حق الحذاء برصيف الكتابة! – منصور هائل

حق الحذاء برصيف الكتابة! – منصور هائل

كيف لـ«الجزمة» أن تكتب؟ وهل تملك الأحذية الحق في حرية التعبير في عاصمة اليمن، التي تعرضت أرصفتها لأفظع حروب الإبادة، وضاقت وانكمشت وتلاشت بإحكام يشير إلى أصابع كتائب إعدام نشطة في القضاء على أرصفة طالما سمحت للمرء باختلاس ترف الاستمتاع بوقع كعب حذاء غامض وناعم النكهة، ولم تعد تتسع للأقدام الحافية، فكيف لها أن تسمح بحق الاحذية في حرية التعبير والكتابة!؟
وبما أن الصحفيين صاروا «جزمات»، كما قال الضابط المناوب على حراسة النيابة المناوبة، عندما استقبل أمين عام نقابة الصحفيين الزميل مروان دماج، ورئيس لجنة الحريات في النقابة الزميل سامي غالب، وغيرهم من الزملاء الذين تنادوا إلى النيابة بقصد التشفع للزميل علي السقاف، رئيس تحرير صحيفة «الوحدوي» الذي خفر من مقر صحيفته بالأطقم العسكرية المدججة بالعسكر وأسلحتهم المعمرة والجاهزة للإطلاق وكأنه (أي الزميل السقاف) رئيس عصابة مخدرات أو زعيم «القاعدة» في اليمن أو «الحوثي» وهو منزوع من كهفه!!
وبما أن الصحفيين صاروا أحذية تبعاً لمنطق ومسلك الناطق بإسم الداخلية، وبحسب منظور و«منطوق» لغة الخطاب السياسي البوليسي، أو البوليسي الصرف، السائد و«الحاكم»؛ فقد صار من واجب الجهاز الحاكم والمتنفذ، بقضه وقضيضه، وبمرتفعاته وحضيضه، وكافة أولئك الذين يطرزون هذا الخطاب بالأحذية، أن يعيدوا لنا الارصفة المنهوبة والهاربة، لكي نتمكن من استعادة لباقة الاحذية ونمارس حقها (حقنا طبعاً!) في الكتابة، خاصة بعد أن تلبدت السماء بسحب غروب زمن الكتابة في الصحافة الورقية، وتكالبت واستكلبت نذر اعتماد لغة الحذاء أو اللغة بالحذاء في بلاد يبدو أنها أضحت مشدودة بمربط حذاء ثقيل، ومرهونة بما يصادر الخطى، وبما لا يحتذى.
ولسوف نأتي على زمن بلا كتابة، ولن يكون بمقدورنا كتابة السيرة الذاتية للجزمة أو سيرة هذيان كعب حذاء أنثى في شارع جمال أو شارع آزال حيث رُشقت فتاة بالذخيرة الحية من سيارة (…) لمجرد أنها كانت تمارس حقها في الاياب إلى البيت كتابة بقدميها.
ولن يكون بميسورنا استعادة لحظة الكتابة في بزغة صباها وفي لحظة غرامها المشبوب (المشبوه في نظر «النظام» طبعاً) المقترن بأيام تباهي «النظام» بهامش حرية التعبير، واستثماره لذلك «الهامش» في مجرى نهب الخارج واستلاب الداخل وخنقه من خلال إطلاق العنان لـ«حرية» استباحة الصحافة واختطاف الصحفيين والصحفيات وسحلهم وسجنهم وترويعهم في مواقع عملهم وفي بيوتهم، بغزوات أشباح الليل وقراصنة المكالمات الهاتفية وفرق الالغام البارعة في زراعة أجهزة التنصت والتصوير والتسجيل في الحمامات وغرف النوم لاصطياد همسات اللوعة والفاجعة والأحزان «المارقة».
ولن نأتي بجديد لو عرضنا لسجل إنجازات «النظام» في كتم الكتابة والكتاب وحبس الانفاس وتنكيس الرؤوس لحساب رفع الاحذية وصوتها، ومحو العقل والتوقيع على «هامش» حرية التعبير بكفن لا يليق بخرافة خرقاء لا مجال لقياسها بـ«الحرية» الاخرى المقابلة، والمقاتلة، حرية الفلتان والديدبان والقتل والعربدة والبلطجة وما يعف عن استيعابه قاموس الحذاء أو منجد «الجزمات».
وهكذا صار «الهامش» بمثابة كمين لاصطياد الاقلام والاقدام وضاقت البلاد بالكتابة الحافية، ولا صوت يعلو فوق صوت الجزمة.
[email protected]