عبدالباري طاهر يكتب عن نزاهة الانتخابات

عبدالباري طاهر يكتب عن نزاهة الانتخابات

بعد حوار دام ما يقرب من شهرين، وقع حزب الحكم (المؤتمر الشعبي العام) بزعامة الرئيس علي عبد الله صالح، وأحزاب اللقاء المشترك (المعارضة السياسية) على وثيقة نزاهة الانتخابات. وهو اتفاق ربما يكون الأول من نوعه في وطننا العربي، وربما أيضاً عالمنا الثالث؛ فنزاهة الانتخابات حقٌ يكفله الدستور والقوانين المنظمة لذلك. توقيع المؤتمر الحاكم برعاية صالح يحمل معاني ودلالات عدة؛ فالمتعارف عليه أنَّ الدستور اليمني وقانون الانتخابات ينصان على ذلك. وقد يكون في كليهما أو أحدهما قصور أو نقص، وكان يمكن عبر التحاور وعبر مجلس النواب مراجعة النقص وإعادة النظر فيه، ولكن غرائبية المزاج السياسي الغاضب والمتفجر دوماً قد جعل من هذه القضية المهمة حقاً معركة المعارك.
 ومنذ مطلع العام الحالي تصاعد التنازع بين الحكم والمعارضة حد التلويح بالثورة، والتوقيع من جانب الحكم على اعتراف بالخلل في آلية الانتخابات والقصور في تشريعاتها، والتراجع عن اعتبار اللجنة العليا للانتخابات خطاً أحمر -حسب تصريحات كبار مسؤولي المؤتمر- هو تراجع جزئي وتكتيكي، ولكنه مهم من زاوية الاعتراف بالخطأ، والتراجع عنه، وتعبير عن الحرص على التوافق والحوار، وهي محسوبة للمؤتمر الشعبي العام وتحديداً للرئيس الذي يمسك بيديه مفاتيح الحل والعقد. ويعني في جانب آخر تراجعاً في مطالب المعارضة السياسية (أحزاب اللقاء المشترك) التي رأت في اللجنة العليا أداةً بيد الحكم تنقصها النزاهة والاستقلالية والحياد. فالقبول بالمشاركة في قوام اللجنة بعضوين لا يحول هذه اللجنة المنحازة فعلاً إلى لجنة محايدة ومستقلة؛ ولكنه يضعف دعاوى المعارضة ويقلل من مصداقية مطالبها. وقبول المعارضة السياسية بالمشاركة السياسية بالمشاركة المتأخرة وإن فسر بالحرص على العملية الديمقراطية إلا أن تأخره يفرض أعباءً إضافيةً على هذه المعارضة المرتبكة حقاً؛ فإن الاتفاق عبر الحوار إنجازٌ مهم، ولكن الأهم الالتزام به قولاً وفعلاً. فالمتابع للحالة اليمنية يعرف مدى استجابة اليمنيين للتوقيع، ولكن الصعوبة غالباً ما تتمثل في الالتزام المترتب على هذا التوقيع. والواقع أن التوافق على الذهاب إلى صناديق الاقتراع للانتخابات الرئاسية والمحلية أمرٌ مهم، ولكن الأهم تحقيق قدر من النزاهة والحرية والشفافية. فهل توفر الوثيقة المتفق عليها ذلك؟ وإذا كان الحكم تنازل عن اعتبار اللجنة العليا خطاً أحمر؛ فإن المعارضة قد قبلت المشاركة في لجنة تطعن في شرعيتها! لنترك ذلك جانباً ولنقرأ تفاصيل الاتفاق، فالبند الأول ينص على ضم عضوين إلى قوام اللجنة المكونة من سبعة أعضاء، ليصبحوا تسعة، وهو ما يتطلب تعديلاً في التشريع، وسيكون العضوان ممن اختارهم مجلس النواب في مرحلة تشكيل اللجنة إياها. ونصت الاتفاقية على اقتسام اللجان المشرفة الأساسية والفرعية بنسبة 54% للمؤتمر الشعبي العام، و46% للمعارضة السياسية. ويعتبر ذلك تنازلاً من المؤتمر الذي كان يتمسك بنسبة مقاعده في النواب. والأهم القبول بإعادة فحص سجل قيد الناخبين، وهو تنازل مهم من قبل المؤتمر الذي عبأ السجل بأكثر من نصف السكان. وتنص المادة الرابعة على حياد الإعلام الرسمي، ومشاركة جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية المشاركة في الانتخابات. وهناك مواد تتعلق بالرقابة الحزبية والشفافية، وتزويد الأحكام بنسخ إلكترونية من سجلات القيد.
ولعلَّ أخطر ما في الاتفاقية هو التواطؤ على تغييب دور المرأة، واللجوء إلى الصيغ العائمة والإنشائية بدلاً من تحديد دقيق لنسب مشاركتها سواء عبر الكوتة، أم تحديد نسب معينة ومحددة وملزمة للطرفين. فالمادة الحادية عشر “ينبغي أن يكون مجسداً للروح الحضارية اليمنية الرائدة ومجرداً لذلك التوازن الإنساني والحيوي في العلاقات المتبادلة بين الرجل والمرأة في المجتمع. ولذلك فإنه يجب دعم المرأة اليمنية وحقها في ممارسة حقوقها الدستورية والقانونية دون انتقاص في أي شكل من الأشكال المادية والمعنوية، باعتبار النساء شقائق الرجال، وأن على جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية أن تجعل من مشاركة المرأة في الحياة السياسية هدفاً وطنياً وإنسانياً وحضارياً “.
والمادة من ألفها إلى يائها لا تخرج عن الموعظة الحسنة، والدعوة الطيبة لمشاركة النساء. والكلام طيب لو جاء على لسان خطيب المسجد أو داعية حقوق، ولكن أن يوضع في تشريع كما هو حال الدستور اليمني المعدل عقب حرب 94 ثم أن تنقل الفقرة المهمة منه (النساء شقائق الرجال) إلى وثيقة كهذه فذلكم لغو القول وجملة فارغة لا تعني شيئاً.
فداحة النص أنه يُمَنِّي بأكثر مما يعد، ويعد بأكثر مما يعطي. الفاجع أن المرأة التي تمثل أكثر من 55 % من السكان لا تصل في مجلس النواب إلا بعضوة واحدة شُكِّكَ في نجاحها في مجلس قوامه3001. ويجيء النص الإنشائي بامتياز ليعظ في موقع التقنين، وليعد حيث التحديد والالتزام.
والمأزق أن يجمع الحكم والمعارضة على الالتفاف على حق المرأة. والواقع أن مناطق يمنية شهيرة لا تورث المرأة، بينما يتحايل غالبية اليمنيين على توريث المرأة. ويبدو أن مشاركتها السياسية وحقها في الترشح والانتخابات مُتَحَايل عليه كحقها في الإرث.
أما الحديث عن حياد الإعلام الرسمي والوظيفة العامة والمال العام والقوات المسلحة والأمن فإنه وإن كان أمراً طيباً إلا أن الأمر الأهم هو مدى التزامها عملياً بذلك. ويتصرف قادة المؤتمر الشعبي العام في الدولة وأجهزته المختلفة وكأنها ملكية خاصة! كما نص الاتفاق على حضر الإنفاق من الوزارات والمؤسسات والشركات والهيئات العامة في حين تبرع التجار بمليار لحملة صالح.