلة الأولى” لهذا لا يستطيع أن يقول بوجود الحرية، لأن الحرية بالنسبة له “ما يحررني من الخوف، وأنا لا أشعر بالحرية إلا داخل منزلي وأفتقدها بمجرد مغادرته”.
شريكه في القضية الأولى والمتهم، في قضية أخرى، بإثارة النعرات الطائفية، صلاح الدكاك، يرى في الصخب الدائر بشأن حرية التعبير في اليمن علامة غيابها، وقال: “يكثر الحديث عن الأشياء عندما تغيب، لا أحد يتحدث عن شيء موجود”.
ويفسر ما يحدث على صفحات الجرائد من “جرأة”، وتناول الصحفيون قضايا خطرة بمحاولة للحفاظ على سقف الحرية مرتفعا، وهي محاولة استدعتها محاولات إلغاء هذا الحق، وقال: “إنهم يتشبثون بحق يراد انتزاعه، يريدون الحافظ على سقف مرتفع للحرية”، لكنها محاولة تستدعي “تضحية انتحارية”، على حد تعبيره.
 
ختاماً.. “حرية التعبير”..
من العبارة نفسها تبدأ خطابات محشوة بالتهم ومكدسة بالإقصاء، وبنفس العبارة يتذرع آخرون ويتضرعون. وتبقى “حرية التعبير” آخر ما يأمله حاكم وأقصى ما يناله محكوم.
أشعر أني أكملت للتو أحد أفضل تقاريري الصحفية. وأتمنى ألا يعني ذلك شيئا مثل بداية أسوأ أيام حياتي. لنجعل ذلك لا يحدث من أجل “حرية التعبير”، أو على الأقل لأبدو كاذبا.